لم تكن الهزائم الكبرى في تاريخ الأمم تُقاس بما تخسره من أرض، بل بما تفقده من معنى. وحين تتآكل المعاني، تتبعها الأسماء، ثم تتهاوى الهويّات كما يتهاوى جدارٌ أُفرغ من روحه. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ وكأن النسيان هنا ليس غفلة عابرة، بل اقتلاعٌ بطيء للجذور، حتى يغدو الإنسان غريباً عن ذاته، مألوفاً في ملامحه، مجهولاً في جوهره. فمن نحن في زمنٍ تُصاغ فيه العقول على مقاس الخوارزميات، وتُختزل فيه الثقافات إلى "محتوى"، وتُقاس فيه القيم بعدد المشاهدات؟ أمِنَ العروبة شيءٌ بقي فينا، أم أننا نرتديها كما نرتدي زياً تقليدياً في المناسبات، ثم نخلعه عند أول احتكاك بالعالم؟
الجوهر المُستنزف بصمت
لقد كانت الهوية العربية، في زمنٍ مضى، نسيجاً من لغةٍ تُفكِّر لا تُترجم، ومن ذاكرةٍ تُنجب المعنى لا تستهلكه. كانت تُعرَف بلسانها قبل حدودها، وبأسئلتها قبل أجوبتها. أمّا اليوم، فهي تقف على مفترقٍ حادّ: بين أن تكون امتداداً حيّاً، أو أثراً متحفياً يُزار ولا يُعاش. قال المتنبي: "وَمَن لَم يَذُدْ عَن حَوضِهِ بِسِلاحِهِ يُهَدَّمْ، وَمَن لا يَظلِمِ النّاسَ يُظلَمِ"، ولعلّ أخطر ما نواجهه اليوم ليس هجوماً صريحاً على الهوية، بل ذوباناً ناعماً فيها؛ ذوبانٌ لا يُسمع له صليل، ولا يُرى له غبار، لكنه يُفضي في النهاية إلى محوٍ كامل، لا نفيق منه إلا وقد صرنا نسأل: من كنّا؟ هذه ليست مرثيّةً للعروبة، بل مساءلةٌ لها؛ ليست بكاءً على الأطلال، بل محاولة لقراءة الشقوق التي تسري في جدرانها بصمت. ففي زمن العولمة، لا تُمحى الهويّات بالسيف، بل بالإقناع، ولا تُستأصل بالقوة، بل بالإغراء.
العالم لا يطرق الباب، بل يتسرّب من الشقوق
غير أنّ السؤال عن الهوية العربية في زمن العولمة لا يُجاب عنه بعبارةٍ حاسمة، ولا يُختزل في حنينٍ إلى ماضٍ متخيَّل، بل يقتضي مواجهةً صريحة مع تحوّلاتٍ جارفة لم تترك لنا ترف الثبات، ولا أمان الركون. فالعولمة، في جوهرها، ليست جسراً بين الثقافات بقدر ما هي آلةٌ هائلة لإعادة تشكيلها؛ تُعيد ترتيب القيم، وتُعيد تعريف "الطبيعي" و"المألوف"، حتى يغدو الغريب مألوفاً، والمألوف غريباً. إنها لا تطرق الأبواب، بل تتسلل من النوافذ: من الشاشة الصغيرة التي نحملها، من اللغة التي نكتب بها، من الصور التي نستهلكها بلا وعي. وهنا تكمن المفارقة: نحن لا نُجبَر على التخلّي عن هويتنا، بل نُقنَع بهدوءٍ مُتقن أنها عبء، وأن التخلّص منها هو شرط "الحداثة"، وأن التخفف من ثقلها هو الطريق إلى "العالمية".
خفة الجذور، حين تصبح ميزّة
هكذا يتحوّل الانفصال عن الجذور من خسارة إلى إنجاز، ومن مأساة إلى تطوّر. لكن، هل يمكن لهويةٍ أن تعيش بلا جذور؟ وهل يمكن لإنسانٍ أن يكون "عالمياً" حقاً، وهو لم يكتمل محلياً بعد؟
لقد أدرك ابن خلدون، منذ قرون، أنّ الأمم لا تنهار فجأة، بل تتآكل من الداخل حين تفقد "عصبيتها"؛ أي ذلك الخيط الخفي الذي يشدّ أفرادها إلى معنى مشترك. واليوم، يبدو أن هذا الخيط قد بدأ يضعف، لا بفعل القهر، بل بفعل التشتت: تشتت المرجعيات، تشتت اللغة، تشتت الانتماء ذاته. ولم تعد الأزمة في غياب الهوية بقدر ما هي في تشظّيها؛ في أن يحمل الفرد أكثر من انتماء، دون أن يستقرّ على أيٍّ منها، فيغدو معلقاً بين عوالم متعددة، لا ينتمي تماماً إلى أيٍّ منها، ولا ينفصل كلياً عنها.
