قد تبدو هذه الجملة بسيطة، لكنها تختصر تحولًا عميقًا نعيشه في العصر الحالي، دون أن نلحظ بوضوح.
نبدأ يومنا بتفقد الهاتف، نتنقل بين التطبيقات، نشاهد مقاطع قصيرة، نتوقف، نملّ، ثم نبحث عن شيء آخر… وكأننا فقدنا القدرة على البقاء في لحظة واحدة.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: لماذا تشتتنا؟
بل: كيف تغيّر انتباهنا؟
في السنوات الأخيرة، أصبحت منصات الفيديو القصير جزءًا من الروتين اليومي، تقدم محتوى سريعًا ومتجددًا، ومصممًا لجذب الانتباه في ثوانٍ معدودة. ومع هذا التدفق المستمر، لم يعد الانتباه عملية مستقرة، بل أصبح مجزّأً وسريعًا، ينتقل من مثير إلى آخر دون استقرار.
تشير العديد من الدراسات في علم النفس المعرفي إلى أن هذا النمط من الاستخدام الرقمي قد يؤثر في طريقة عمل الانتباه. فقد أظهرت دراسة Ophir وزملاؤه أن الأفراد الذين يمارسون تعدد المهام الرقمية بكثرة يواجهون صعوبة أكبر في التركيز وتجاهل المشتتات. كما بينت دراسات أخرى أن الطلبة يتعرضون لمقاطعات رقمية متكررة في أثناء الدراسة، مما يؤثر في قدرتهم على الاستمرار في المهمة وإنجازها بجودة عالية.
وفي هذا السياق، أظهرت إحدى الدراسات التي استخدمت اختبار شبكات الانتباه (ANT) وتخطيط لكهرباء الدماغ (EEG) أن الميل إلى إدمان الفيديوهات القصيرة يرتبط بانخفاض نشاط موجات "ثيتا" في القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن التحكم التنفيذي وتنظيم الانتباه، إلى جانب انخفاض مستوى ضبط الذات لدى الأفراد. وتشير هذه النتائج إلى أن التعرض المتكرر للمحتوى الرقمي السريع قد يسهم في إضعاف العمليات المعرفية المرتبطة بالانتباه والتنظيم الذاتي.
وفي البيئة التعليمية، يظهر أثر تشتت الانتباه الرقمي بوضوح؛ فنرى طالبًا لا يُكمل المهمة، وآخر يتشتت سريعًا، وثالثًا ينتقل بين الأنشطة دون استقرار. وغالبًا ما تُفسَّر هذه السلوكيات على أنها ضعف في الدافعية، بينما قد تكون في حقيقتها انعكاسًا لبيئة رقمية أعادت تشكيل طريقة عمل الانتباه لدى الطلبة.
ولا يقتصر هذا الأثر على المدرسة، بل يمتد إلى داخل الأسرة أيضًا؛ حيث يظهر القلق بوضوح في ضعف التزام الأبناء بأداء مهماتهم الدراسية والمنزلية. وقد بيّنت دراسات أن الطلبة يتعرضون لمقاطعات رقمية متكررة في أثناء الدراسة، الأمر الذي يضعف قدرتهم على الاستمرار في المهمة وإنجازها بجودة. ولا يتوقف التأثير عند الاستخدام المباشر، بل يمتد حتى إلى مجرد وجود الهاتف بالقرب من الفرد؛ إذ تشير الدراسات إلى أن وجود الهاتف—حتى دون استخدامه—قد يستهلك جزءًا من الطاقة الذهنية، ويقلل من القدرة على التركيز والتفكير بعمق.
وأمام هذه التحديات، يلجأ بعض الأهل إلى المنع أو التشديد، معتقدين أن المشكلة تكمن في الاستخدام ذاته، بينما الواقع يشير إلى أن التحدي أعمق من ذلك؛ إذ لا تتعلق القضية بعدد الساعات فحسب، بل بكيفية تأثير هذه الشاشات في تشكيل أنماط الانتباه، وفي قدرة الأبناء على الانخراط في الأنشطة الواقعية والاستمتاع بها.
ومن هنا، لا بد من إعادة تشكيل البيئة المحيطة بالطفل؛ عبر تقديم أنشطة جاذبة ومتنوعة تُنظّم انتباهه تدريجيًا، وتساعده على استعادته بشكل صحي ومتوازن. ويُستكمل ذلك بوضع قواعد واضحة لاستخدام الشاشات، من حيث تحديد وقت يومي مناسب، وتنظيم أوقات الاستخدام بعيدًا عن الدراسة والنوم، مع ضبط نوعية المحتوى ليكون هادفًا وملائمًا لعمر الطفل، بما يحقق توازنًا بين الاستفادة الرقمية والحفاظ على صحة الانتباه.
وفي النهاية، الانتباه مهارة تُبنى مع الوقت؛ فكما تعلّم الدماغ التشتت، يمكنه أن يتعلم التركيز بالتدرّج والوعي. والتحدي ليس في مقاومة العالم الرقمي، بل في التوازن داخله دون فقدان وعي اللحظة.