يهدف هذا الابتكار المعماريٌ إلى تمجيد أهم الأحداثِ التاريخية التي ظهرت بادئ الأمر في الحضارة الرومانية، والتي كانت أحد أهم الحضارات التوسعية في التاريخ القديم، ذلك حرص علي إنشاؤها الأباطرة العظام تكريمًا وتخليدًا لما أنجزوه، فانتشرت بأرجاء الإمبراطورية كافة، انطلاقاً من العاصِمة روما، وصولاً إلى فرنسا والمغرب العربي وبلاد الشام.
والمهتم بعمارة "الأقواس" يجد أنها عبارة عن بنايات شامخة ظهرت في البداية كأقواس تذكارية، ابتداءً من القرن الثاني قبل الميلاد، وكانت تختلف نوعًا ما عن أقواس النصر، فقد كانت تحمل أعلاها تماثيل مذهبة للشخصيات التاريخية، ما يعني أنها كانت تستعمل كقواعد لمجموعات التماثيل، وتقوم مقام الأعمدة التي استخدمت في القرن الرابع قبل الميلاد، كما استعملت لفترة ما كممر سواء في أسوار المدن أو كبناء مستقل.
ونلاحظ أن "أقواس النصر" شكلت ما يشبه البوابات الرسمية، والتي خُصصت لمرور مواكب النصر بالمدن الرئيسية، ومع ذلك فقد بُنيت بعض الأقواس بمناطق معزولة، مثل قوس الإمبراطور الروماني "سبتيموس سيفيروس" الرباعي، في مدينة لبدة الليبية، وقام بإنشائها عام 200 ميلادية. ونستعرض في تلك المقالة قوس كاراكلا في المغرب.
قوس كاراكلا في المغرب:
الموقع والأهمية:
يقع قوس كاراكلا في مدينة وليلي الأثرية، وهي من أهم المدن الرومانية في المغرب، أُدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1997. بُني القوس في مدخل المدينة، وهو من أبرز معالمها الباقية حتى اليوم، حيث كان يُعتبر بوابة فخرية تمجّد الإمبراطور الروماني كاراكلا ووالدته جوليا دومنا.
الخلفية التاريخية:
شُيّد القوس سنة 217م بعد وفاة الإمبراطور كاراكلا تكريمًا له. كان كاراكلا أحد أباطرة الدولة الرومانية الذين حكموا بين عامي 211 و217م، وهو معروف بإصداره مرسومًا سنة 212م منح بموجبه المواطنة الرومانية لجميع سكان الإمبراطورية الأحرار، بما في ذلك سكان المقاطعات الإفريقية، وهو قرار أثّر كثيرًا في الحياة السياسية والاجتماعية بالمغرب القديم.
الوصف المعماري:
يُعدّ القوس نموذجًا رائعًا لفن العمارة الرومانية المتأخرة. يبلغ ارتفاعه نحو 8 أمتار وعرضه قرابة 20 مترًا، وقد بُني من الحجر الجيري المحلي الذي يتميز بلونه الفاتح. يتألف القوس من فتحة واحدة رئيسية تعلوها زخارف دقيقة، وكانت تزينه تماثيل برونزية للإمبراطور وعائلته، لكنها لم تعد موجودة اليوم.
تُظهر النقوش والزخارف بجلاء التأثير الروماني الكلاسيكي، خاصة في استخدام الأعمدة الكورنثية والعناصر الزخرفية النباتية التي ترمز إلى النصر والمجد. كما وُجدت على الواجهة نقوش لاتينية تُمجّد الإمبراطور، وتعبّر عن الولاء له من قبل سكان وليلي.
الوظيفة الرمزية:
لم يكن القوس مجرد بناء معماري أو بوابة، بل كان رمزًا سياسيًا ودعائيًا يعكس قوة الإمبراطورية الرومانية في المغرب، ويؤكد ولاء سكان المقاطعات الإفريقية لروما. وغالبًا ما كانت مثل هذه الأقواس تُشيّد في المدن الكبرى لتخليد انتصارات أو تكريم الأباطرة، كما في قوس تيتوس في روما وقوس سبتيموس سيفيروس في لبدة الكبرى بليبيا.
الحالة الحالية وأعمال الترميم:
رغم مرور قرون من الزمن، ما زال قوس كاراكلا في وليلي يحتفظ بجزء كبير من هيكله الأصلي. خضع القوس لعمليات ترميم وحفظ أثرية على مراحل عدة منذ بداية القرن العشرين، خصوصًا بعد أن بدأ علماء الآثار الفرنسيون أعمال التنقيب في الموقع عام 1915. واليوم يُعد القوس من أشهر المعالم السياحية والأثرية في المغرب، ويُستخدم رمزًا للتاريخ الروماني بالمغرب في كثير من الدراسات الأكاديمية.
الأهمية الأثرية:
يمثل قوس كاراكلا شاهدًا ماديًا على اندماج المغرب في المنظومة الرومانية من حيث الفن، والسياسة، والعمارة. كما أنه يؤكد أن المغرب لم يكن مجرد منطقة نائية، بل كان جزءًا فاعلًا من الإمبراطورية، له حضارته المميزة التي تزاوج بين الطابع المحلي والإرث الكلاسيكي.
المراجع
مصطفى، أحمد. المدن الرومانية في المغرب القديم. الرباط: دار إفريقيا الشرق، 2016.
Camps, Gabriel. Les Remains en Antique du Word. Paris: Machete, 1984.
Mackenzie, Michael. Volubility: The Archaeology of a Roman City in Morocco. Oxford: Archaeopress, 2008.
UNESCO. World Heritage List: Archaeological Site of Volubility. UNESCO Official Website, 2024.