من أول النقاط التي يجب تحديدها قبل الشروع في الكتابة هو تحديد (النغمة) التي سيسمعها القارئ من الكلمات، أي صوت الكلمات، ومع أول سطر من القصة ذات الفصول (تدمير العالم في 46 ثانية. دليل المبتدئين) للكاتبة ميس داغر، والتي تقع في 144 صفحة، والصادرة عن دار الياسمين، ستجد أن نغمة الطرافة هي النغمة السائدة.
القصة في موضوعها، تتناول سؤالًا مهمًا يراود الكثيرين، وهو: كيف نقضي على الشرور في العالم؟
السؤال الفلسفي حول (الشرور) رافق البشرية منذ القدم، لماذا هناك شرور في هذا العالم؟ إلا أن سؤال أبطال القصة جاء أكثر طفولية، ورغبتهم العملية في القضاء على الشرور دفعة واحدة هي وقود هذه القصة التي نحن بصدد الإضاءة عليها.
القصة تحكي عن صديقين في الثانية عشرة من العمر يخططان لتعلّم طريقة لتدمير العالم المليء بالشرور، فيجدان كتابًا يشرح لهم ذلك من خلال خمس خطوات، مع شرط ألا تنتقل إلى الخطوة التالية قبل إتمام الخطوة السابقة. فما هي هذه المهام؟ وكيف سينفذانها؟ هذا ما تدور حوله القصة.
وأمام هذا الموضوع الجدّي للغاية، كيف استطاعت الكاتبة خلق (نغمة) خاصة بالعمل تتسم بالطرافة؟
النغمة (Tone) في الكتابة الإبداعية هي صوت الكلمات، أي الجو العاطفي الذي تنقله الكلمات إلى القارئ.
فأي نص، ومن الأسطر الأولى، بل من السطر الأول، تستطيع أن تسمع منه همس الكلمات، لتكتشف أن هذا النص هو نص: جاد، أم ساخر، أم حزين، أم مرح، أم حماسي.
كاتب القصة سيحدد صوت كلماته قبل البدء في كتابتها، وبعد الانتهاء من كتابة المسودة، سيعود ليراجع النص بأكمله: هل النغمة موحدة فيه أم لا؟ سيراجع المفردات، والعبارات، والتراكيب اللغوية، والتشبيهات، وكل شيء، لتكون الطرافة هي النغمة السائدة.
وكما أشرنا، فإن نغمة القصة التي نتناولها هي نغمة (الطرافة)، وهي المحببة للأطفال، وتساهم في جذب الانتباه، وتعزيز متعة القراءة، وتخفيف التوتر، وتعزيز الخيال، والأهم من كل ذلك، القرب من عالم الطفل، وخلق رابط عاطفي بين القارئ والنص.
كما أن كلمة (طريف) لا تعني المضحك، وإن كانت الفكاهة هي أحد مصاديق الطرافة، ولكنها تعني -في اللغة- الشيء النادر، الغريب، المثير للاهتمام، والمستحسن، والمثير للانتباه.
والسؤال الذي طرحه هو: ما هي الأدوات التي ساعدت الكاتبة في تكريس هذه النغمة؟
سنتناول هنا عددًا من الأدوات التي وظفتها الكاتبة لهذا الغرض.
أول أداة استخدمتها الكاتبة، وستجدها في العنوان، هي أداة (المبالغة)، وأداة (تقبل المستحيل)، إذ إن المدة القصيرة (46 ثانية) فيها الكثير من المبالغة، كما أنها مدة من المستحيل تقبلها كحقيقة، لكنها تُفهم ببساطة كتورية، مثل أن يقول أحدهم: إني جائع لدرجة أن باستطاعتي تناول ألف شطيرة!
هذه اللغة تعزز بشكل لافت النغمة المطلوبة.
أداة أخرى، وهي من أكثر الأدوات التي وظفتها الكاتبة، وهي تقديم الأمثلة الطريفة وبأعداد مدروسة.
ولنا أن نفتح بين قوسين مسألة القوة الكامنة في الأرقام.
فعندما، تريد توضيح فكرة ما وتطرح مثالًا واحدًا، هذا يختلف عن طرح مثالين، والثلاثة تختلف عن الأربعة.
فالمثال الواحد يعطي تركيزًا عاليًا يجعل القارئ ينظر إليه كحالة نموذجية.
أما عندما تطرح مثالين، فأنت تود أن تعمل مقابلة بين أمرين، وهو ما يقود إلى الشعور بالتضاد.