حين تضيق اللغة بمن فيها
ولعلّ اللغة هذا الكائن الحي هي أول ما يدفع الثمن. ليست اللغة مجرد أداة للتواصل، بل هي وعاء الوعي وحدود الإدراك؛ بها نفكّر، وبها نُعيد تشكيل العالم. فإذا تصدّعت اللغة، تصدّع معها الفهم، وإذا تآكلت المفردات، تآكلت معها القدرة على التعبير عن الذات. في الفضاء الرقمي اليوم، لم تعد العربية تُستعمل بوصفها لغةً تُنتج المعنى، بل كثيراً ما تُختزل إلى وسيطٍ مشوَّه، هجينٍ بين لغات ولهجات، فاقدٍ للتماسك، عاجزٍ عن حمل الفكرة في عمقها. نصوصٌ سريعة، مبتورة، تُكتب لتُستهلك لا لتُفكَّر. وهنا، لا يكون الخطر في الاقتراض من اللغات الأخرى، فذلك شأن طبيعي في كل الحضارات بل في أن يتحوّل الاقتراض إلى بديل، وأن يصبح الأصل مهمّشاً في موطنه. قال حافظ إبراهيم على لسان العربية: "أنا البحرُ في أحشائه الدُّرُّ كامنٌ فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي؟"، لكننا، في زمن السرعة، لم نعد غواصين، بل عابري سطح.
كل شيء مُتاح ولا شيء واضح
غير أن أزمة الهوية لا تقف عند اللغة، بل تمتد إلى ما هو أعمق: إلى منظومة القيم ذاتها. لقد كانت القيم، في الوعي العربي، نابعة من سياق تاريخي وثقافي وديني متكامل؛ منظومة تُعطي للأفعال معناها، وللحياة اتجاهها. أمّا اليوم، فقد دخلت هذه القيم في سوقٍ مفتوح، تُنافس فيه آلاف النماذج الجاهزة، القادمة من كل حدبٍ وصوب، تحمل وعوداً براقة، لكنها في كثيرٍ من الأحيان مفصولة عن سياقنا. وهكذا، يجد الفرد نفسه أمام وفرة مربكة: أيّ القيم يتبنى؟ وأيّها يُقصي؟ فيغدو الاختيار، بدل أن يكون فعلاً واعياً، استجابة عشوائية لتيارات عابرة. وهنا يتجلى الخطر الحقيقي: ليس في التغيّر فالتغيّر سنّة الحياة، بل في أن يحدث التغيّر بلا وعي، بلا مساءلة، بلا قدرة على الفرز.
الهوية لا تُحمل، بل تُصنع
إنّ الهوية العربية اليوم ليست مهددة بالاختفاء التام، لكنها مهددة بشيء ربما أشد خطراً: التحوّل إلى قشرة. أن تبقى الأسماء كما هي، لكن المعاني تتبدّل؛ أن نتحدث العربية، لكن نفكّر بمنطق مستعار؛ أن نحتفي بالتراث، لكننا لا نفهمه، ولا نُعيد إنتاجه. وفي هذا السياق، يغدو السؤال أكثر إلحاحاً: هل نريد هوية نحتمي بها، أم هوية نُنتجها؟ لأن الهوية، في حقيقتها، ليست ميراثاً ثابتاً، بل مشروع مستمر؛ لا تُحفظ بالتكرار، بل بالتجديد، ولا تُصان بالانغلاق، بل بالقدرة على التفاعل دون الذوبان. فليس المطلوب أن نُدير ظهورنا للعالم، ولا أن نذوب فيه، بل أن نقف على مسافة واعية: نأخذ ما يُغني، ونترك ما يُفرغنا من ذواتنا، أن نكون جزءاً من العصر، لا نسخةً منه.
وهنا، يعود السؤال الأول، لكن بصيغة أكثر حدّة: هل ما زالت الهوية العربية موجودة؟ ربما.. لكن وجودها لم يعد مضموناً، ولا تلقائياً. إنها الآن، أكثر من أي وقتٍ مضى، خيار؛ خيار يتطلب وعياً، وجهداً، وجرأة على أن نكون أنفسنا في عالمٍ يُكافئ التشابه، ويُعاقب الاختلاف.