في مقدمة كتاب "إدراك العالم الصورة النمطية المتبادلة بين الأنا والآخر"، يلخص الباحث ورئيس جمعية النقاد الأردنيين الدكتور زهير توفيق فكرة شاملة لما سيأتي في كتابه، فيقول في الجملة المفتاحية الأولى: "يمثل هذا الكتاب دراسة استقصائية تاريخية وتحليلية لجدل الأنا والآخر، من خلال رصد التصورات المتبادلة بين العرب والمسلمين والآخرين في العصور الوسطى والحديثة".
تكمن أهمية هذا المصنف الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها العشرين لعام 2026 في كلمة "استقصائية" التي جاءت في أول جمل الدراسة، فالاستقصاء المنهجي الذي يعود إلى جذور النشأة وبدايات ظهور التحيزات بين الأنا والآخر في الفكر الإنساني مهمة شاقة تتطلب فحصاً موضوعياً لتركة فكرية أثرت كثيراً على تعاطي الشعوب مع بعضها في عالم صاخب تفترسه التجاذبات ومحاولات كل جهة تشويه الآخر أو إقصائه أو إلغائه إذا أمكن.
يعرض الكتاب في مقدمته الطويلة والمهمة لفكرة تتمثل في معادلة القرب والبعد عن الآخر، فكلما زاد النأي قلت المعرفة المؤكدة، وحل محلها التوصيف الذاتي الذي غالبا ما يلجأ لأحكام مثل: الغريب، العجيب، المجهول والمحيّر المستغلق على الفهم، مما يزيح لغة الجغرافيا والحقيقة ليحل محلها الأدب بمجازاته وروح السرد القصصي إرضاء لفضول القرّاء أو إذعاناً للسلطة، فتبقى صورة الآخر الفارسي أو اليهودي أو البيزنطي واللاتيني وصولا إلى الغربي الحديث خاضعة للتصور القصصي لا الحقائق المتواترة.
يقدم الدكتور زهير توفيق فكرة منضبطة تتلخص في أن صورة الآخر ليست هي ذات الآخر تماماً، بل هي وليدة المخيال والخطاب، ويستعين بنظريات علم النفس الاجتماعي الذي يفسر سبب الوعي الزائف بالآخر الذي يشكله الفرد معتمداً على مرجعياته المتعددة دينية أو دنيوية، تماما مثلما فسر (ليبمان) سلوك الإنسان وأفعاله كنتيجة للصور التي كونها عن العالم، أي أننا في المحصلة نتعامل مع صورة وليس الحقيقة، ويخلص الدكتور زهير أن هذا مما يمكن أن نفسر به الصورة القاسية التي تبناها الوعي الليبرالي في عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر متفوقاً على نظيره السلفي الذي رفض الغرب، وأغلق باب الجدل التاريخي، إلا أن مروجي ما بعد الحداثة، وبعد خفوت الخطاب الماركسي التقليدي وجدوا في صعود اليسار الجديد فرصة للمثقف الليبرالي العربي للحديث عن غرب آخر تقدمي مغاير للغرب المستعمر.
يبدأ الكتاب بمدخل تمهيدي يتحدث عن الأنا والآخر (الشرق والغرب) نموذجاً، وفيه يحاول تفكيك العلاقة بين أوروبا/ مركز الغرب وبين الشرق الذي كان دائما مصدر أطماعها. يبين الباحث أن أساليب الغرب في دراسة الشرق العربي المسلم تباينت وتعددت ما بين السياسي والثقافي والديني بدءاً من عفوية الاستشراق، مروراً بحملة نابليون في القرن الثامن عشر على الشرق، والنشاط اللاهوتي المقارن برعاية الكنيسة في القرون الوسطى، ومع كثرة التقلبات إلا أن الغرب الحديث ظل أميناً لمنطلقاته الأساسية، ولذلك قدم الاستشراق السياسي والأنثروبولوجي الكثير من المغالطات الناتجة عن التباين الثقافي واللغوي وسوء الفهم، أي أنه قدم "علماً زائفاً" بلغة (كارل بوبر) و"وعياً زائفاً" بلغة (ماركس). إن هذه الفكرة الخطيرة تعني أن الإسلام الذي درسته المناهج الغربية في القرون الوسطى والحديثة إسلام الصورة التي صنعها الغرب، مما جعل معارف الغرب عن الشرق محصلة نمطية لتلك الصورة. ويوضح الدكتور زهير توفيق أن الأمر ذاته ينطبق على الغرب في المخيال الإسلامي الشرقي لدى بعض المتعصبين، وهكذا تكون الأيديولوجيا غيبت الفرص الحقيقية للمعرفة بين الطرفين، وهذا ما يفسر طبيعة القلق من الخطر الإسلامي قديماً وحديثاً حتى في أوج ضعف وتفكيك كياناته الحضارية.
