القهر ذاته يولّد أدوات الوعي به عند أولئك المقهورين، وعادة ما يكون المقهور هو ذلك الإنسان الذي حفر الاستبداد في جسده أخاديد ونتوءات. وعادة ما يُشار إلى القهر والتحرر من وجهة نظر (فريري، 2013) على أنّهما مفهومان أساسيان في خطابات التعليم التحرري، ويتجاوران مع ثنائيات عديدة ضمن مفاهيم (حقيبة التعليم التحرري)، مثل: الحوار والصمت، والتعليم البنكي والتعليم التحرري، والمعلّم الملقّن والمعلم الميسّر، وغيرها من المفاهيم، وبذلك يمكنني القول: إنّ القهر يمكن أن يتجلى في النظام المدرسي في مجتمعات الاستبداد من خلال المناهج الدراسية، وأساليب التدريس التي تجعل من عقل المتعلّم وعاء يُملَأ بالمعارف والمعلومات. قد يبدو مفهوم (التعليم التحرري) فضفاضاً بالمعنى، وأحياناً مغرقاً في حالة من الأمل. فما المقصود به؟ وما الذي نحتاج إليه لتكريس هذا النوع من التعليم؟ ومن جمهوره؟ ومن صانعو سياساته؟
ما أسعى إليه في هذه الورقة هو وضع إضاءة فكرية بشأن التعليم التحرري في التعليم المدرسي، مع محاولة لربطه بالسياق الفلسطيني. بالنسبة لي فإنّ موضوع التعليم التحرري مهمّ وإشكاليّ، خاصة في مجتمع محافظ، كالمجتمع الفلسطيني من جهة، ومستعمَر سياسياً وثقافياً وفكرياً من جهة أُخرى ما أثّر في المتعلم؛ إذ يتخرّج ليجد نفسه يغرّد خارج سرب المجتمع الذي يعيش فيه. لن أخوض في تعريف التعليم التحرري، فهو يتعلّق بإيجاد الوعي لدى المتعلّم؛ بهدف التحرر من كلّ ما يستلبه، سواء مادياً كأسر الجسد وجعله قوة عمل لمصلحة الطبقة المسيطرة، أو رمزياً كمطالبته بإتمام المنهج وعدم الخروج عن المحتوى، والالتزام بأوقات الدوام. وهذا يقودني إلى ما ذكره المفكر باولو فريري في كتابه (تعليم المقهورين) بأنّ التربية هي عملية سياسية، وقد تكون بهدف تدجين الفرد من خلال تنشئته اجتماعياً؛ من أجل المحافظة على الوضع القائم، ويكون ذلك في مجتمع غير عادل من خلال التربية التقليدية، أو بهدف التحرر من أجل إحداث تغيير اجتماعي، وبناء مجتمع أكثر عدالة، وهو ما أسماه (بيداغوجية المقهورين)، من خلال تربية طرح المشكلات (قروني وآخرون، 2021).
بدايةً يجب الإشارة إلى أنّ التربية التقليدية ذات طابع سردي، ويُنظر فيها إلى الطلبة على أنّهم أشياء يمكن تشكيلها والسيطرة عليها، حيث يتمّ تعويد المتعلّم على التذكر؛ فالمعلم يسرد بكرم زائف والطالب يخزّن المعلومات ويحفظها، وكلّما زادت عملية الحفظ كان ذلك امتيازاً له، دون الانتباه بأنّ التعليم بهذه الطريقة يصبح نوعاً من أنواع الإيداع التي يكون فيها الطالب هو البنك الذي يودِع المعلم المعلومات فيه، وكأنّها مكافأة له على صبره وتحمله وجهله، ليعود بدوره ويسترجعها وقت الاختبار، ثمّ ينساها بعد ذلك؛ بمعنى أنّ دوره سلبيّ تقليديّ في التعلم (Hart, 1990). في هذا السياق، ومن واقع تجربتي كمعلّمة يمكنني وصف التعليم الحالي في فلسطين بـ (تعليم سدّ الذرائع)؛ لأنّه تعليم من أجل سدّ حاجات المتعلّم فقط، وفيه أصبحت المعرفة باردة لا روح فيها، والطالب مرجعه الوحيد الذي يعتمد عليه هو المعلّم الذي أصبح سلطوياً؛ ما أدّى إلى قتل جوانب التفكير والإبداع والنقد والحوار لديه، وهذا يقوده -دون شعور منه- إلى تبنّي وعي القاهرين، وفهم ديناميات القوة والسيطرة.
