في عمل سردي فريد يستند إلى الذاكرة بوصفها وسيلة لاستحضار ملامح المكان في زمن ماضٍ، يقدّم الروائي والناقد السعودي عبد الرحمن مُنيف، أحد أبرز أعمدة السرد العربي المعاصر، في كتابه "سيرة مدينة: عمّان في الأربعينات" لوحة نابضة لمدينة عمّان في بدايات تشكّلها الحديث. يتجاوز هذا العمل حدود التصنيفات الأدبية المألوفة، فلا يمكن اعتباره رواية تقليدية ولا سيرة ذاتية خالصة؛ بل نصّاً مركّباً يمزج بين سيرة المدينة وسيرة الإنسان، تتداخل فيه الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ليغدو الحنين والوعي معاً أداتين لاستكشاف علاقة الإنسان بالمكان ورصد رحلة المدينة في تحوّلها من فضاء بسيط إلى كيان نابض بالحياة والتاريخ. ويوضّح الكاتب في مقدمة كتابه طبيعة هذا التوجه بقوله: "هذا الكتاب عبارة عن سيرة لمدينة، هي عمان، وليس سيرة ذاتية لكاتبه، وإن تقاطعت السيرتان، بسرعة وجزئي، في بعض المحطات. كما أنه ليس رواية، لأن الخيال فيه محدود، وإن استعار من الرواية بعض أدواتها، كطريقة العرض والبناء" (مُنيف، 2006، ص 45).
لا يقدّم مُنيف تاريخا تقليدياً لعمّان يعتمد على المراجع والوقائع الموثقة، بل يلجأ إلى سرد ذاتيّ ينبثق من تجربته الشخصية ورؤيته الخاصة لتلك المرحلة متتبعاً حياة مدينة عمّان في أربعينيات القرن العشرين، المدينة التي ولد ونشأ فيها يتيم الأب تحت كنف والدته وجدته العراقية. يروي الكتاب رحلة مُنيف في عمّان منذ بدايات تعلّمه في الكتّاب، حيث حفظ أول حروفه، وصولاً إلى اللحظة التي غادر فيها المدينة لمواصلة دراسته الجامعية في بغداد، حاملاً معه ذاكرة المدينة وصورها وأصواتها، التي شكّلت وعيه الأول وأثرت بعمق في رؤيته للعالم. يكتب مُنيف عمّان كما عاشها هو، لا كما وردت في المصادر، مؤمناً بأن الذاكرة قادرة على الكشف عن زوايا خفية من تاريخ المدينة، وإعادة قراءتها من منظور إنساني دافئ يتجاوز جفاف المنهج الأكاديمي التقليدي. وصدر كتاب "سيرة مدينة" لأول مرة عام 1994، ثم أُعيد نشره في طبعة منقّحة وحديثة عام 2006، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بالتعاون مع دار التنوير للطباعة والنشر، قد تميّزت هذه الطبعة بإضافة رسوم توضيحية، رسمها الكاتب نفسه، لشخصيات الكتاب، ما أضفى على النصّ بعداً بصرياً وجمالي يُكمل ثراءه السردي ويُقرّب القارئ من أجوائه الحية وتفاصيله الدقيقة، وجاء الإصدار في (448 صفحة) من القطع المتوسط.
ومن خلال هذا التمازج بين الواقعي والذاتي، تتنوّع مستويات السرد وتتداخل عناصره في نسيج متماسك يجمع بين حميمية التجربة وصدق التوثيق؛ إذ يتولى راوٍ عليم، عبد الرحمن مُنيف في طفولته وصباه، سرد السيرة بلغة واضحة شفافة وأسلوب رشيق، تتتابع فيه الأفكار بانسجام وتسلسل منطقيّ متين، بينما تنبض الصفحات بحوارات حيّة وشخصيات واقعية تتقدّمها الجدة بوصفها محور الأحداث وبطلتها الحقيقية، وفي الوقت ذاته، تكمّل الشخصيات الثانوية الأخرى المشهد العام لصورة الحياة اليومية. وتتوزع شخصيات الكتاب بين شخصيات حقيقية، مثل الجيران وأصحاب المحال لتعزيز الواقعية، وبين شخصيات جماعية نموذجية تمثل نسيج المدينة الاجتماعي والثقافي المتعدد ، العاملين في القطاع الطبي والتعليمي وأصحاب الحرف والمهن كالحلاقين والبائعين بالإضافة إلى المزارعين والبدو، وتتسع دائرة التمثيل لتشمل المهاجرين والوافدين من جنسيات مختلفة ( مثل الشركس والسوريين والفلسطينيين وغيرهم من الجنسيات)، ويشير مُنيف إلى ذلك قائلاً: "لو مر سائح في عمّان خلال فترة الأربعينات... فإن الانطباع الأول الذي يخرج به أن المدينة تعيش في كرنفال دائماً من حيث الملابس واللهجات والعادات، لأن التعدد يفوق الموجود يفوق أي مكان آخر". (مُنيف، 2006، ص 173).
