يمر الواحد منا في مراحل متفرقة من حياته بفترات يشعر بها بأنه وحيد، فاقد للشغف والمعنى، ويصبح مجرد استيقاظه في الصباح عبئًا يثقل كاهله، ويغدو عمل كوب واحد من القهوة عملًا مرهقًا للغاية، ويتعاظم الألم إذا كان مضطرًا للتعامل مع الآخرين وارتداء قناع لا يشبهه، وتمثيل صورة خارجية مغايرة تمامًا لما يشعر به داخليًا، قد تكون هذه المراحل عابرة، وقد تصل إلى ما يسمى بالإنهاك النفسي أو مراحل متقدمة من الاكتئاب، وربما الانتحار في بعض الحالات.
هنا يختار البعض العزلة والصمت كحالة من الابتعاد ومحاولة ترميم الذات لاستعادة التوازن النفسي، والبعض يختار طريق العلاجات أو الطبيب النفسي. وبين هذين الاثنين مساحة ثالثة غائبة عن وعي الكثيرين، هي "الدعم العاطفي الإنساني من المقربين"، تلك التي لا تحتاج وصفة طبية، بل قلبًا يشعر بك، وكتفًا يسندك، وصوتًا يطمئنك: "أنت مهم… أنا معك."
مما لا شك فيه أن العلاج النفسي مهم جدًا عندما تتجاوز المعاناة حدود الاحتمال، أو تتخذ شكلًا مرضيًا يحتاج إلى تدخل علمي دقيق، فهنا يكون الطبيب هو المقصد؛ لأنه يمثل عقل المعرفة وفن الإصغاء المدروس، فهو يمتلك القدرة على تحليل أسباب الحزن والفهم العلمي لأنماط التفكير وتقديم أدوات العلاج. لكن ماذا عن تلك المساحات الرمادية في دواخلنا التي تتأرجح بين الأزمة العابرة والاضطراب العميق؟ وماذا عن تلك البوصلة التي نفقدها لوقت قصير، فنتعثر قليلًا ونبتعد عن الطريق؟
هنا لا يكون الطبيب الحل الأول دائمًا، بل إن الشخص المقرب — الصديق مثلًا — هو أول ما يحتاجه الإنسان منا حينما يشعر بأن الحياة فقدت معناها، وبهتت ألوانها في عينيه.
إن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، واحتياجه لشبكة إنسانية داعمة من العائلة والأصدقاء ليس ترفًا أو ضعفًا، بل حاجة ملحّة وفطرة جبلت عليها النفس الإنسانية. وعندما تتكامل العناية الطبية مع الشبكة الاجتماعية الداعمة يحدث الشفاء والتوازن النفسي المنشود.
سأناقش هنا دور الصديق، وهو الشخص الذي يدخل حياتنا فجأة وبلا شروط، يشاركنا تفاصيلنا الصغيرة، ويعرف ذلك الجزء الخفي من شخصياتنا وملامح صوتنا عندما نتظاهر أننا بخير، ويقرأ الألم في نظراتنا الساهمة الشاردة. هو الشخص الذي لا ينتظر منا كلامًا منمقًا أو تفصيلًا دقيقًا لما يعصف بنا، هو الذي يستدل على وجعنا من نبرة، صمت، كلمة عشوائية وسط الحديث، رسالة مقتضبة نكتبها ثم نمحوها.
إن الدعم العاطفي الذي يمنحه الصديق هو الحضور، والحضور بحد ذاته علاج. مجرد وجود شخص حاضر في حياتك يسمعك دونما أحكام، ويتقبلك بكل تناقضاتك البشرية، يحتضن قلبك دون أن يطلب تفسيرًا، يذكّرك بأنك لست وحدك، يضيء لك الطريق المظلم لتعبُر بسلام، يمدّ لك عبر قلبه جسرًا تعبر منه إلى ضفة التوازن النفسي دون الغرق في لجة الألم، والحزن وفقدان الذات والمعنى. كل ذلك يحدث فرقًا هائلًا، فالشخص الذي يعرفك خارج إطار أزمتك النفسية قادر على إعادتك إلى نفسك ببساطة التقارب النفسي، لا بمنهجية العلاج.
