يعتبر خالد تاجا أحد نجوم الدراما السورية، وقد ترك أثراً خالداً في الدراما السورية ولد عام 1939م، وهو عبقرية فنية، فهو استطاع بفضل موهبته وأدائه البعيد عن المبالغة أن يضفي روحاً على الشخصيات التي أداها، ومن أهم ما تميز به عن غيره من فناني جيله صوته الهادئ المميز وتعابير وجهه التي لطالما طوّعها لتتناسب مع الشخصية التي يؤديها، حيث قدّم لنا شخصيات تاريخية واجتماعية مختلفة لامست قلوبنا.
قدّم المزيد من الأعمال الفنية التي لا بد من التوقف عند الكثير منها فما بين الأدوار التاريخية مثل دوره في مسلسل الزير سالم وهو من إخراج أيقونة الدراما التاريخية حاتم علي، حيث سلطت هذه الملحمة التاريخية الضوء على شخصية عربية مهمة مثل الزير سالم، ولعب خالد تاجا في المسلسل دور الحارث بن عباد، واستطاع ببراعته أن ينقل المشاهد إلى الزمان والمكان، الذي يعيش فيه الحارث بن عباد، وأيضا أدواره في عدد كبير من أعمال الدراما الاجتماعية، حتى أطلق عليه الشاعر الفلسطيني محمود درويش لقب "أنطوني كوين العرب" وصنف ضمن أهم خمسين ممثلاً عالمياً ضمن تصنيف مجلة التايمز الأميركية.
وتنبع أهمية خالد تاجا كممثل، والتي حصد من خلالها مكانته في قلوب الملايين، أنه نوع في الأدوار بين التاريخي، والذي نجح بتجسيد أدواره في الدراما التاريخية بلغة عربية سليمة…
أما في الدراما الاجتماعية، فقد أجاد فيها خالد تاجا، الغوص في أعماق هذه الأدوار، وجذب المشاهد إلى كل جزئية يمثلها، فتراه مثلا يسبح في عوالم متناقضة ليصنع منها شخصيات مختلفة، فتراه مثلاً "كريم" الأب الحنون الذي لا يوجد في الدنيا أغلى من عائلته البسيطة، وقدّم شخصية رئيسية في دراما اجتماعية بسيطة عائلية تمس الحياة اليومية في الفصول الأربعة.
أما في مسلسل عشتار، فقد قدّم شخصية العم جواد، الذي يقدم العون لعشتار، ويساعدها ويسخر لها كل الإمكانيات؛ لتستغل صوتها الجميل، وتصبح مغنية مشهورة، خاصة بعدما تركها والدها، وتزوج امرأة أخرى، وتوفيت جدتها التي تولت رعايتها بعد زواج والدها، وتعرضت لظلم متتابع من المجتمع والناس، والحياة، والقريب، والبعيد.
واكتشفت عشتار في النهاية أن كل ما قدمه العم جواد لحاجة في نفسه حيث صنع منها بعد عدة عمليات تجميلية امرأة تشبه زوجته المتوفاة، وعندما اكتشفت تركته عشتار، وجسد الفنان خالد تاجا لحظات الوحدة قبل وفاته، وهذه الشخصية التي رحلت في الحلقات الأخيرة من المسلسل.
وأيضا من أهم الأدوار الاجتماعية لخالد تاجا دور أبو منذر في زمن العار ذلك الرجل الذي قتل زوجته المريضة دونما رحمة ليتزوج من أخرى ولم يشعر بأي تأنيب ضمير، بل ظل مصراً أن يعامل أبناءه بشكل عام وبناته الإناث بشكل خاص ابنته بثينة بقسوة شديدة، وفي نهاية المسلسل، برع خالد تاجا في تجسيد دور ذلك الأب الذي سقط ولم يجد من يعتني به إلا بثينة، في تصوير رائع لتقلبات الدنيا وأحسن إبراز الضعف الإنساني، وانتقاله من حال إلى حال.
ومن أهم ما قدمه خالد تاجا دوره في مسلسل التغريبة الفلسطينية، حيث قام بدور الأب (أبو أحمد) في المسلسل، الذي استطاع الكاتب من خلاله وخلال عائلته، تسليط الضوء على أهم النقاط في حياة المجتمع الفلسطيني فدور خالد تاجا في هذا المسلسل بالتحديد كان عبارة عن توليفة ما بين الإنسان الفلاح البسيط المكافح والإنسان المحب لأرضه المدافع عنها.
وصنع هذا الرجل المكافح مع عائلته نموذجاً للمواطن الفلسطيني الصلب والقوي الصبور فهو من استشهد ابنه، وتهجر من أرضه وسكن في المخيم، وأتقن خالد تاجا من خلال هذا الدور توظيف إيماءات وجهه، واعتمد عليها اعتماداً كبيراً خاصة في تلك المشاهد التي تعتمد على إسقاطات الأسى والحزن الذي يستلزمه أداء الشخصية، وهذه الإيماءات أما ما تكون مترافقة مع حوار عميق يصيب صميم الموضوع أو تمثيل صامتاً، بحيث لا يتطلب أداء هذه المشاهد التمثيلية إن كانت صامتة عند خالد تاجا الذي يملك قدرة هائلة على توظيف هذه الملامح لإنتاج كتلة شعورية، دون أن ينطق بأي كلمة، لكن قدرته على تنفيذ أي مشهد صامت يجعل المشاهد مهما كان مستواه الثقافي يرسم في عقله "سيناريو" متخيل وحواراً يتوقعه هو، ويكتبه بمداده الخاص، ولعل من أهم مشاهد مسلسل التغريبة الفلسطينية التي اعتمدت بشكل كامل على إيماءات الوجه وملامحه يحضرني تجسيد خالد تاجا لمشهد وظف فيها هذه الأدوات بعبقرية منقطعة النظير …
ففي المشهد يركب ابنه الخطر بعد النكبة، ويدخل الأراضي المحتلة ليحصل منها على القليل من البرتقال (والذي يحمل الكثير من الرمزية حيث تشتهر فلسطين ببيارات البرتقال) ومع هذه الرمزية البالغة التي استخدمها الكاتب، ثم قدم الشاب الذي عاش مع عائلته الفلاحة التي تنحدر من القرية لوالده البرتقال، الذي بدأ يتناوله بقهر بالغ، وصمت وكمد ودموعه تغطي وجنتيه في مشهد مؤثر تفوق على كثيرين فيه، على الرغم من أنه لم يقل فيه أي كلام، إلا أنه شرح من خلال هذا المشهد ما يجول في خاطر كل فلسطيني، وليشرح بدون كلام مدى تمسك الفلسطيني بأرضه واستعداده للتضحية من أجلها في مشهد رمزي.
الخلاصة
ويبقى خالد تاجا واحداً من أهم نجوم الدراما والمسرح السوريين، والذي استطاع من خلال أداء رصين ومسيرة طويلة تقديم أدواراً كثيرة، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة المشاهد العربي ولتبقى أعماله محفورة في أرشيف الدراما والتلفزيون والمسرح والسينما؛ لتخفف علينا وقع خسارة فنان من طراز رفيع، وموهبة استثنائية فذة.