وتشكّل جغرافيا المكان في كتاب "سيرة مدينة" لعبد الرحمن مُنيف المحور الأساسي للعمل، فهي ليست مجرد خلفية للأحداث، بل الشخصية الرئيسية التي تدور حولها السيرة وتتحدّد من خلالها ملامح المدينة وتاريخها. وفي هذا السياق، يبرز مُنيف ثنائية القاع (وسط المدينة) والجبال لتجسيد التباين الاجتماعي والمكاني في عمّان الأربعينات؛ إذ يمثل القاع قلب المدينة النابض، مركز الأسواق والحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي قلب هذا المشهد، يبرز الجامع الحسيني بوصفه المركز الرمزي والروحي لعمّان القديمة، إذ كانت تتجمّع حوله الدوائر الحكومية ومركز الشرطة والمدارس والأسواق الشعبية، حيث يختلط سكان المدينة القدامى بالوافدين في حركة متواصلة، كما يتتبع مُنيف مجرى السيل من منبعه في راس العين إلى مصبّه في نهر الزرقاء ماراً بوسط المدينة ليصبح شاهداً على تحوّلات المكان وحركة الحياة فيه، أما الجبال، مثل جبل عمّان وجبل اللويبدة، فتمثل مناطق السكن والهدوء والاستقرار، البعيدة نسبياً عن صخب السوق، وربما تُشير إلى بعض التقسيمات الطبقية أو الاجتماعية في المدينة، وتأتي الأدراج التي تصل القاع بالجبال كرمز نابض يختزل تواصل المكان وتفاعل الناس اليومي، لتغدو بمثابة شرايين تربط بين مستويات عمّان المادية والإنسانية في نسيج واحد متكامل، في هذا السياق يؤكد مُنيف: "إن المكان، في حالات كثيرة، ليس حيزاً جغرافياً فقط، فهو أيضاً البشر، والبشر في زمن معين… فالمكان يكتسب ملامحه من خلال البشر، الذين عاشوا فيه. والبشر هم تلخيص للزمن الذي كان، وفي مكان محدد بالذات..." (مُنيف، 2006، ص46).
وفي سياق آخر، يرى الأديب محمد القشعمي أن شخصية الجدة تؤدي مميزاً في النص؛ فهي تضفي بتعليقاتها اللاذعة ولهجتها البغدادية روحاً نابضة وخصوصية تجعلها أكثر من مجرد رمز لمدينة عمّان، لتصبح انعكاسا لجانب من شخصية عبد الرحمن مُنيف نفسه؛ فهي، من خلال تجاربها وحكاياتها وتعليقاتها تعبّر عمّا كان ينقص مُنيف في طفولته، كما يقول إحسان عباس: "فلقد تقمص حين كبر شخصية الجدة وأرخى لها عنان التعليق والتهكم اللاذع لتنوب عنه في مكان لم يكن بمقدوره التعبير عن موقف تجاهه" (القشمعي، 2008). وفي هذا الإطار، يقدّم عبد الرحمن مُنيف رؤية نقدية لتاريخ عمّان وتحولاتها الاجتماعية، مستندا إلى خلفيته الأكاديمية في الاقتصاد والعلوم السياسية؛ إذ يرى أن المدينة نتاج مشروع سياسي واجتماعي معقّد تداخلت فيه القوى والمصالح والإرادات لتشكّل ملامحها المادية والإنسانية. ومن هذا التداخل نشأ نسيج حضري يعكس مظاهر التقدم والانفتاح، وفي الوقت ذاته يشير إلى ما فُقد من قيم ومعان إنسانية مع كل خطوة نحو الحداثة. ويرصد الكتاب أثر التحولات السياسية التي عصفت بالمنطقة، بدءاً بالاستعمار البريطاني، بعد انهيار الدولة العثمانية، مروراً بالحرب العالمية الثانية، ووصولا إلى نكبة فلسطين عام 1948، كما يبرز دور صعود التعليم والثقافة، كمدخل للتحرّر الفردي وبناء الوعي القومي، في صياغة وعي جمعي وفكر جديد مهّدا لظهور ملامح المدينة الحديثة وتشكّل هويتها الاجتماعية والثقافية.