أما عندما تطرح ثلاثة أمثلة، فإنك تستخدم الرقم الأشهر على الإطلاق وهو الثلاثة، إذ إن هناك قاعدة تسمى (Rule of Three) أو قاعدة الثلاثة، وسوف تجد أن أغلب ما يكتب سواء في الأدب، أو في الإعلام، أو في الديباجات يتكون من ثلاثة عناصر، مثل هذه العبارة (الله، الوطن، الأمير)، أو شعار (حرية، كرامة، عدالة)، كما أن هناك الكثير من القصص التي تحتوي على الرقم ثلاثة في عنوانها، كقصة (الدببة الثلاثة)، أو (الإخوة الثلاثة)، ووجود ثلاث شخصيات في القصة هو أمر شائع، بحيث يكون الأول متطرفًا نحو اليمين والآخر متطرفًا نحو اليسار والثالث هو الحالة الوسطى. أو أنك تجد في لحظة التوتر في القصة يعطي المارد للبطل ثلاث خيارات قبل هلاكه.
وهكذا ستجد أن باقي الأرقام لها قوى مختلفة.
وككتاب هواة، نعتمد على الإيقاع لمعرفة أن عدد الأمثلة فعّال أم أننا نحتاج إلى إضافة مثال أو حذفه. وقراءة النص بصوت عال كفيلة بإسماع الكاتب إيقاع عباراته. فالمسألة أقرب إلى الحسّ الكتابي منها إلى القاعدة المحدّدة.
وهنا نقفل القوس لنعود إلى فكرتنا، وهي كيف وظفت الكاتبة نغمة الطرافة في نصها، وقلنا إن من أهم ما وظفته الكاتبة هو الأمثلة الطريفة، وهذه بعض الأمثلة من النص.
المثال الأول: الصديقان فكّرا في حلول من أجل القضاء على مشكلة الشرور في العالم، ومن هذه الحلول:
اختراع دواء يضاعف مشاعر الحب والتعاطف في قلوب البشر.
أو التعاون مع وكالة الفضاء الدولية؛ كي يخصّص الاستعمار البشري المقبل في المريخ للطيبين من البشر.
وعندما لم يجدا أبواب هذه الحلول مفتوحة ذهبا لطلب المشورة من:
العمدة، نقيب أمناء المخابز، رئيس لجنة تأجير السيارات، ومندوب مستوردي التمر الهندي.!
هذا العدد الكبير من الأمثلة، حول ما قام به البطلان، والجهات التي قصداها، يريد أن يعطي إيحاءً بأنهما لم يدخرا جهدًا للبحث عن حلّ، وأننا أمام شخصيتين عنيدتين ومتفانيتين في تحقيق الهدف الذي حدّداه.
والملاحظ أن الطرافة في هذه الأمثلة عززت (نغمة) النص.
المثال الثاني: في المكتبة، في قسم كتب تدمير العالم، وجدا هذه العناوين للكتب:
(تعلم إفساد مزاجهم من غير معلم).
(الطريقة التعيسة لصنع الهريسة).
(الذكاء المتوقد في تحقيق الغباء المتجدد).
واضح جدًا أن الكاتبة صاغت هذه العناوين لضخ المزيد من أجواء الطرافة في النص.
الأمر الآخر لتعزيز النغمة، هو رسم الشخصيات الطريفة. إذ لا توجد في النص أيّ شخصية عادية.
سأضرب مثالًا واحدًا، وهو أمينة المكتبة (غزالة)، وكيف تمّ وصفها في أول ظهور لها:
تجلس وحيدة، تتكلم في الهاتف بصوت مرتفع، لها تسريحة غريبة، عندما حيّاها الولدان لم تردّ عليهما وكأنها جهاز معطل لا يرسل ولا يستقبل، عيناها مبللتان بالدموع في أغلب الأوقات، تجلس خلف المكتب حافية القدمين، ولم ترتدِ حذاءها إلا عندما همّت بالنهوض.!
الأمر الآخر لتعزيز نغمة الطرافة هو استخدام اللغة الفصحى القريبة من المحكية، أو اللغة البيضاء، التي هي الأقدر على إيصال الطرافة إلى نفوس القراء، وأتى استخدام الأمثال ليدعم هذا المجال "أبناء هذا اليوم يتدخلون بين البصلة وقشرتها".
