عندما ننظر إلى هذا الكتاب للمرة الأولى نتذكر عددًا من العناوين المشابهة، فلطالما عبَّرت البصيرة والرؤية عن كشف الحقيقة بما تحمله من ملاحظة التفاصيل والجزيئيات الدقيقة جدًّا، لكن ما قد يغيب عن البال أن الرؤية ذاتها قد تكون محدودة أو ناقصة، وأن فكرة النقص هذه قد تغيب عنا في حدِّ ذاتها، وهذا ما يوافق عليه (كلايف بل) في كتابه: "الفن"، حين يتحدث عن الشكل الدال، فيذكر لنا بلادة الشكل بتركيبه العام ما لم يرتبط بشعور أو انفعال خاص، في هذا الكتاب لا يعلمنا بول دي مان كيف ننظر إلى الأشياء فقط، ولكن كيف نشعر بها ولا سيما في الأدب، هذا الأدب الذي يعبر عن الواقع، والذي سيغير منظورنا تجاهه بطريقة جذرية.
يعرض بول دي مان مجموعة من المقالات النقدية التي يراها من منظور مختلف، فيكشف عن دهاليز خفية يعتقد بعض النقاد أنهم يرونها، ولكنهم في الحقيقة يتوهمونها فيسلط نور الحقيقة على رؤانا، ويجعلنا نبصر كما لم نفعل من قبل.
ففي عددٍ من النصوص النقدية وخصوصًا: النقد الأمريكي، الذي ينظر إلى النص الأدبي بمعزل عن الظروف المحيطة وعن الكاتب، يرى بول دي مان مفارقةً وشرخًا كبيرًا يقعون به النقاد، حيث يصطادهم فخُ التطبيق الذي يختلف عن النظرية المحضة، ويجدون أن سلطة اللغة نافذة، وأننا كقراء لا نملك سلطة أعلى منها.
وفي مقالات أخرى يعمد بول دي مان إلى الموازنة بين الشيئين، بين زمنين مختلفين لكاتبٍ واحد أو بين فنين متباينين للمبدع ذاته، وهذه المقارنة تنطوي على عدد من المفارقات الدقيقة، مما يجعلنا نفهم فكر الكاتب فهمًا عميقًا غائرًا؛ لأننا نعيش معه رحلة نقده وسيرة كتابته وتحولاته، فتصلنا الفكرة التي أراد التعبير عنها بطريقة مثلى، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك حديثه عن بلانشو ولوكتاش.
يجيب بول دي مان عبر عدد من المقالات والإلماحات على أسئلة أدبٍ كبرى مثل: هل الكتاب يعبر عن كاتبه؟ هل الأدب يعكس الواقع؟ كاشفًا الستار عن العمى الكبير الذي قد يحيط بنا.
ولكن في الوقت ذاته عند النظر إلى هذه المفارقات والإلماحات نقف أمام سؤال كبير ومهيب: أين الصواب؟ أين الحقيقة؟ وقد ننسى في كثيرٍ من الأحيان أننا نغوص في الحقيقة في رماديات لا نهائية، ليست كل الأسئلة تُفتح ليُجاب عنها، ربما لنفكر فيها، ونبحر في البحث والتنقيب عن المعنى، هل سنصل؟ ليس مهمًا البتة، المهم هو الآن، هذه الرحلة الطويلة التي نحياها! والتي علينا الاستمرار بها.
إن أردت نتاجًا عظيمًا.. عليك أن تملك شكًّا عظيمًا!
يعلمنا بول دي مان أن نشك في أكثر الأشياء تسليمًا، ففي مقال يتحدث فيه عن التاريخ الأدبي والحداثة، يحثنا على الشك في علم كبير، ويجعلنا نرتكز إلى قاعدة أكثر ثباتًا من سابقتها!
وربما يجعلنا نشك فيما بعد في شكِّه نفسه، فنسأل أنفسنا: هل ما يصرح به بول دي مان قاعدة خالصة الشوائب ومسلَّمة أم أننا علينا النظر إليها غير مرة!
نكتشف أننا نملك أحكامًا أدبية تتصف في العمى، وننتقل فيها من عمى إلى آخر، ولكي نصل إلى أولِ نورٍ ممكن علينا ألا نزيل الشك أو نُنحيه، ليس من باب التكرار أو الإعادة، ولكن من باب الاكتشاف والتمعن والتمحيص.
إن كتاب العمى والبصيرة لا يعد كتابًا نقديًا مهمًا فحسب إنما يعكس عمقًا مرآويًا يمكننا حمله معنا وتطبيقه على مواقف الحياة شتى، فبهذا لا تقتصر أهميته كونه كتابًا متخصصًا وثوريًّا في الأدب والنقد، إنه يجعلنا نؤمن بثورتنا الداخلية ويقظتنا التي لا يصرح بها إلا القلة القليلة.