وعلى العكس من ذلك، يرى فريري أنّ التعليم التحرري مصطلح مركّب من عديد من الأبعاد المترابطة، مثل البعد (الأخلاقي– الإنساني)، و(البعد السياسي– الاجتماعي)، و(البعد التعليمي– التربوي). وهو فكر أساسه تحرير الإنسان، وبناء عالم تسوده العدالة والمساواة، وبه يمكن للبشرية تحقيق الكمال في السياقين الاجتماعي والمادي المتغيرين، من خلال وجود علاقة ديالكتيكية بين الفعل الذي يقود للنقد بطريقة تأملية تعتمد على الحوار المتميز بالتواضع والحب والتعاطف والأمل والحوار، الذي يؤدي بدوره إلى إحداث الفعل (Galloway, 2012).
يقول الحشوة (2021): إنّ التعليم التحرري يُبنى على حاجات المتعلّم واهتماماته، كما يقوم على مبدأ صياغة المتعلّمين للمشكلات، ثمّ تحليلها ومعالجتها، وباعتقادي هناك اتفاق بين فريري وجون ديوي من حيث أنّ التعليم الحواري بديل ثوريّ للتعليم التلقيني، يمكن من خلاله التحرر من القهر، لكنّ الفرق بينهما يكمن في أنّ ديوي يركّز على المتعلّم، في حين يشير فريري إلى أنّ حلّ المشكلات يكون بالتشارك مع المعلّم؛ أي أنّه يهتمّ بالمعلّم والمتعلم معاً، ومن ثم يتمّ تطوير الوعي الناقد بين الطلبة، وتصبح العلاقة بين المعلّم والمتعلم أفقية بدلاً من هرمية، وبذلك يكون التغيير هدفاً مشتركاً ينتج عنه مصلحة مشتركة بين الطرفين، وهذا يؤدي إلى إنتاج ثقافة تعبّر عن هُوية الأفراد والمجتمع. وحتى لا تُنْتَج علاقات هرمية فوقية برأيي -وأنا أتفق في ذلك معه- يجب الانخراط في بيئات الطلبة وتحليلها؛ فالإنسان هو ابن بيئته، وثمرة من ثمارها، والتعليم ليس حقاً أساسياً من حقوق الإنسان فقط، إنّما الأساس لتحقيق مجتمع عالمي لجميع الناس، فللتعليم دور أساسي في خلق مجتمع عادل قائم على التضامن، كما أنّه أساس الحرية الشخصية في مجتمع ديمقراطي.
والواقع، وعلى الرغم من أنّ فريري هو أول من ركّز على أهمية التأمل والحوار والعمل الجماعي، إلّا أنّه ليس الوحيد الذي دعا للتحرر من خلال تطوير التفكير الناقد كونه أحد أدواته، فهناك أفلاطون وأرسطو وأيام عصر التنوير، قد أشادوا بأهمية الحرية الفكرية. ثمّ تطور الفكر التحرري ليمتد إلى عديد من الدول، كالولايات المتحدة على يد هنري جيرو (Giroux (Henry، وغيره من المفكرين الذين كان يجمعهم الفكر الماركسي؛ فهو يَعُدّ التعليم مسألة سياسية وبيداغوجيا تحررية (Nikolić, 2021). ومن وجهة نظري، فإنّ هدف التعليم من وجهة نظر فريري هو رسم جديد لتاريخ البشرية وثقافتها الفكرية؛ لقدرته على بناء شخصية الإنسان، وإثراء خبراته تلقائياً.
وعلى الرغم من ارتباط مفهوم التعليم التحرري بالمفكر فريري، إلّا أنّي أرى أنّه يشبه النمط التعليمي التشاركي الذي نشره السكاكيني في فلسطين؛ حيث ربط بين التعليم والمجتمع وقضايا الوطن، وكذلك أفكار منير فاشه الذي نادى بأهمية التعلّم من الواقع؛ بهدف تغييره من خلال مجاورة الناس، والاستجابة إلى احتياجاتهم، ولأنّ التعليم الرسمي لا يُحدث التربية التحررية المطلوبة؛ فلا بدّ من ممارسة المتعلّمين وانخراطهم في التجربة النضالية والتحررية بدلاً من تعلّمها. ولو قارنّا التعليم في فلسطين على مدار السنوات السابقة حتى الآن، لوجدنا أنّ قضايا التعليم ما تزال في جدل حول جدوى التعليم ومخرجاته بين وزارة التربية والتعليم وصنّاع السياسات التعليمية، الذين يقولون، كما أوضح عدلي (2022): إنّ التعليم ما يزال بخير، ويؤدي وظيفته كما يجب؛ بحجة أنّ السلطة محكومة باتفاقيات تُلزمها بتحييد المناهج التعليمية والمدراس معاً. في حين أنّ هناك أفراداً مستقلين ومؤسسات غير حكومية يرون أنّ مستوى التعليم في فلسطين لا يرتقي إلى المستوى المطلوب الذي يمكن من خلاله التحرر من الاحتلال، والانعتاق من أسر العادات والتقاليد، ومع كل ذلك نجد أنّ هناك عدّة نماذج ريادية غير رسمية مُلهمة لمبادرات تحررية، مثل مؤسسة تامر، ومركز إبداع المعلّم، وعلى صعيد المبادرات الفردية، هناك منير فاشه، وزياد خدّاش، وغيرهم (الرمحي، 2015). فالهدف واضح لنا جميعاً، وهو سعادة الطالب في المدرسة، ويكون الدليل على ذلك هو رغبته في البقاء فيها حتى بعد انتهاء الدوام الرسمي.