نقطة أخرى هي استخدام الأدب الطريف داخل القصة، وكما نعرف أن هناك الكثير من القصص التي في داخلها قصص، أو الروايات التي في داخلها رسائل، وهكذا. في هذه القصة نجد أن في داخلها قصائد، فإحدى الشخصيات وهو المحارب القديم هو شاعر، وهنا استغلت الكاتبة ذلك لتجعل الكلمات التي تنساب بين شفتيه كلها طرافة، مثل قوله:
"ما هذه الدنيا سوى خمّ دجاج؟
وأنا طير يهوى الرفرفة بجناحيه
دعيني أحدثك عن الماضي أيتها البحيرة
عندما لم يكن هناك خمّ
وكان للدجاج أجنحة كاليمام"
بطل القصة شبيب عندما سمع هذه القصيدة قال للشاعر: "قصيدتان مثل هذه، قصيدتان فقط، بإمكانهما تدمير العالم"!
وأظن أن الكاتبة، ومن أجل إضفاء المزيد من الطرافة على هذه الأشعار جعلتها غير مقفاة وغير موزونة، ورغم ذلك نجد أن هذه نقطة كان بالإمكان تجاوزها، خصوصًا أن القصة تخاطب الأطفال سواء من مرحلة الطفولة المتوسطة أو المتأخرة، وهي فئة عمرية تميل للتأثر بسماع الإيقاع، وهو ما يحققه الوزن والقافية، لذلك تمنيت لو أن تلك الأشعار حافظت على طرافتها، وفي ذات الوقت استفادت من الإيقاع الذي يوفره الوزن والقافية، بل أن هذين العنصرين (الوزن والقافية) يمكنهما تعزيز الطرافة بشكل كبير.
بعض كتاب القصة إما أنه يجيد كتابة الشعر، فيضيف الأشعار إلى نصوصه إذا تطلبت الحبكة ذلك، وبعضهم يستعين بشاعر لهذا الغرض.
نقطة أخرى تعزز نغمة الطرافة، هي التغيّر المفاجئ لمسار القصة.
تصوّر أن أحدنا يذهب إلى مشوار ما، ويقطع مسافة طويلة، ولكن قبيل وصوله إلى هدفه يخطر بباله أن يغيّر وجهته. مثل هذه المواقف تُذكر عادة مواقف طريفة.
في القصة، وكمثال على ذلك، الشخصيات التي ذهبت لجمع الزهور قبيل تدمير العالم ينجذبون لذلك الجو الجميل، ويقررون تغيير خطتهم، والاستمتاع بما في حولهم!
عنصر آخر لتعزيز النغمة، وهو عنصر فريد جدًا، وقد لا تجده في القصص المنشورة قبل سنوات من الآن، أي أنه نمط جديد، هو تصميم البورتريه في نهاية الكتاب للكاتبة والرسام بأسلوب غير نمطي، وطريف، كما أن اختيار ضمير المخاطَب أضاف الكثير من الحميمية إلى العبارات.
سأنقل لكم جملة من بورتريه الكاتبة وجملة أخرى من بورتريه الرسام.
تقول الكاتبة في تعريفها بنفسها وبالكتاب:
"مرحبًا أيها القرّاء الصغار، والكبار أيضًا!"
دعوني أخبركم أمرًا عن نفسي وعن هذا الكتاب. ما يميز هذا الكتاب هو أنني لم أود إنهاء كتابته، وقد كانت كتابته ممتعة كتناول آيس كريم في صيف حارّ.".
ويقول الرسام محمد الحموي في التعريف بنفسه:
"كيف حالك يا صديقي؟
كم أنا مسرور أنك قرأت هذا الكتاب.
سأبوح لك بسرّ، عندما كنت صغيرًا، وددتُ لو أُصبح بطلًا خارقًا".
الناشر هنا وكأنه يقول لنا، البورتريه في نهاية الكتاب هو جزء أصيل منه، ونغمته تعزز نغمة القصة وتتماهى معها.
النقطة الأخيرة، والتي أود أن أفصّل فيها، لتعزيز نغمة الطرافة في النص، هي ما يمكن أن أسمّيه بالشغل اليدوي في الكتابة، فأنت عندما تذهب إلى محل لبيع التحف، ستمرّ على التحفة المصنوعة باستخدام الآلة وستقول: جميلة! أما التحفة المشغولة يدويًا، فإن كلمة "جميلة" ستكون قليلة عليها، لذلك أسعارها أعلى بكثير من الأولى.
ولكن في مجال الكتابة، كيف تكون القصة مشغولة يدويًا؟
في هذه القصة، لم تشأ الكاتبة أن تأخذ أياً من الخلطات الجاهزة لتصميم نصّها.
فحتى أسماء الشخصيات لم يكن من بينها اسمًا تقليديًا (صافي، شبيب، غزالة، فتّوح، المحترمة سنغافورة، الفنان صفير البلبل).
وصِفات الشخصيات أيضًا ليست مألوفة (ليس بينها شخصية مسطحة يمكن التنبؤ بتصرفاتها).
