كانت وما زالت وستبقى القصص أداة أساسية وممتعة وجذابة يعتمد عليها الإنسان في التواصل، ونقل التجارب، وتثبيت المعنى في الذاكرة، فقبل ظهور التعليم النظامي بوقت طويل، كانت الحكايات وسيلة لتوريث المعارف الثقافية، وبناء الفهم، وتشكيل الوعي الجمعي في المجتمعات البدائية وصولًا إلى الحضارات الحديثة. وفي سياق تعليم اللغات، اكتسبت الحكايات والقصص حضورًا متجددًا باعتبارها مدخلًا فعّالًا للتعلّم، ويعدّ منهج التدريس عبر القراءة والحكاية (TPRS) مثالًا بارزًا على مدخل التدريس الذي يضع القصة في قلب العملية التعليمية، ويقدّم بديلًا للتعليم القائم على الحفظ والتكرار والأساليب الأخرى، من خلال بناء تفاعل لغوي حيّ ومؤثر.
إنّ تعلّم لغة جديدة عملية تحتاج إلى التعرض للمحتوى اللغوي، والتكرار، والاستبقاء، ولعقود طويلة اعتمدت دروس اللغة على الحفظ المباشر التي تعتمد على قوائم المفردات، والقواعد، والجمل نموذجية، والتمارين الكتابية التي عززتها المدرسة السلوكية، ورغم أن هذا النوع من الممارسة يوفّر معرفة حول اللغة، إلّا أنه غالبًا لا يقود المتعلم إلى القدرة على استخدامها بطلاقة، فكم من طالب يعرف القاعدة، ولكن يعجز عن المحادثة والإنتاج، وهذا الفارق بين "معرفة اللغة" و"استخدامها" يدفع إلى إعادة التفكير في أساليب التدريس. وهنا يظهر TPRS بوصفه أحد المداخل التي تعيد بناء عملية التعلّم على أساس الفهم والمعنى والتفاعل.
وقمين بالقول إن تطوير هذه المقاربة يرجع إلى المعلّم الأمريكي بلاين راي في ثمانينيات القرن الماضي، وقد تأثر راي بنموذجين نظريين مهيمنين في ميدان اكتساب اللغة، الأول هو فرضية المدخلات المفهومة لعالِم اللسانيات ستيفن كراشن، الذي ميّز بين التعلّم (Learning) والاكتساب (Acquisition) من حيث إن التعلّم يحدث بصورة واعية من خلال القواعد والتدريبات، بينما يعتمد الاكتساب (بصورة غير واعية) على التعرّض للغة في سياقات يمكن للمتعلم فهمها والتفاعل معها. أما النموذج الثاني فهو الاستجابة الجسدية الكلية (TPR) لجيمس آشر، الذي أبرز دور الحركة والتفاعل الجسدي في اكتساب اللغة بطريقة طبيعية مشابهة لاكتساب الطفل لغته الأم.
وقد جمع راي بين هاتين الفكرتين في إطار واحد يقوم على استخدام القصة كحاضنة للمعنى، ومجال للتكرار الطبيعي، ومساحة لبناء تفاعل حيّ بين المعلّم والمتعلمين، فالقصة توفّر سياقًا، والسياق يمنح الكلمات معنى، والمعنى يتيح للدماغ أن يخزّن اللغة دون ضغط أو مجهود قسري؛ بذلك تتحول المفردات والتراكيب من معلومات منفصلة إلى لغة قابلة للاستخدام.
وتعتمد هذه المقاربة على أن القصص ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي بنية معرفية تحفّز الذاكرة، وتبني الروابط الذهنية، فالدراسات تشير إلى أن الإنسان يتذكّر الأحداث والعواطف والترابط السردي بدرجة أعلى بكثير من تذكره للمفاهيم المجردة؛ لذلك، عندما يتعلم الطالب كلمة داخل قصة، فإنها ترتبط بصورة ذهنية وحالة شعورية، مما يعزز استدعاءها لاحقًا. ولديها فرصة أكبر للاحتفاظ والبقاء مما لو تمت دراستها بطريقة ثانية.
