النجاة النفسية ليست كلمة تُقال في لحظة ضعف، وليست حركة مقاومة عابرة، وليست أيضًا حالة مؤقتة يعيشها الإنسان ثم يخرج منها كأن شيئًا لم يكن. النجاة النفسية هي فنّ العبور من داخل الألم، لا من حوله. هي قدرة الإنسان على أن يواصل المضيّ، رغم الثقل الذي يسكن صدره، ورغم الضجيج الذي يملأ عقله، ورغم الخيبات التي تترك وراءها ندوبًا لا تُرى.
قد لا يدرك الإنسان حجم قوته إلا عندما يمرّ في لحظة كسر حقيقية. تلك اللحظة التي يخيَّل له فيها أن كل شيء انهار دفعة واحدة: العلاقات، الأمان، التوازن، الثقة، وحتى الإيمان بأن الغد قد يحمل شيئًا أفضل. لكن ما لا نلتفت إليه غالبًا، هو أن الوجع نفسه يخلق مساحات جديدة داخلنا، مساحات يكون الإنسان فيها أقرب إلى ذاته من أي وقت مضى.
الناس يظنون أن الصمود يعني أن تظل واقفًا دائمًا، أن تبتسم وتضحك رغم الألم، أن تقول إنك بخير بينما كل شيء في داخلك يصيح. لكن الصمود الحقيقي أكثر صدقًا وبساطة من ذلك. هو أن تعترف أنك متعب، ثم تكمل. أن تقرّ بأن قلبك موجوع، ثم تحاول أن تضمده ببطء. أن تسمح لنفسك بالبكاء، ثم تنهض من جديد. الصمود ليس بطولة خارقة، بل خطوات صغيرة متواصلة، رغم أن كل شيء في داخلك يطلب منك التوقف
ما يجعل الإنسان قادرًا على النجاة ليس القوة وحدها، بل المرونة؛ أن يتكيّف، أن يعيد تشكيل نفسه، أن يعثر على معنى جديد وسط الفوضى. فالإنسان لا يخرج من الألم كما كان. هناك جزء داخلي يُعاد ترتيبه، وهناك رؤية تتغير، وهناك فهم أعمق للحياة يتشكل. نضج الإنسان لا يولد في لحظات الفرح، بل في لحظات الانكسار التي تعلمه: ماذا يستحق، ومن يستحق، وكيف يعطي نفسه مساحة للشفاء.
النجاة النفسية تحتاج أيضًا إلى مصداقية مع الذات. أن تسأل نفسك بجرأة: ما الذي يؤلمني؟ لماذا يؤلمني؟ ما الذي أستطيع تغييره؟ وما الذي يجب أن أتعلم التعايش معه؟ بعض الأوجاع لا تُحلّ، لكنها تُفهم، وتخفّ حدتها حين نفهمها. وبعض الخسارات لا تُعوّض، لكنها تعلّمنا أن نحمل الحياة بخفة أكبر، وأن نتعلق بما هو جوهري فقط.
وفي قلب النجاة النفسية، يسكن عنصر مهم ينساه الكثيرون: العلاقات الداعمة. وجود شخص واحد فقط، يسمع دون حكم، ويفهم دون أن نضطر لتفسير كل شيء، يمكن أن يكون طوق نجاة حقيقي. ليس لأن الآخرين يملكون حلًا، بل لأن وجودهم يخفّف شعور الإنسان بأنه يواجه ويصارع الحياة وحده. النجاة ليست دائمًا رحلة فردية، بل غالبًا ما تكون يدًا تُمسك بك في اللحظة التي تكاد تسقط فيها.
ومع ذلك، تبقى أقوى أشكال النجاة؛ هي تلك التي تأتي من الداخل. حين يدرك الإنسان أن قيمته ليست مرتبطة بأحد، وأن سلامه يجب ألّا يكون رهينة لظرف، وأن حياته أكبر من الوجع الذي يمرّ به الآن. هناك لحظة يصل إليها الإنسان بعد سلسلة طويلة من الألم، لحظة يشبه فيها الرماد الذي ينهض ببطء ليصير نارًا من جديد. هذه اللحظة قد تتأخر، لكنها تأتي، ومعها يكتشف الإنسان أن كل الدموع التي ظنّ أنها أضعفته، كانت في الحقيقة تغسله من الداخل.
النجاة النفسية ليست نهاية الطريق، بل بداية وعي وإدراك جديد. بداية فهم أعمق للذات، للآخرين، ولشكل الحياة التي نريد أن نصنعها. لأن الإنسان بعد الألم لا يعود كما قبل الألم؛ يصبح أكثر حكمة، أكثر هدوءًا، وأكثر قدرة على اختيار ما يليق بروحه.
وفي النهاية، يبقى السرّ بسيطًا:
ليس المهم ألا نتألم…المهم ألا نتوقف عن محاولة النجاة.
فالإنسان خُلق ليكسر، لكنه خُلق أيضًا ليعود ويقف، كل مرة.