بل وأسماء الأماكن والحارات (حارة فعّوطة).
أو اسم العصابة (عصابة أُكتُم).
وحتى حينما أرادت اختيار حيوان ما، اختارت حيوانًا غير مألوف، كما أن له دلالة لارتباطه بالتبسم والسعادة (حيوان الكوكا، الذي لم أسمع به من قبل، لكنني بحثت عنه، وعرفت أنه يعد رمزًا للسعادة.
حتى الشروط التي حُدّدت في خطّة تدمير العالم كانت شروطًا طريفة وكأنها (نسخة خاصة) بالكاتبة: "الشرط الأول، على الفريق الذي يسعى إلى تدمير العالم أن يضم بين أفراده امرأة ترتدي قبعة على شكل رأس قرنبيط"!
وحتى الأمثلة التي تُضرب، جميعها تقول: نحن نسخة خاصة من إنتاج المؤلفة.
لذلك عندما نقول (غزل الحكايات) فلأنها يمكن أن تصنع يدويًا.
نقطة أخرى لتعزيز نغمة الطرافة هي فكرة الانعكاس، كأن يصير القائد مقودًا، كشخصية أو كفكرة.
وهنا ستجد أن من الأفكار التي انعكست، فكرة الانتقال من (السرديات الكبرى) إلى (السرديات الصغرى.
سرديات كبرى مثل رفض الظلم وضرورة إقرار العدالة تناسبها اللغة الجديّة، بينما حينما تجد الشخصيات أن حلّ مشكلة بسيطة لدى أحد الأشخاص هي خطوة باتجاه الهدف الكبير، وأنه يجب أن لا نقلل من شأن هذه الخطوات الصغيرة. كل ذلك بإمكانه أن يجعلنا فاعلين أكثر، مع حقنا الأكيد في الصدح بسردياتنا الكبرى.
وكما نشاهد اليوم في النزاعات والحروب الكبرى حول العالم، حينما تجتمع الأطراف، ولا يتم الاتفاق فيما بينهم لحل المشكلة الكبيرة، نراهم ينزعون إلى تجزئتها، وحل أصغر النقاط أولًا، لعل وعسى أن يُحدث ذلك انفراجة أكبر.
القصة كأنها تقول إن الأمور البسيطة تساهم في تشكيل العالم، والتغيير البسيط مهما كان صغيرًا، فإنه يُحدث فرقًا.
كما أنها تقول، بتفاؤل، أن هناك ضوءاً في نهاية النفق، لكن ربما ليس الضوء الذي تخيلناه.
هذا ما يمكن للأمور الصغيرة أن تحدثه!
من جانب آخر، وفي ذات موضوع الطرافة في النص، فإن هناك مساحات كان بإمكان الكاتبة المراوغة فيها لخلق المزيد من الطرافة.
على سبيل المثال، نجد أن البطلين متشابهان إلى حدّ كبير، واضطر الرسام لكتابة أسمائهما على صورهما (رغم أن الجملة الأولى في القصة تقول "يختلف الصديقان").
لو استطاعت الكاتبة رسم تباينات أكبر بين الشخصيتين الرئيسيتين، بحيث نستطيع التعرف عليهما مباشرة: من الصورة، من نبرة الصوت، من طريقة الكلام، من المزاج، من نمط التفكير... لأمكن إضافة المزيد من جوّ الطرافة إلى النص.
ثم لماذا هناك بطلان؟ لماذا لم يكن هناك بطل وصديق للبطل؟
مع وجود هدف عام للبطلين، فإنني لم أجد أهدافًا خاصة لكل منهما، أهدافًا ثانوية. وجود أهداف ثانوية لكل شخصية تعقد الحبكة أكثر، إذ يمكن لأحدهما أن يتخلى عن الهدف الأكبر في منتصف الطريق، أو قد يتخاصم البطلان قبل إتمام المهمة من أجل الأهداف الثانوية، وهكذا.
أثمن أن الكتابة لم تكن تكتب قبل الجملة الحوارية "قال فلان أو فلان"، وتركت للقارئ معرفة من المتكلم، لذلك أقول إن رسم التباينات بشكل أكبر بين الشخصيتين كان سيجعلنا نعرف المتكلم بصورة مباشرة.
وكما هو شائع في السرد، فإن الشركاء غير المتوافقين يخلقون جوًا من الطرافة في النص.
يذكر أن القصة فازت بجائزة اتصالات لكتاب الطفل في العام 2023 عن فئة (كتاب ذي فصول)، وهي قصة جميلة قبل فوزها بجائزة وبعد فوزها.