قصة النمور في اليوم العاشر التي حملت المجموعة القصصية كاملة اسمها، قصة ينبغي للدارسين أن يتوقفوا عندها خاصة، وعند أدب هذا الكاتب بشكل عام؛ ذلك لأنه قدّم رؤيا مغايرة للأدب، بحيث استطاع
إرسال رسالته في هذه القصة، وهي رسالة كبيرة مشبعة بالانتقاد، من خلال قصة مسرحها سيرك (وهو يشير إلى المضحك المبكي في حياتنا) وقد تجلت براعته في هذا الأسلوب الذي كان يستعمله في الكثير من كتابته.
عندما نقرأ قصة" النمور في اليوم العاشر" فنجد أن الشخصية الرئيسية في القصة حيوان من الحيوانات (نمر) لما عرف عن النمر من قوة؛ وهو برأيي لم يختر النمر بشكل عشوائي، بل كان يرمي في ذلك إلى القوة الكامنة المخفية.
لقد استخدم الكاتب حيوانا من الحيوانات؛ ليتيح للقارئ اقتحام عالم القصة بشخوصها وأحداثها ويدخل في أعماقها دون تكلف أو عناء، حتى يصل الى جانب من الإثارة والتشويق الممزوجة بالمتعة، التي يسعى خلفها القارئ دونما إغفال للرسائل.
وينتقل الكاتب بالقراء بعد ذلك إلى الرسالة التي أرادها، حيث استخدم الرمزية للوصول إلى المعنى العميق، حيث أراد الكاتب أن يعبّر ويقدّم توصيفا دقيقا، لشكل العلاقة بين المواطن والسلطة في بلاده في تلك الفترة (السبعينات من القرن الماضي).
ففي هذه القصة التي تقدم فيها شخصيات مثل: النمر والمروض كشخصيات أساسية ولها دور محوري في جميع أحداث القصة، بالإضافة الى وجود شخصيات ثانوية وهم تلاميذ المروض، الذين يوجه لهم الخطاب ويراهنهم طوال القصة على استسلام النمر، الذي يرمز في هذه القصة الى المواطن وتلاميذ المروض الذين يرمزون إلى الحاشية القريبة من السلطة، بينما يرمز المروض إلى السلطة بحد ذاتها.
وتبدأ القصة بمشهد أسر النمر ونقله من الغابة والأسى والحسرة يمزقانه في فقص سيكون مسرحا للأحداث، وهو مشهد يشد القارئ؛ لإكمال القصة التي بدأ بقراءتها، فقد وفق الكاتب في البداية وملك من براعة الاستهلال ما يجعل القراء يقبلون على القراءة.
إن الذي يقرأ القصة خاصة للمرة الأولى وفي اللحظات الأولى يظن أنها قصة عادية تدور بين مروض وتلاميذه يريدون ترويض نمر مفترس، ولكن مع القراءة، ندرك انها إشارات رمزية صرفة، وأن الكاتب لا يريد نمورا حقيقية ولا مروضين حقيقيين حتى قبل الوصول إلى الجملة الأخيرة، التي تؤكد هذا الأمر _ أي الرمزية_ حيث يقول الكاتب في هذه الجملة: " وفي اليوم العاشر اختفى النمر والمروض وتلاميذه فصار النمر مواطنا والقفص مدينة"
فعندما يقرأ القراء هذه الجملة تكتمل لديهم الصورة، لأن الكاتب يرسم خلالها نتائج العلاقة غير الصحية بين المواطن والسلطة برموز أصاب في استخدامها عندما قال ويصبح القفص مدينة..
وتكتمل الصورة لدى القراء وقتئذ، تلك الصورة التي بدأت تتشكل خلال قراءة القصة، خاصة عندما طلب المروض من النمر أن يصفق عند إلقائه خطابه ليرد النمر أنه سيصفق كما طلب منه على الرغم من أنه يجهل ما يقول، وحال النمر في ذلك حال الكثير من الناس حول العالم.
وهذا ما يجعل هذا العمل الأدبي مغرقا في الرمزية والإشارات، فمن الإشارات المهمة، التي أشارت لها القصة، مساومة المروض النمر على طعامه، ومحاولته استخدامه كأداة يضغط عليه فيها؛ لينفذ ما يريد
وفي الجملة الأخيرة يتحول الوطن إلى سجن عند الكاتب، وهو إشارة رمزية أخرى مثيرة للاهتمام في وصف كل ما يمكن أن يعيشه المواطن البسيط.
الخلاصة
إن المطلع على أدب زكريا تامر بشكل عام، نجد أن الرمزية خاصية أساسية أصيلة في كل قصة من قصصه فنجد مكان القصة أو مسرحها مسرحا بسيطا وهو في هذه القصة قفص، ولكن مع القراءة يكتشف القارئ أنه مسرح صغير، لكنه عند زكريا تامر، يشير على هموم الوطن والمواطن بطريقة أو بأخرى.
والقارئ يجد أن زكريا تامر استخدم الحيوانات ليس فقط في قصة النمور في اليوم العاشر، أبطالا لقصصه، ليس في أدب البالغين فقط بل في عدد من القصص التي قدمها في أدب الأطفال، وهو في ذلك، أعتقد أنه استفاد من أسلوب كاتب كليلة ودمنة وطوّر عليه، وأنتج نموذجا مشابها مع إدخال عناصر القصة الحديثة.
ويبقى زكريا تامر من أهم كتّاب القصة القصيرة، في العصر الحديث؛ لأنه كان في قصصه قريبا من هموم أوطان بأكملها، وعبّر عن التفاصيل اليومية التي تلامس الحياة اليومية، للمواطنين البسطاء وظهرت هذه التفصيلات في قصة " يا أيها الكرز المنسي"، لهذا نستطيع القول أن قصصه يمكن أن تنسحب على أماكن وأزمان مختلفة وهذه قمة إبداع المبدع.