في سياق منهجي متكامل، يوثق السرد أغلب مناحي الحياة الأساسية في عمّان الأربعينات في سياقها الاجتماعي، على نحو جاذب يثير بواعث الحنين إلى تلك الفترة من الزمن، ففي الجانب الطبي، يتناول الكاتب محدودية المستشفيات والمراكز الصحية، مع الإشارة إلى بعض الأطباء المعروفين في تلك الفترة، وبالمقابل، يبرز استمرارية دور الطب الشعبي والمجبرين والشعوذة في العلاج، أما في المجال التعليمي، فيتتبّع السرد تطوّر التعليم من خلال رحلة مُنيف التعليمية من الكتّاب والمدارس الحكومية – مثل مدرسة العبدلية – إلى المدارس الخاصة – الكلية العلمية الإسلامية – وصولاً إلى المرحلة الثانوية، مع توضيح أثر أساتذة الكلية في تكوين الوعي الفكري والعقائدي لدى الطلبة. ويمتد السرد ليشمل تفاصيل الحياة اليومية وعلاقات الناس في المدينة، متناولا الألعاب الجماعية للأطفال ووسائل الترفيه للكبار والتنزه في فصل الربيع، إضافة إلى الأعمال والعادات المرتبطة بفصول السنة الأربعة، مثل الزراعة والحصاد والتجارة والصناعات التقليدية، ومواسم الأعياد والمناسبات الاجتماعية وشهر رمضان. ومن ناحية أخرى، لا يغفل السرد عن التحديات التي كان يواجهها الناس، بما فيها المخاطر الطبيعية (كالأمطار الشديدة والثلوج وتشكُّل السيول)، وشحّ التموين خلال الحرب العالمية الثانية، وكذلك تحولات البنية المعيشية في مجتمع يتجه نحو التغيير.
ينتهي الكتاب بوفاة الجدة، وبوفاتها يُغلق مُنيف الراوي فصلاً أساسياً في حياته، لتبدأ مرحلة جديدة مع "جدّة" أخرى هي بغداد، المدينة التي تجمع بين الحنان والقسوة، وتتابع تشكيل وعيه وارتباطه بالمكان في أبعاده العاطفية والرمزية. وقد عبّر مُنيف عن هذا التحول بدقة، حين قال بعد دفن الجدة: "وخرج الحفيد من المقبرة إلى دوي المدينة، خرج إلى بغداد القاسية والحنونة، ليبدأ مشواراً جديداً في هذه الحياة!" (مُنيف، 2006، ص 436).
وختاماً، قدّم عبد الرحمن مُنيف في كتابه "سيرة مدينة: عمّان في الأربعينات" عملاً أدبي جميل نابضاً بالحنين والوعي، يتّخذ من الذاكرة مدخلا لتوثيق العلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان، في نصّ يضيء ماضي المدينة ويمنحها حضوراً نابضاً يتجاوز حدود الزمن، ليصبح سرد المدينة امتداداً متكاملاً لذاكرة الطفولة والصبا في أربعينات القرن العشرين، تتداخل فيه التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية، ليعبّر عن حياة جيل عاش تحوّلات سياسية واجتماعية عميقة. وهكذا، تغدو «سيرة مدينة» شهادة أدبية على تشكّل الوعي المدني العربي في زمن بدأت فيه المدن ترسم ملامحها الحديثة، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى توثيق ملامح عمّان قبل أن تطغى عليها موجات التحديث والتغير.
المراجع:
-صالح، عالية، " سيرة مدينة لعبد الرحمن مُنيف… عمّان في القلب"، جريدة الرأي الإلكترونية، 23-11-2007
-القشمعي، محمد عبد الرزاق، "الذاتي والموضوعي في السيرة الذاتية لدى عبد الرحمن مُنيف"، جريدة الجزيرة الثقافية الإلكترونية، 16-6-2008
-مُنيف، عبد الرحمن، " سيرة مدينة- عمّان في الأربعينات" بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع ودار التنوير للطباعة والنشر، 2006