يعتبر جبران خليل جبران أحد أهم الأدباء في العصر الحديث، واحتل مكانته هذه لأسباب كثيرة، جبران أديب لبناني بدأ حياته متعدد المواهب، فلم تقتصر موهبته على الكتابة فقط، بل تجاوزت أساليب التعبير لديه الحرف وفضاءاته الرحبة، حيث عبّر عن نفسه بالخطوط والألوان، فكان رساماً أقيمت له معارض فنية في مدينة نيويورك الأميركية حيث قضى الغالبية العظمى من حياته، كما كان جبران نحاتاً أيضاً.
إذن فقد تميز بتعدد المواهب قبل أن يتأكد أن له طريقاً واحداً وهو طريق الكلمات ليحتل مكانة عظيمة بين كتاب عصره والعصور اللاحقة أيضاً.
ولد جبران في أواخر القرن التاسع عشر في بشري اللبنانية، نشأ فقيراً وهاجر إلى أمريكا مثله مثل كثير من أدباء لبنان بشكل خاص والأدباء العرب بشكل عام، وأسس الكتاب العرب عدداً من الكيانات الأدبية مثل: الرابطة القلمية الذي كان جبران عضواً فيها، وكانت أهم تجمع للشعراء والأدباء العرب، وحملت هذه الرابطة هموم اللغة العربية في المجتمع العربي في المهجر.
لكن جبران الأديب الكاتب تفوق في نهاية الأمر على جبران الرسام والنحات، فسلك طريق الأدب، حيث ترك الكثير من الأعمال الأدبية، وترجمت أعماله للكثير من اللغات وأهمها: الأرواح المتمردة الذي طغى على كل ما فيه حس ونزعة تمردية واضحة، هذه النزعة الذي تمتعت فيها شخصية جبران، وانعكست على كتاباته وخاصة في هذا الكتاب.
وكتاب الأجنحة المتكسرة والعواصف وكتاب النبي أيضاً وغيرها من مؤلفات جبران الأدبية…
لقد أثرت العديد من العوامل في أدب جبران وكتاباته عدد من العوامل، فإلى جانب الطفولة البائسة القاسية التي عاشها ما بين ثنائية الفقر والمرض الذي قتل عدداً من أفراد عائلته، واجتماعه مع عدد من الأدباء ومشاعره وعواطفه المرهفة، ودقته اللامتناهية بالإضافة إلى تمرده على تخلف المجتمع وعاداته وتقاليده، التي قولبت حياة الناس في تلك الفترة.
جعلت كل هذه العوامل وغيرها من كتابات جبران إنتاجات أدبية مختلفة، لا تشبه سواها ذلك؛ لأن جبران استطاع من خلال ما كتب مسّ أمور حساسة في المجتمع، وانتقادها بقلم يفيض رقة وحساسية، فكان قلمه بذلك كلمات كنسائم رقيقة على المظلومين، وحد سيف على الظالمين والإقطاعيين والمستغلين؛ لهذه نجده يقدم خلال كتبه شخصيات من كل الأطياف في المجتمع: الفقير والبسيط الغني والإقطاعي.
لقد أبرز قلم جبران في الكثير من المواضع، تمرده على الفقر والمجتمع والعادات والتقاليد وحتى وعلى الدين ورجاله المستغلين.
ومن جهة أخرى ولتكتمل صورة التمرد لدى جبران وفي كتبه، نجد القصص التي، وتدل بكل ما فيها من شخوص وأسماء وشيء واحد وهو تمرد متصاعد لدى كاتب سبق عصره في الطرح.
ليس هذا فقط، بل أن جبران استطاع أن يكتب في قصصه عن كثير من المسكوت عنه، فنرى قصصاً في الحب والخيانة مثل قصة السم في الدسم.
لقد أسس جبران خليل جبران الذي توفي في بداية العقد الثالث من القرن العشرين لثورة في عالم القصة القصيرة العربية، فإلى جانب أن كتابته صنعت ثورة منفصلة مثيرة للاهتمام على صعيد الموضوعات المطروحة فقد كان هناك ثورة أيضاً على البنية فقد صنع جبران بناء لقصصه، وإضافة إلى هذا كله، استطاع جبران أن يستخدم كلمات وألفاظ من فئة الرقيق الذي يمس المشاعر ولكنه في نفس الوقت سهل ممتنع يلعب على أوتار إنسانية الإنسان، وابتعد مع كل -ما حمله أدبه من تمرد وثورة على كل ما حوله- عن كل ما يجعل أدبه ثقيلاً على كاهله وكاهل المتلقي في آن معاً.
وقد نجح جبران في هذا إلى حد كبير؛ لأن القارئ لأدبه والمتأمل للشخصيات التي يرسمها قلمه يغوص في الأعماق الإنسانية لشخصياته دون أن تضيع الرسالة التي أرادها الكاتب
جبران الشاعر
لم يكتف جبران بكتابة النصوص النثرية التي تركت أثرها في القراء، وبصمتها بين كتاب الأدب الحديث بل ترك شعراً أيضاً ومن أهمه قصيدة المواكب الشعرية الشهيرة التي استطاع الكاتب قوية، مؤثرة ولكنها سهلة غير عصية على الفهم، وعن طريق كلماته التي تصنف على أنها من السهل الممتنع استطاع الغوص في قضايا فلسفية عميقة جداً مثل: الوجود، الخير، الشر، الطبيعة البشرية المحبة للحياة، كما تروي القصيدة رؤية الكاتب للحياة والفناء فكانت هذه القصيدة من أشهر ما قيل واكتسبت المزيد من الشهرة بعدما غنت السيدة فيروز منها أبياتاً شعرية مختارة..
ومن هذه الأبيات الفلسفية
خلق الناس عبيداً للذي يأبى الخضوع
فإذا ما هب يوماً سائراً سار الجميع
أعطني الناي وغن فالغنا يرعى العقول
وأنين الناي أبقى من مجيد وذليل
ثم يقول في موضع آخر:
أعطني الناي وغن فالغنا يمحو المحن
وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الزمن
ليس في الغابات عدل لا ولا فيها عقاب
أما الأغنية الشهيرة للسيدة فيروز فهي أبيات من المقاطع الأخيرة من القصيدة التي بلغت 203 أبيات
الخلاصة
كان جبران وسيبقى أحد أهم الأدباء المؤثرين في الأدب الحديث، وتجاوزت موهبته الرسم بالكلمات إلى الرسم بالخطوط والألوان، وترك للأجيال اللاحقة إنتاجاً أدبياً خاصاً، مختلفاً تمرد من خلاله على الكثير من القضايا التي اعتبرها سبباً في تخلف الأمة والمجتمع ومعاناة الإنسان.