رحلت الفنانة ميادة بسيليس تاركة وراءها إرثًا فنيًا خالدًا، وصوتًا استثنائيًا بقي حاضرًا في ذاكرة الجمهور العربي، بما حمله من صدق، وإحساس عميق، ووفاء للفن العربي الأصيل. وُلدت ميادة بسيليس في مدينة حلب عام 1967، تلك المدينة التي اشتهرت بتاريخها العريق في الموسيقى والطرب، فكانت بيئتها الأولى التي صقلت وألهمت موهبتها الفنية، ومنحتها ذائقة موسيقية متفردة منذ الصغر.
بدأت ميادة مشوارها الفني في سن مبكرة، حيث شاركت في مهرجانات غنائية محلية في مدينة حلب، ليتعرف الجمهور على صوت قوي يجمع بين الشجن والصفاء. وسرعان ما انتقلت إلى دمشق لتكمل مسيرتها الفنية الاحترافية، وأطلقت ألبومها الأول "يا قاتلي بالهجر" عام 1986، الذي شكل انطلاقتها الحقيقية في عالم الموسيقى العربية. عرفت ميادة كيف تمزج بين الحداثة والأصالة في أغانيها، فكانت أغانيها تنتمي إلى الطرب العربي الأصيل، لكنها محملة بروح معاصرة جعلتها قريبة من الأجيال الجديدة. وبفضل صوتها الدافئ وأسلوبها الهادئ والرقيق، استطاعت أن تحجز مكانتها بين أبرز الأصوات النسائية في العالم العربي خلال تسعينيات القرن الماضي. من بين أغانيها التي رسخت في الذاكرة "كذبك حلو"، "أعلّيك بحبك"، "هي الأيام"، و"حنيني إليك"، وكانت أعمالها الموسيقية تتميز بالصدق العاطفي والعمق الإنساني. إلا أن أغنيتها الأشهر في سجل أغانيها المتنوعة تبقى "كذبك حلو" التي حملت بصمتها الخاصة، واعتبرها النقاد علامة فارقة في الأغنية السورية الحديثة. كما قدمت ميادة أعمالاً ذات بعد وطني وروحي، مثل "سورية يا حبيبتي" التي أصبحت من الأغاني الوطنية الخالدة في الوجدان السوري. غنّت للإنسان، للحب، وللوطن، بصوت ملائكي يشبه تراث بلادها وحنينها الأبدي إلى الجمال والسلام. شكلت ميادة بسيليس مع زوجها سمير كويفاتي ثنائيًا فنيًا متكاملًا. كان هو الملحن والموزع الموسيقي الذي فهم صوتها بعمق، وصاغ لها ألحانًا تناسب إحساسها الرقيق وقوة أدائها. لم يكن تعاونهما مجرد شراكة فنية، بل كان أيضًا لقاء روحين جمعهما الإبداع والحب. من خلال هذا التعاون، استطاعت بسيليس أن تقدم أعمالًا ذات هوية سورية متفردة، تعكس ملامح البيئة الشرقية الحلبية، وتمزج بين الموسيقى التراثية والإيقاعات الحديثة، مما منحها تميزًا فنيًا.
بعيدًا عن الأضواء، عُرفت ميادة بسيليس بإنسانيتها العميقة وتواضعها. لم تكن تبحث عن الشهرة بقدر ما كانت تبحث عن الجمال الفني والصدق في التعبير. عاشت حياة هادئة بعيدة عن الصخب الإعلامي، مكرسة وقتها للفن ولعائلتها. عندما أُصيبت بمرض السرطان، واجهته بجسارة وإيمان، وظلت على تواصل مع جمهورها بروح متفائلة. لم تتخلَّ عن الفن رغم معاناتها، بل ظلت تغني للحياة والأمل حتى أيامها الأخيرة، إلى أن رحلت عام 2021، تاركة خلفها حزنًا كبيرًا في قلوب محبيها.
برحيل ميادة بسيليس، خسر الفن العربي أحد أنقى الأصوات النسائية، غير أن إرثها ما زال حيًا في الذاكرة. أغانيها تُدرّس اليوم كأمثلة على الأداء المتوازن بين التقنية والإحساس، ويُستشهد بها كجزء من تطور الأغنية السورية المعاصرة. لقد كانت صوتًا يمثل مدرسة قائمة على الجمال والصدق، وصورة للفنانة العربية التي جمعت بين الأصالة والتجديد، فاستحقت أن تبقى رمزًا للطرب النقي. حين نُصغي إلى صوت ميادة بسيليس، نشعر أننا لا نستمع إلى مجرد مطربة، بل إلى روحٍ تهمس فينا بالحنين، وتعيدنا إلى زمن كانت فيه الكلمة تغنى بإحساسٍ نقيّ، والصوت يحمل رسالةً صادقة. وفي صوتها لمسة من حلب القديمة، ومن دفء البيوت العربية. كانت ميادة تغني لتقول إن الفن يمكن أن يكون صلاةً للحياة، وأن الجمال هو ما يبقى دائما حين يرحل كل شيء.
رحلت ميادة بسيليس جسدًا، لكن صوتها لا يزال يعانق الذاكرة، يوقظ الحنين، ويذكرنا أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يظل يعيش في القلوب، كلحنٍ أبديٍّ يهمس باسمها كلما غنّت "كذبك حلو" أو صدح صوتها بـ "سورية يا حبيبتي".
فاكس: 00962.6.4633565
صندوق بريد: 940255 عمان 11194 الأردن
بريد إلكتروني AHSF@shoman.org.jo