وقفت النُّخبُ العسكريةُ، التي أنهكتها الحربُ العالميةُ الأولى، وخلّفت وراءها أطلالًا وخسائرَ فادحة، وقفةَ الباحثِ عن أُفُقٍ جديدٍ في الفكر الاستراتيجي. كانت تبحث عن منظورٍ أقلَّ كلفة، وأكثر غِنى من أنماط الحرب السائدة آنذاك، وفي مقدّمتها المنظورُ البروسي الذي رسّخه كارل كلاوزفيتز.
في هذا السياق بدأ نجمُ فنّ الحرب للمفكّر الصيني صن تزو يصعد مجددا، لينتقل من كونه — كما يرى رالف سوير — أهمَّ نصٍّ عسكري في آسيا على مدى ألفَي عام، إلى واحدٍ من أهم النصوص الاستراتيجية في العالم. ومع الزمن تجاوز حدود المؤسسات العسكرية، ليصبح جزءًا من التداول العام في مجالات شتّى كالتسويق والإعلام والثقافة وغيرها.
ذلك أن النُّظمَ الاجتماعيةَ والاقتصاديةَ والسياسيةَ التي تشكّلت بعد الحرب لم تَعُد ترى العالمَ إلّا من خلال منطق الصراع، وبالتالي البقاءُ للأقوى.
في قلب هذا الصعود يقف أسلوبُ صن تزو الشذريُّ الماتع، الواقعُ بين النثر والشعر — كما وصفه هنري كيسنجر — أسلوبٌ مُعَبّقٌ بحكمةٍ صقلتها المعاناةُ، وأنضجها لهيبُ الحروبِ الدامية بين دويلاتِ الصين قبل ثلاثةٍ وعشرين قرنًا. أسلوبٌ يشبه ضربةَ سيفٍ أكثر ممّا يشبه جملةً مكتوبة. وبهذه الروح دشّن المقاتلُ الصيني كتابَه: نصًّا لا يتجاوز المئةَ صفحة، يختصر الحربَ في بصائرَ خاطفة، ويكثّف التجربةَ البشريةَ في شذراتٍ مُحكمة لا تهتزّ أمام الزمن، ولا أمام الخرائط التي تتغيّر.
"اخترْ حروبك بعناية…"
هذا أحدُ أعمقِ الدروس التي يعلّمنا إيّاها المُعلّم صن؛ ففي عالمٍ تُفرَض علينا فيه عشراتُ المعاركِ الزائفةِ كلَّ يوم، ينبغي ألّا نستسلمَ لمجرياتها، وألّا نبعثرَ طاقتنا في الهواء.
وعندي أن أهمَّ معركةٍ يجب على الإنسان خوضُها هي حربُه مع تحيّزاته الوهميةِ ونزواته الوقتية؛ تلك التي تحجب الرؤيةَ وتُفقد البوصلة. فالنفسُ -عندي- هي العدوُّ الأوّل.
"مواجهة الأذهان قبل الميدان"
الكتاب مليء بالدروس المهمّة، إلا أنّ هناك حكمةً أعاد صن صياغتها في أكثر من موضع، وهي من أعمق ما يُنتجه التفكيرُ الاستراتيجي: أن مجابهةَ الأذهان تسبق مجابهةَ الميدان. فبدلًا من الحركة الهوجاء «كالقرود»، ينبغي التروّي وتجويد الحركة لا تكثيرها.
ولهذا يقول:
"اعرفْ نفسك واعرفْ عدوّك، تتجنّبِ المهالكَ حتى لو خُضتَ مئةَ معركة.
فإن كنتَ جاهلًا بالعدوّ عارفًا بنفسك، كانت حظوظُك في الفوزِ والخسارةِ سواء.
أمّا إن كنتَ جاهلًا بالعدوّ وبنفسك معًا، فستخسرُ كلَّ المعاركِ يقينًا."
على هذا المنوال يفيض فنّ الحرب بعشرات الدروس التي ينبغي للإنسان المعاصر أن يُصغي إليها، لئلّا يتحوّل — في دوّامةِ الحياة الحديثة — إلى حشرة!!
الكتابُ تجربةٌ ثريّة تستحق القراءة، غير أنّ تجربة قراءته بالعربية ليست دومًا على قدر النص. فمع تعدّد الترجمات العربية ظلّت أكثرها تعاني من اللغة الجامدة الافتقار للسياق التاريخي فكلها نقلت من الإنجليزية، ولم تعد إلى النص الأصلي، كعادة المترجمين العرب! وأجودُها — في تقديري — ترجمةُ رؤوف شبايك.
أمّا في الإنجليزية، فقد نال الكتاب نحو سبع وأربعين ترجمة، أبرزُها ترجمةُ رالف سوير الدقيقة.
وفي النهاية يبقى سؤالٌ يفرض نفسه:
هل أصبحتِ الحياةُ المليئة بالصراع قَدَرًا للبشرية؟
وهل نستطيع يومًا أن نتجاوزها؟