وهنا يستوقفني موضوع التعليم التحرري في فلسطين، والسبب في ذلك أنّنا مدركون ضمنياً أنّ التعليم الفلسطيني هو تعليم غير تحرري. وفي ضوء ذلك يتسارع إلى ذهني السؤال الآتي: ما هذا التعليم إن لم يكن تحررياً؟ وما إمكانية استخدام مفهوم التعليم التحرري في السياق التحرري الفلسطيني استخداماً أفضل في الوقت الحالي؟ عند التمعن في التعليم في فلسطين، أجد أنّ هناك ما هو أكثر من أزمة السلطة وقمع الفكر النقدي، ويمكن تشبيه كثير من الصفوف الدراسية بـ (المنطقة الميتة)؛ حيث إنّ ما تبقّى من التفكير الناقد والتأمّل والخيال أصبح يذهب إلى مواقع خارج المدرسة؛ بسبب ما يُحدثه الإعلام وثقافته بقيادة الشركات المختلفة؛ ما يجعل من تطبيق التعليم التحرري خارج النظام الرسمي أكثر سهولة؛ لأنّ تطبيقه داخل النظام يتطلّب تدريب المعلّمين والطلبة الذين قد يقاومون ذلك، بجانب ضرورة العمل على الحدّ من التناقضات المرتبطة بالسلطة والتبعية، ما يزيد الأمور تعقيداً.
للسياق الفلسطيني في الضفة وغزة خصوصية معينة في التعليم في ظلّ الاحتلال، ونظام الرأسمالية، والعمل على تخريج طلبة بمواصفات معينة، والتمويل الخارجي للمناهج، جميعها تقود لجعل نظام التعليم نظاماً تقليدياً (عبد الله، 2016)، على الرغم من أنّ التعليم التحرري والتربية التحررية تبقى ملائمة، ويمكن تطبيقها.
وأخيراً، وفي نهاية هذه الورقة التي ناقشت التعليم التحرري وربطه بالسياق الفلسطيني، فقد خلصت إلى ضرورة إنتاج الفرد الحرّ المنسجم مع نفسه والواثق بها، المتمرد على الواقع، والرافض للظلم، والساعي إلى إحداث نهضة فكرية، وأنّ العلاقة بين المعلّم والمتعلم يجب أن تُبنى على الاحترام المتبادل والثقة والمحبة، كما أوضحتُ إنّ هناك عدداً من المبادرات والتربويين الفلسطينيين الذين يعملون على تطبيق التعليم التحرري ونشره.
قائمة المراجع:
المراجع العربية:
الحشوة، ماهر. (2021). التربية التحررية النقدية. معهد مواطن للدراسات الديمقراطية وحقوق الإنسان. رام الله/ فلسطين.
الرمحي، حنان. (2015). التحديات الراهنة والبدائل التحررية. مؤسسة روزا لوكسمبورغ. رام الله/ فلسطين.
قروني، موسى، وآخرون. (2021). الإصلاح التربوي والفكر التعليمي عند باولو فريري. مجلة \لأثر للدراسات النفسية والتربوية، 2، (2) 44-59.
فريري، باولو. (2013). تعليم المقهويرن. ترجمة نور عوض. دار القلم. دبي.
عبد الله، غسان. (2016). أيّ تعليم نريد؟ حوار التعليم التحرّري في فلسطين. رام الله: مؤسسة روزا لوكسمبورغ.
عدلي داود الشاعر. (2022). دور جامعة الأقصى في تعزيز التربية التحررية لدى طلبة كلية التربية وسبل تطويره. المجلة التربوية، 36(142).
المراجع الأجنبية:
Galloway, S. (2012). Reconsidering emancipatory education: Staging a conversation between Paulo Freire and Jacques Rancière. Educational theory, 62(2), 163-184.
Hart, M. (1990). Critical theory and beyond: Further perspectives on emancipatory education. Adult Education Quarterly, 40(3), 125-138.
Nikolić, O. (2021). Emancipatory and Ideological Functions of Education. In Cvejić, I., Krstić, P., Lacković, N., & Nikolić, O. (Eds.). Liberating Education: What From, What For? The Institute for Philosophy and Social Theory. (pp. 101-122)