يعرض الكتاب إلى مرحلة تبني أوروبا في القرن التاسع عشر لرؤية جديدة للشرق لأسباب منها: نضوج الرأسمالية وتحولها إلى الاستعمار والرغبة في السيطرة ونهب ثروات المواد الخام، ومنها إصرار أوروبا على تعميم نمطها الرأسمالي في العالم وفرض قيمها الجديدة قيما كونية بالقوة. ومنها أيضاً تطور العلوم الحديثة وتوظيف النظريات الكبرى لخدمة الاستعمار مثل نظريات الحتمية الجغرافية والتطور وتمايز الأجناس البشرية والسؤال: علاقة هذا التطور بموضوع الأنا والآخر؟
لقد ساعدت تلك العلوم العقل الاستعماري الغربي، فأمدته بما يريده من نظريات ومسوغات عقلية وعلمية لامتهان الآخر، فتلونت المعرفة وتحولت إلى معرفة وظيفية، فظهر على المستوى الإثني مثلا "السامي" المتدني و" الآري" المتفوق و"الليفانت" المسلم والعربي وعموم الشرق الأدنى. وأخطر ما أنتجته هذه المعرفة الوظيفية الغربية حالة التعالي على الآخر إلى الحد الذي يسوغ شتمه وإدانته ونهبه وإذلاله.
يتحدث الكتاب عن ظهور الرومانسية في مواجهة حالة الجفاف العقلي الأوروبي، حيث ظهر التوجه نحو الشرق كمصدر للإلهام والقيم الروحية والصوفية الروحانية، وذلك عقب انقلاب الحداثة على ذاتها، وتنكر أوروبا في فترة من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لحداثتها المزعومة؛ مما يثير في الذهن تساؤلات عن حقيقة المناهج الأدبية والفكرية التي تم تصديرها إلى عالمنا العربي على أنها مسلمات، بل ما زال بعضها يستخدم كمعيار للأحكام في مجالات الفكر والنقد والإبداع.
في الفصل الأول من الكتاب استعرض الدكتور زهير توفيق تمثلات الأنا في مخيال الآخرين عبر بسط تاريخي عن صورة الأنا في المخيال البيزنطي الذي تلامس تاريخيا مع الشرق المسلم، وظهور شخصية مثل شخصية يوحنا الدمشقي الذي قاد حركة فكرية معادية، وانبرى لنقد القرآن الكريم كما استعرض الدكتور زهير تحولات الصورة عند البيزنطي على امتداد القرون حيث تشكلت مع الوقت صوراً مغايرة عن حقيقة العربي وهي تمثلات فرضها التطور في العلاقات مع الجوار الإسلامي من جهة والغرب من جهة أخرى، ويصل الكاتب إلى حقيقة مفادها أن الشرق انتهى من كونه مثيراً للفضول والغرابة ليصبح مثار قلق وصراعات بين الدول الكبرى لإلحاقه بالمشروع الإمبريالي بعد دخول الشرق لفترة طويلة تحت النفوذ العثماني الذي شكل أيضاً في سنواته الأخيرة نموذجاً للتسلط بعد سنوات من التسامح النسبي.
وفي خاتمة الكتاب يُجمل الدكتور زهير نقاطاً مهمة لا يمكن حصرها أو الإحاطة بها في هذا المقال، ويركز على أن ما حدث من توسع في مفهوم الآخر وتعدده داخل الكيان الشرقي نفسه هو من أسباب عرقلة وجود خطاب واضح، لقد تحصنت الذات الشرقية والغربية داخل نفسها، وامتنعت عن التواصل والاعتراف بحقوق الغير في الاختلاف والاستقلال، وتذرع الغرب بحجج كثيرة وذرائع اخترع لها سرديات كبرى يسوغ من خلالها الهيمنة والسيطرة، بل أعطت الحضارة الغربية الحديثة لنفسها حق الوصاية الأبوية على الآخرين: مرة لتطويرهم وأخرى لانتشالهم من البربرية والتوحش والجهل. وما بين مقدمة كتاب الدكتور زهير توفيق "إدراك العالم الصورة النمطية المتبادلة بين الأنا ولآخر"، وبين خاتمته فصول غنية بالعرض والاستقصاء التاريخي وتفكيك الصور التي اعتدناها من المسلمات عبر فتح دفاتر التاريخ واستبصار الواقع الاجتماعي والسياسي والفكري الذي أوصل الأمر بيننا وبين الآخر إلى هذه الحديّة التي لم تعد تؤمن إلا بالإلغاء في عالم تحولت فيه العلاقة بين الأنا والآخر من مجرد سوء فهم متبادل أو انحرافات إنسانية عرضية؛ بسبب غياب التواصل إلى عمل مقصود ومبرر يُبقي الثنائية قائمة والنفور متجدد. ختاماً هذا الكتاب دراسية نوعية قيمة في موضوعه تضاف إلى محتويات المكتبة العربية من إصدارات الآن ناشرون وموزعون في الأردن.