"إعجاب، مشاركة، شير، لايك، ترند"
ترافقنا هذه الكلمات مؤخرًا كما لا تفعل أيّ كلمات أخرى، وأعني مؤخرًا أيّ منذ 10 أعوام تقريبًا، حين سقطنا في عالم لم تعرفه البشرية من قبل؛ الفضاء الإلكتروني. لهذا الفضاء قواعده التي لا نرى تسللها إلى عقولنا حتى نقبض على أنفسنا، وقد أمضينا 3 ساعات في مشاهدة مقتطفات مهولة من المحتوى لننتقل بعد كل مقطع منها إلى قراءة التعليقات قبل فلترة المحتوى ذاته أو التفكّر فيه إن كان تافهًا أو هامًا. لقد أصبح الإنسان مجرد أداة للتكرار؛ لم يعد بحاجة إلى التفكير فمقاطع الفيديو القصيرة لأشخاص مختلفين وتعليقات متابعيهم تقوم بهذه المهمة.
لقد فقدنا مهارة تكوين الرأي، وأصبحنا نُردد الآراء ذاتها دون إضافات أو تطوير. ليس الأمر خطئنا كليًا، فمعترك الحياة لا يسمح لنا بالوقوف لثانية والتفكير بكل الأفكار والمعتقدات التي تشابه أفكارنا أو حتى تلك المعاكسة لوجهة نظرنا، والتي تُثير بدورها أسئلة من شأنها دفع عجلة التفكير. أصبحت كل أفكار المرء عبارة عن أفكار مقتبسة دون تمحيص ولا تقييم ودون أي درجة من الوعي أو التفكير الناقد؛ مدخلات نأخذها كما هي ونمضي.
لا بد أن الأمر بدأ الأمر كمحاولات للبحث عن مساندة المجتمع؛ أعني كطريقة لتتأكد من أنك ما زلت عضواً مقبولاً في هذا المجتمع البشري تُفكّر كما يفكّر الآخرون وبالتالي تضمن أنك ما زلتَ شخصًا طبيعيًّا. ما ظهر كوسيلة للتطمين أصبح طريقة عيش مريحة يختارها العقل في مواجهة صعوبات الحياة، ويُعزز وهم الانتماء إلى الجماعة.
ليس الأمر أننا عاجزون عن تكوين أفكارنا الخاصة الأصيلة، بل إن البيئة المحيطة لا تُحدث أي احتكاك بين العقل وبين المحتوى المستهلك، فكل شيء يسير بسلاسة؛ نتصفح المحتوى بأذهان غائبة، ونوافق عليها ثم نشاركها. لا شيء ضمن هذه الدائرة يتطلّب منا استيعاب ما نرى أو التمحيص فيه، فدوائر الحوارات العميقة التي اعتدنا مناقشة أفكارنا فيها اختفت. كما أن تجمعات البشر كأصدقاء أو عائلات أو معارف أصبحت مادة محتوى يخضع لأحكام الـــ"ترند" التي تُحتم علينا قضاء الوقت في ترتيب المشهد للتصوير والمشاركة قبل عيشه والغوص في تفاصيله والاستمتاع به والخوض في حوارات تخلقها الطبيعة الاجتماعية للإنسان ووجوده في أماكن تزدان بصوت الريح واللون الأخضر للشجر والعشب، وتقاطعه مع أزرق السماء وبياض غيومها.
في خضّم هذه المعركة، فقد الإنسان ما يميّزه وجعله الإنترنت كسولاً فكريًا؛ فالتفكير صعب ويحتاج جهداً لذا يتوجه العقل لا إراديًا نحو الأفكار المعلبة الجاهزة، ويتبنّاها كما هي. لا يقتصر الأمر على ذلك وإنما يواصل المرء حرمان نفسه من أي فرصة لتطوير عمق فكري وآراء أصيلة من شأنها توطيد معرفة المرء بنفسه وأفكارها وقيمها. لنمنح أنفسنا هذه الفرصة باتبّاع الخطوات الستة الآتية:
أولاً: تغيير المعاني الجاهزة وطريقة التفكير
علينا أن نبدأ بتغيير معنى كلمة "الرأي الأصيل" فقد يعتقد البعض أنها تشير إلى الوجود أولاً منذ البداية؛ أي أن تكون أول من خطرت له هذه الفكرة أو هذا الرأي، بينما الأصالة تعني القدرة على التفكير باستقلالية وإبداع وتكوين رأي يشبهك ويتناسب مع قيمك. لا تتعلق الأصالة بالضرورة بنشأة الشيء، بل بتفسيره وإعادة تفسيره. لنتأمل هذا المعنى، ونتأكد من رسخوه في وعينا.
