كلّما تذكّرت الكبريت أو استخدمته، أو أمسكت بعلبة كبريت صغيرةٍ، عدت بالذاكرة إلى تلك القصة التي شاهدناها صغارًا، "قصة بائعة الكبريت، من يذكرها من يسمعها" التي أبكتنا وجعلتنا نعرف باكرًا أن العالم قد يكون قاسيًا على من لا مأوى له ولا سند. تلك الطفلة الدنماركية التي لم يُنصفها المجتمع، ولم تجد من يؤويها أو يمدّ لها يد الدفء في ليلةٍ باردة، صارت رمزًا خالدًا لكلّ من يعيش على هامش الحياة.
واليوم، حين ننظر حولنا، نكتشف أن أشباه بائعة الكبريت لم يختفوا، بل تغيّر شكلهم ولباسهم، وتكاثروا في مدنٍ ازدادت قسوةً وبرودًا. نراهم في أطفالٍ يعملون بدل أن يلعبوا، وأمهاتٍ يكدحن في صمت، وشيوخٍ أنهكهم العمر، فصارت القسوة ترتسم على وجوههم وأرواحهم. فهم يعيشون بيننا، يحملون حكاياتٍ تشبه تلك الطفلة التي أطفأها البرد، لأن العالم لم يشعل في قلبها شمعة رحمة واحدة.
في كل مدينةٍ يكسوها الشتاء، وفي كل شارعٍ تغزوه الأنوار الباهتة، يسير هؤلاء بخطواتٍ صغيرةٍ خجولة، يحملون ما يشبه علب الكبريت، لا ليبيعوا النار، بل ليشتروا دفء الحياة. إنهم بائعو الكبريت بيننا — أولئك الأطفال والفتيات، الرجال والنساء، الذين دفعتهم قسوة الأيام إلى حافة الصقيع، فصاروا يبحثون عن لقمةٍ تحفظ كرامتهم في عالمٍ كلما ازداد ثراء القلة، ازداد فقرُ الكثيرين وبردُهم.
لكن تلك القصة لم تبقَ في صفحات الأدب، بل خرجت إلى واقعنا لتعيش بيننا بوجوهٍ جديدة وأسماءٍ مختلفة.
نراهم عند إشارات المرور، يمسحون السيارات أو يبيعون الصحف، في الأسواق وعلى الأرصفة.
أطفالٌ يبيعون المناديل والماء والعلكة، وفتياتٌ يبعن الورود، أو ينتظرن عطف المارة.
أمهاتٌ يعملن في الليل بالخياطة أو التنظيف، أو في المزارع وقطاف الزيتون لتأمين لقمةٍ لأبنائهن، وشيوخٌ يجرّون عرباتٍ صغيرة بحثًا عن رزقٍ يأتي بالقليل.
كلّهم يشعلون أعواد الكبريت كل يوم، لكن ليس ليتدفأوا، بل ليبقوا على قيد الحياة.
وكم من مرةٍ مررنا بجانبهم، دون أن نلتفت؟
كم من بائعٍ صغيرٍ اختبأ في زاويةٍ مظلمة، ينظر إلينا بعينٍ ترجونا أن نراه، لا أن نشفق عليه؟
لقد تحوّل البرد من هواءٍ في الجو إلى بردٍ في القلوب.
مجتمعٌ يتسابق على المظاهر والرفاهية، بينما يتجمّد في الظل من لا يجد ما يأكله.
إن بائعي الكبريت بيننا ليسوا مجرد فقراء يبحثون عن رزق، بل مرايا تعكس ضميرنا الغائب. هم صوت الصمت، وصورة الألم التي لا تحتاج إلى تعليق. ففي كل طفلٍ يُحرم من المدرسة ليعمل، وفي كل فتاةٍ تكتم خوفها وهي تبيع في الطرقات، وفي كل أمٍّ تُخفي دمعتها خلف ابتسامةٍ متعبة، وفي كل شيخٍ يُصارع برد الأيام — هناك عودُ كبريتٍ يُشعل كي لا يختفي النور تمامًا.
تُذكّرنا قصة بائعة الكبريت بعمق إنساني مؤلم، إذ تكشف قسوة الفقر حين يقترن بغياب الرحمة والتعاطف. الطفلة التي تجمدت وحيدة في ليلةٍ باردة لم تجد يدًا تمتدّ إليها، تمثّل كل طفلٍ تُجبره الحياة على العمل بدل اللعب، وكل أمٍّ تُرهقها الحاجة في صمت، وكل مسنٍّ تُثقله الأيام، دون أن يجد من يعينه. القصة تضعنا أمام سؤالٍ مؤلم: كم من "بائعة كبريت" نمرّ بهم يوميًا ولا نراهم؟ كم مرة تجاهلنا وجع إنسانٍ؛ لأننا انشغلنا بأنفسنا؟
ورغم الحزن الذي يخيّم على الحكاية، إلا أنها تضيء جوهرًا إنسانيًا عظيمًا: أن الرحمة قادرة على تغيير المصير، وأن اللامبالاة تقتل بصمتٍ أشد من البرد. في واقعنا اليوم، لا يزال الفقر والحرمان ينسجان قصصًا مشابهة، لكنها تنتظر من يُنصت ويُمدّ يد العون. إن بائعي الكبريت بيننا حقًا، يبيعون ما تبقى لهم من أملٍ كي يعيشوا يومًا آخر، فليكن في قلوبنا بعض الدفء الذي حُرمت منه تلك الطفلة، حتى لا تكرر الإنسانية مأساتها في كل زاوية من هذا العالم.
ليتنا نُدرك أن الرحمة ليست صدقة عابرة، بل شعورٌ يعيد للحياة دفئها.
ليتنا لا ننتظر أن يذوب آخر عودٍ من كبريت إنسانيتنا كي نتحرك.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الضوء الكهربائي… بل إلى دفءٍ إنسانيٍّ يضيء العتمة في القلوب.
المصادر