يظن الكثيرون — على نحو خاطئ — أن اللجوء إلى الصديق في لحظات الضعف والألم شكل من أشكال الانكسار، بينما الحقيقة هي أن ذلك دليل على أننا ما زلنا نشعر بأهمية وجودنا، ونؤمن بالعلاقات الإنسانية، ونستحق الحياة. وهذه أول خطوة نحو التعافي. فوجود شخص لا تضطر لأن ترتدي قناعًا لا يشبهك أمامه، وتنتحل شخصية أخرى نقيضة لما تشعر به، وتميل إليه بقلبك قبل كلماتك، هو في حد ذاته شكل من أشكال الشفاء واستعادة التوازن النفسي.
وليس المقصود هنا التقليل من دور الطبيب والعلاج النفسي، بل بيان العلاقة التكاملية بين الدعم الذي يقدمه الطبيب عبر منهجية العلاج، والدعم الذي يقدمه الصديق عبر العاطفة. فالأزمات النفسية لها جانب علاجي يستوجب التأطير والتوجيه، وجانب نفسي يحتاج الصدق والحب. فالطبيب هنا يمثل العقل الذي يقدم التحليل المنطقي والتفسير، والصديق هو القلب الذي يقدم الدفء والدعم، وبين هذين الاثنين ينمو الشعور بالتوازن النفسي، وتقلّ مساحات فراغ الروح المؤلمة. أما في الأزمات النفسية العابرة، وتلك الخدوش الصغيرة التي تصيب الروح، يظهر أثر الصديق بكلمة صادقة أو جلسة دافئة تعيد تشكيلنا، وتنظم فوضى الاضطراب في دواخلنا. فهو يشكّل خط الدفاع الأول الذي يمنع الأوجاع الصغيرة من أن تتحول إلى ندوب عميقة مزمنة غائرة في الروح والنفس، تستدعي علاجًا طويلًا ومرهقًا.
إن الصداقة تحمل في طياتها نوعًا من أنواع العلاج الذي يعمل بهدوء، فلا يشعر الإنسان أنه مريض يحتاج إلى إصلاح، بل بأنه إنسان يحتاج فقط إلى الاحتواء. إنها تمنحك الشعور بأن وجودك مهم، وأن معاناتك لا تُثقل أحدًا، وأن حزنك لا يزعج من تحبه، وأن ضعفك لا يقلل من قيمتك. هذه المشاعر العميقة لا تعطيها العلاجات الطبية، بل تؤخذ من نظرة، كلمة، ابتسامة، وحضنٍ صادق. ولعل أجمل ما في الدعم العاطفي أنه يعيد للإنسان إيمانه وثقته بنفسه، لا من خلال نصائح مباشرة وبروتوكولات ممنهجة، بل من خلال تذكيره بأن الحب ما زال ممكنًا، وأن الحياة تستحق أن تُعاش بكل تفاصيلها، الحزينة منها والسعيدة، وأنه قادر على أن يكون مهمًا، ويحدث فرقًا في حياة من حوله. وحين يشعر الإنسان بأنه مرئي ومفهوم ومحبوب رغم ضعفه، فإنه يستعيد جزءًا من قوته الداخلية وتوازنه، ويقاوم ليبدأ من جديد في الطريق الصحيح.
إن البشر خُلقوا ليكونوا عونًا لبعضهم، وما أكثر ما ينجو الإنسان بإنسان آخر. فالدعم العاطفي ليس شعارًا فقط، بل فعل بسيط للغاية دون مجهود أو تعب، هو فقط أن نحضر بقلوبنا لمن نحب، وأن نسندهم حتى يستعيدوا توازنهم، وأن نمنحهم فرصة اكتشاف الحياة والذات والمعنى عبر قربنا منهم، وإخبارهم أنهم وأزماتهم ليسوا عبئًا، وإنما جزء مهم من ذواتنا ودائرتنا وحياتنا. قد لا يكون الصديق طبيبًا، لكنه بصدق النية وإخلاص الشعور ودفء الكلمة قد يكون الدواء الأول، والكتف الأول، والنبضة التي تذكّرنا بأننا نستحق الفرح والحياة.
في النهاية، في أوقات الأزمات النفسية، نحن لا نبحث بالضرورة عمن يُصلحنا، بل عمن يرانا، يتفهمنا، ويتقبلنا كما نحن دون حكم أو تكلّف. قد يكون الطبيب هو الدليل الذي يرشدك نحو التعافي، لكن الصديق هو الجسر الذي يعيدك إلى الحياة، وبينهما تكمن استعادة التوازن النفسي والعافية.