وجدير بالذكر أن القصة في هذا المنهج لا تُروى القصة بصورة جاهزة، بل تُبنى في الصف بشكل تفاعلي، بحيث يبدأ المعلّم باختيار عدد محدد من التراكيب اللغوية المستهدفة، ويشرحها بوضوح وبالتالي يبدأ في طرح أسئلة مفتوحة وبسيطة تقود المتعلمين إلى اقتراح الشخصيات والأماكن والأحداث، بهذه الطريقة يشارك الطلاب في صياغة القصة وبنائها، ويقترحون تفاصيل تضيف عنصرًا شخصيًا، وتخلق ارتباطًا وجدانيًا، وبينما تتطور القصة على هذا المنوال، تتكرر التراكيب المستهدفة بصورة طبيعية، وهذا ما يُسمّى بـ "التكرار غير التكراري"؛ أي تكرار لا يشعر فيه الطالب بأنه يكرر، لأنه جزء من سير الحكاية.
وبعد مرحلة السرد الشفوي، ينتقل الدرس إلى مرحلة القراءة، حيث يقرأ الطلاب نسخة مكتوبة من القصة التي شاركوا في بنائها، بتوجيه ومساعدة من المدرس، وهنا تصبح القراءة عملية فهم واستدعاء، وليست عملية ترجمة أو تفكيك، إذ يلاحظ الطلاب التراكيب التي سمعوها من قبل، ويتعرفون على كيفية ظهورها في النص المكتوب، وهذا الانتقال من الشفهي إلى الكتابي يعزز الاستيعاب، ويقوي المهارات مقارنة بقراءة نص غير مألوف. وهو نفس الدافع الذي رشح فيه بعض التربويين قراءة قصص وروايات مترجمة من أجل جعل الفكرة والمحتوى مألوفا للدارسين، بحيث يركز الدارسون على المفردات والتراكيب. وعند هذه النقطة يصبح بإمكان المتعلم إعادة سرد القصة أو إعادة صياغتها أو تغيير بعض عناصرها، وهذه الخطوة تمثل انتقالًا طبيعيًا نحو القدرة على التحدث والكتابة، دون ترجمة أو توتر، فاللغة هنا تأتي من ذاكرة موقف عاشه الطالب داخل الصف، وليس من محاولة تركيب جمل بطريقة متكلّفة.
ويشير العديد من المعلّمين الذين استخدموا هذه المقاربة إلى ارتفاع مستوى المشاركة والثقة لدى الطلاب، فالمنهج لا يضغط على الطالب لتجنب الخطأ، بل يشجعه على التواصل، ويشعره بالأمان اللغوي الذي يولد الجرأة، والجرأة – لا ريب - تؤدي إلى الطلاقة المنشودة. ومع ذلك، يتطلب تطبيق TPRS مهارة من المعلّم، وقدرة عالية على التخيل والاستدعاء والربط والبناء، ناهيك عن مهارات الحاجة إلى أن يبطئ الإيقاع، ويراقب تعابير الطلاب، والتوقف حين لا يفهمون، وإعادة الصياغة دون أن يفقد روح السرد. وقد ذكرا بعض الأدبيات والدراسات التي اعتمدت هذه المقاربة أن الطلاب الذين يتعلمون وفق TPRS يحققون تقدمًا واضحًا في اكتساب المفردات، وفهم المقروء، والقدرة على التحدث بطلاقة، بل يؤدون أداءً جيدًا في الاختبارات التقليدية أيضًا، لأنهم اكتسبوا أنماط اللغة من الداخل، لا من الحفظ.
وعليه، يمكن القول إن مدخل التدريس عبر القراءة والحكاية والقصّ يعيد صياغة تجربة تعلّم اللغة، فهو يقدم اللغة بوصفها نشاطًا إنسانيًا حيًا، لا مادة جامدة، ويضع المعنى قبل القاعدة، والتواصل قبل التصحيح، والتجربة قبل الحفظ. ومن خلال القصص التي يشارك الطلاب في بنائها، تصبح اللغة شيئًا قابلاً للعيش، لا مجرد موضوع للدراسة.
زملائي وزميلاتي، هل جربتم هذا المدخل من قبل؟ هل لاحظتم كيف يتغيّر تفاعل طلابكم عندما تصبح اللغة جزءًا من قصة يعيشونها بدلًا من أن تكون مادة يحفظونها؟
ما النتائج التي رأيتموها في صفوفكم؟
وإذا لم تجربوه بعد، فهل تفكرون في منحه فرصة، ولو في درس قصير واحد؟
أنتم أدرى بطلابكم وبما يناسبهم، لكن تجربة صغيرة قد تكشف لكم إمكانيات جديدة في التعلم.