لا تزال مكتبة بودليان، إحدى أقدم وأكبر المكتبات في أوروبا، تشترط على الراغبين في استخدام المكتبة أن يقسموا يمين حماية المكتبة: "أتعهد بموجب هذا بعدم إخراج أي مجلد أو وثيقة أو أي شيء آخر من المكتبة، أو وضع علامة عليه أو تشويهه أو الإضرار به بأي شكل من الأشكال، وعدم إدخال أي نار أو لهب إلى المكتبة أو إشعالها فيها، وعدم التدخين في المكتبة؛ وأعد بالامتثال لجميع قواعد المكتبة".
تعرّف أمانة المكتبة بأنها مهنة خدمية تُركز على إدارة موارد المعلومات لتلبية احتياجات المستخدمين المتنوعة. فيما يعرف أمين المكتبة بأنه المسؤول عن تنظيم موارد المعلومات وإدارتها وتوفير الوصول إليها في المكتبة. وهو كذلك مسؤول عن اختيار واقتناء الكتب والدوريات وقواعد البيانات وغيرها من المواد لمجموعات المكتبة، بالإضافة إلى فهرستها وتصنيفها ليسهل على مرتادي المكتبة استرجاعها. كما يساعد أمناء المكتبة روادها في تحديد مواقع موارد المعلومات وتقديم الإرشادات حول كيفية استخدامها بفعالية. وقد يطورون ويقدمون برامج وخدمات تلبي احتياجات المجتمع، مثل نوادي الكتب، والفعاليات الثقافية.
لكن في نظري، فإن دور الأمين لم يعد محصورًا في حفظ الكتب أو ترتيبها. حيث إن كثيرًا من الزوار يأتون بحثًا عن "أمين مكتبة" بمعناه الأوسع: شخص يمنحهم الطمأنينة، ويقدم الدعم لهم، ويعرف كيف يجيب على الأسئلة، ويقدّم التوجيه في متاهة المعلومات. فالمكتبة الحديثة ليست مجرد مستودع للكتب، بل مساحة للتواصل، ولتنمية المجتمع، ولربط الأفراد بمصادر المعرفة الحقيقية، بعيدًا عن التضليل أو السطحية.
أمين المكتبة اليوم، في عصر الإنترنت والمصادر الرقمية، يواجه تحديات جديدة. فلم يعد دوره أن يكون حارسًا للبوابة فقط، بل تحول هو نفسه إلى بوابة وصول إلى المعرفة. الكم الهائل من قواعد البيانات الرقمية والموارد الإلكترونية لم تلغِ الحاجة إلى خبير المعلومات؛ بل زادت من أهميته، لأن الوصول إلى المعلومات لا يعني فهمها، كما لا يعني التمييز بين ما يضيف قيمة فعلية وما هو مجرد استهلاك سطحي.
القيم الأساسية لأمين المكتبة لا تقل أهمية عن أدواته: الإدارة الرشيدة للموارد، الحرية الفكرية، المساواة في الوصول، الخصوصية، الديمقراطية، الالتزام بالتعلم مدى الحياة، والقدرة على التواصل بوضوح وتعاطف. هذه القيم ليست شعارات، بل أفعال يومية تُمارس مع كل قارئ وكل سؤال، وهي ما يميز المكتبة كمكان حقيقي للثقافة، لا مجرد مستودع للكتب.
أمين المكتبة العصري هو ميسّر للمعرفة، ومصمم للبرامج التي تعزز من الثقافة، وتفتح أبواب التعلم، من ورش العمل العملية إلى نوادي الكتب، وجلسات القراءة للأطفال، إلى لقاءات مع المؤلفين. هو الذي يجعل المكتبة مساحة حية للتفاعل، حيث لا تكون المعلومات سلعة يُستهلكها الناس بلا فهم، بل تجربة تُبنى فيها مهارات التفكير والتمييز والمعرفة.
قد يظن البعض أن أمين المكتبة لم يعد ضروريًا في عصر البحث الإلكتروني، لكن الواقع يقول العكس: المعرفة اليوم أكثر وفرة، وأكثر تعقيدًا، وأكثر تضليلاً. البحث عن المعلومة يتطلب وقتًا وجهدًا، والفهم يحتاج إلى توجيه، والتقييم يحتاج إلى خبرة. هذه كلها مهام لا يمكن لبرنامج حاسوبي أو قاعدة بيانات أن تقوم بها وحدها، هنا يظهر دور أمين المكتبة كخبير ومرشد.
والأهم من ذلك أن أمين المكتبة المعاصر يجب أن يكون واعيًا بذاته، مدركًا لحاجته للتطور المستمر، قادرًا على التكيف مع التغيرات التكنولوجية والاجتماعية، ملتزمًا بالدقة والاجتهاد، متحمسًا للعمل بمتعة، لا من أجل الالتزام وحده. فالمكتبة ليست مجرد مكان للعمل، بل تجربة إنسانية يجب أن تكون ممتعة للقارئ، وتحافظ على احترامه وفضوله.
ولنكن صريحين: أن تصبح أمين مكتبة لمجرد حب الكتب، دون فهم لطبيعة المهنة، أشبه بمن يريد أن يصبح جراحًا لمجرد شغفه بالمستشفيات. حب الكتب وحده لا يكفي، بل المطلوب القدرة على فهم الإنسان، وفهم حاجاته، وربطه بالمعرفة الصحيحة في الوقت المناسب، وإرشاده دون فرض، وتقديم المعلومة بطريقة تجعلها مفيدة، لا مجرد متعة عابرة.
في النهاية، تبقى المكتبة، وأمين المكتبة معها، حجر الزاوية في أي مجتمع يسعى للحفاظ على المعرفة، وتكوين عقل نقدي قادر على التمييز بين الحقيقة والسطحية، بين المعرفة الحقيقية والمعلبة، بين الثقافة الفعلية والضحلة التي تفرضها أدوات الاستهلاك الحديثة. الأمناء الحقيقيون موجودون من أجل الناس، لا من أجل الكتب وحدها، وهم من يضمن أن الكتب لا تصبح مجرد رفوف صامتة، بل أدوات للتفكير والوعي والإبداع.