ثانيًا: التفكير مهارة وليس صفة محتكرة
إن التفكير الأصيل ليس حكرًا على نوع ما من الشخصيات أو صفة موجودة لدى البعض فقط، إنما مهارة نستطيع تطويرها وتدريب أنفسنا عليها؛ فالتفكير ليس حكرًا على الفلاسفة. ليس هذا أمرًا سهلاً، بل إنه يتطلب جهداً ومثابرة، لكنّه ليس مستحيلاً، ويمكننا ممارسته بشكل مستمر كغيره من المهارات التي نستثمر فيها لتصبح جزءاً من طبيعتنا اليومية.
ثالثًا: لا شيء جديد تحت الشمس
إن تكوين الأفكار الأصيلة لا يكون بمعزل عن الحياة في غرفة مغلقة معتمة؛ أيّ ما زال على المرء أن يحصل على مدخلات من الحياة والآخرين والبيئة. الأمر ببساطة أننا لن نقبل المدخلات كما هي ونتبناها، بل سنُخضعها للتقييم والتمحيص تحت مجهر منظومة القيم والأفكار والتجارب لكلّ منا قبل تبينها، وهذا ما يخلق التطوّر في الحياة. هكذا تتحول المدخلات المحضة إلى مخرجات؛ أيّ تصبح الأفكار أصيلة ملك صاحبها تحمل بصمته وبصمة تجاربه وحياته التي عايشها وحده واختبر تفاصيلها.
رابعًا: تمرين "اصنع رأياً"
بعد قراءة محتوى ما أو مشاهدته أو الاستماع إليه، وقبل الاطلاع على آراء الآخرين في التعليقات، حاول تدوين ما فكرت به فعلاً دون التفكير بما هو "المفروض" أن يخطر ببالك ولا ما "يجب" أن يكون مُقنعًا أو مقبولاً اجتماعيًا. دوّن ما لاحظته وما أعجبك وما أزعجك. ليس عليك كتابة رأي متقن لغويًا أو مترابط، فالهدف تسجيل ردة الفعل العفوية الأصيلة قبل أن تتأثر بوسائل التواصل الاجتماعي. لتُكوّن أفكارك الأصيلة؛ أقرأ وتعلّم وشاهد واستمع واستلهم واقتبس وفسّر وجادل وأعد تفسير الأشياء من منظورك الشخصي ثم ابدأ من جديد.
خامسًا: تحلّ بالشجاعة
يلزمنا في هذه الرحلة التحلي بالشجاعة لمشاركة أفكارنا مع الآخرين وبالشجاعة لتغييرها بعد فترة. لا بأس أن يكون لدى المرء قناعة راسخة، ثم يُضيف إليها، ويُعدّلها ويعيد تفسيرها، هذا ليس زيفًا، وإنما صدق وأصالة. لتُحدث الآراء الأصيلة تأثيرًا في العالم، يجب أن تقترن بشجاعة التعبير عنها وتبنّيها وابتكارها. بدون شجاعة لا وجود للإبداع، لذا لنفكّر ونكّون أفكارنا الخاصة وآراءنا الأصيلة، ولنشارك بشجاعة الإبداع الكامن داخلنا.
سادسًا: لا شيء جذريًا
لا يتطلب الأمر كتابة مبررات وشروحات فصيحة ومفصلّة لكل رأي أصيل أو فكرة. لا بأس أن يمتلك المرء وجهة نظر قيد التطوير وغير كاملة، إلا أنها خاصة به تعبّر عن الحدس والشعور الأولي والتقييم المبدئي للأشياء، حتى يطّورها العقل، ويصقلها فيما بعد بخبرات وتجارب. لن يكون ذلك سهلاً، وقد يشعر المرء بالضعف لعدم امتلاكه رأياً قاطع مقبول اجتماعيًا، لكن هذه نقطة البداية الصحيحة؛ فالشعور بعدم اليقين هو منبع التفكير الحقيقي. نهرب عادةً من هذا الشعور باللجوء إلى تعليقات الآخرين وآرائهم لمعرفة ما يُفترض أن يخطر ببالنا. دعونا لا نفعل ذلك، لنتمهّل ونمنح أنفسنا فرصة للتفكير وتكوين آرائنا.
قد لا تؤتي هذه الخطوات ثمارها فورًا؛ فتطوير وجهة نظرك وأفكارك الأصيلة مشروع شخصي يستغرق سنوات حيث يُعيد المرء بناء عادة فكرية تآكلت تدريجيًا. ستُعاني حين تجلس لتكتب ما يخطر ببالك، وستجد عقلك أحيانًا فارغًا مما يشعرك بالإحباط، لكن لا بد أن لديك شيئاً خاصاً بك وما عليك سوى أن تسلّط عليه الضوء. أفكارك وآرائك الخاصة "موجود" إنها فقط "غير مُفعّلة".
لنبدأ من هنا؛ أقرأ هذا المقال، وأخضعه لأفكارك ثم أنطلق بتكوين رأيك الأصيل عما طُرح فيه قبل أن تدع الإنترنت يُجيب بالنيابة عنك.