يعتبر فتح الأندلس (إسبانيا والبرتغال حالياً) ما كان يسمى بشبه الجزيرة الإيبيرية والدولة الإسلامية، التي نشأت هناك تاريخاً مفصلياً ومهماً في التاريخ الإسلامي ككل؛ لأنه كان بداية حقبة تاريخية مهمة صنعت حضارة كاملة متكاملة، وما زالت آثار الحضارة العربية الإسلامية هناك ماثلة إلى الآن.
ولم يكن التغير والتنوع الحضاري حكراً على جانب معين دون الآخر؛ لهذا تجد المسلمين في الأندلس قد قدموا للبشرية في كل مناحي الحياة، ولم يكن الأدب العربي في معزل عن التغيرات، حيث ظهرت أشكال أدبية لم تكن معروفة قبلاً، ومن أهمها الموشحات الأندلسية.
وإذا ما أردنا تعريف الموشحات فهي لغة مستمدة من الوشاح وهو ما يستخدم لتزيين ملابس المرأة، أما أدبياً واصطلاحياً: فهي فن أدبي لم يظهر إلّا في العصر الأندلسي وله أجزاؤه التي يختلف فيها عن القصيدة الشعرية وما يعزز الاختلاف، بين قصيدة الشعر العمودي الاعتيادية، والتي كانت الأساس في الأدب العربي منذ جاهليته، إن الموشحات اقترنت في ظهورها، وسبقتها الأراجيز وهي عبارة عن ما يشبه الأغاني التي قد تستخدم العامية وحتى الأعجمية، وليس العربية الفصحى فقط في الموشح.
اختلف المؤرخون لتاريخ الأدب الأندلسي في اسم أول من طوّر الموشحات، فلم يستقروا على اسم واحد، ولكن هذا الفن نشأ وتطور حتى أصبح علامة بارزة في الأدب الأندلسي إن لم يكن الأبرز.
وبرز عدد من الوشاحين (كتاب الموشحات) في الأندلس مثل ابن اللبانة وابن هانئ الأندلسي وابن زيدون، ولكن من الوشاحين الذين وصلت شهرتهم إلينا في عصرنا هذا هو الأديب الأندلسي الشهير لسان الدين بن الخطيب حيث غنى أجزاء من موشحاته عدد من أشهر مطربي العرب مثل السيدة فيروز وموشح "جادك الغيث"، وموشح "لما بدا يتثنى" الذي تغنى به كثيرون.
فما الذي جعل الموشحات الأندلسية مادة تنتقل ما بين الأدب والموسيقى؟
يعود هذا الأمر إلى أسباب عدة، لكن أهمها بنية الموشح نفسه حيث يتكون من أجزاء يشبه الأرجوزة وهي ما نستطيع اعتباره مادة لأغاني العصر الأندلسي، أيضا تتمتع غالبية الموشحات من حيث الألفاظ والكلمات بسمة السهل الممتنع، ورقي ورقة في الكلمات الأمر الذي يجعلها تدخل أذن المستمع إلى قلبه مباشرة.
وتصبح هذه الكلمات جوهرة من جواهر الأغنية العربية الأندلسية وما جعل الموشح مادة مناسبة للغناء بالإضافة إلى الكلمات السهلة، الرقيقة، والجميلة التي تأخذ الإنسان في رحلة عبر الزمن، أن فن الموشحات بطبيعته هو فن موسيقي بطبيعته أي أنه سلس مكتوب مناسب للغناء.
الموشح الأشهر "جادك الغيث" للسان الدين بن الخطيب
كان لسان الدين بن الخطيب من أشهر الشعراء الذين نظموا الموشحات وأشهر الموشحات التي كتبها "جادك الغيث" الذي غنت السيدة فيروز هذه الكلمات سنة 1960، حيث كان هذا واحداً من مجموعة موشحات وكلمات من قصائد قديمة قدمتها فيروز بتلحين الأخوين الرحباني.
ومن كلمات هذا الموشح الرائع قول لسان الدين بن الخطيب في مطلعه:
جادك الغيث إذا الغيث هما يا زمان الوصل في الأندلس
لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس
الخلاصة
استطاع هذا الفن منذ نشأته في الأندلس وتطوره فيما بعد على يد وشاحين كثر، إلى يومنا هذا أن يحجز مكانته بين القديم والحديث من الفنون الأدبية لأسباب عديدة أهمها جدته وحداثة أسلوبه وجمعه بين السهولة في اللفظ والعمق، مع جمالية في اللفظ والصورة والنغم عندما تحولت هذه الكلمات من قصائد تقرأ إلى أغان تغنى.