المعرفةُ سلاحٌ وقوَّة، ولكنَّها إن توفرت في غير أوانها تنقلب نقمةً وجحيمًا على صاحبها، فهذا السلاح قد يؤذي صاحبه إن كان حادًّا، ويجهل مفتاح استخدامه، وهذا ما سنعيشه في رواية مثل إيكاروس، التي ليست سردًا للقراءة فقط، بل هي عالمٌ ندخله ونعيشه بأحداثه، ونشارك أبطاله انفعالاتهم وعواطفهم، فكاتبنا لا يكتفي ببناء قصةٍ أو روايةٍ؛ وإنما يبني عالمًا من حروف خُطَّت على الورق الأبيض ليسحب القارئ إليه من أول صفحةٍ.
"مثل إيكاروس"… رواية خياليّة تقوم أحداثها على أسطورة غربيَّة تُدعى: "السِّجلات الأكاشية"، وهي باختصار قصة شخص أوتي القدرة على رؤية غيبيات الأمور. مصوِّرةً الموقف العام للأفراد والمنظومات اتجاهه.
لا بد لنا بداية معرفة أسطورة إيكاروس للوصول إلى مغزى الترميز به، هو أحد آلهة اليونان، امتلك جناحا شمع، وحين حلّق بعيدًا للأعلى؛ ذابت جناحاه في الشمس واحترق. ويرمز بها لشخصية البطل؛ لأنه حلّق في سماء المعرفة عاليًا، وعرف أكثر من غيره، فاحترق في جحيم معرفته.
تُروى أحداث هذه القصَّة بأسلوب السَّرد الاسترجاعي على لسان الطَّبيب النَّفسي للشخصية الرَّئيسية، والذي يبقى إلى النِّهاية يتأرجح بين التَّصديق والتَّكذيب لما يرويه، وهنا يبرز عنصر التناقض عند الراوي في وصفه الأحداث وكأنها خيال مريض نفسي؛ ليُردِفَ بحديث يؤكد على حدوث هذا الخيال. ثم يصف الراوي صعوبته بتقبل وتصديق ما يعيشه بقوله: "عندما تقرر أن تنتزع مخك كالحذاء، وتندمج بعض الوقت مع السخف"، لنقف متأملين جمالية الصورة في تعبيرها عن حال قائلها.
"إنا لفي زمن لفرط شذوذه من لا يجن فيه، فليس بعاقل" يستخدم الكاتب مقولة للشاعر العراقي أحمد صافي النجفي لوصف غرابة الأحداث بمفارقةٍ تبرز التناقض بجعل الجنون قمة العقلِ في سياق كهذا.
ترتكز جُلُّ أحداث الرِّواية على توظيف الكاتب للخيال في تناوله لقضايا تاريخية وسياسية وعلمية أثارت أسئلة بلا جواب من منظوره ورؤيته؛ ليتركها في نهاية تلفها الغموض. ولعل أبرز هذه القضايا: (أحداث سبتمبر، حملة قمبيز على مصر واختفاء جيشه، اختفاء طائرة في السماء في البقعة المسماة 'مثلث برمودا')، وفي ثنايا سطوره يأتي على ذكر أثر الحكومة وجهاز المخابرات في نفوس الشعب، والرعب الناتج عنهما في الوجدان الجمعي عند الشعوب. وتناول أيضًا بعض النظريات التي لم تثبت علميًا في هالة من غموض وتساؤل والتي أصبحت كالأساطير؛ وأبرزها: ( قارة ليموريا، ونظرية التطور).
ونظرًا لأن الرواية اتصلت مع الواقع المعاش بشكل غير مباشر، حرص الكاتب على جعل جميع الشخصيات المشاركة بشكل مباشر في الأحداث تكون خيالية؛ حتى لا يضع الكاتب نفسه في موضع مسؤولية أمام العالم يجعله ملزمًا باتخاذ موقف من القضايا المذكورة.
ومن أهم ما يميز هذه الرواية عدم الاستقرار الزماني والمكاني في الرواية والانتقال المفاجئ فيهما؛ لتعطي الفكرة الخيالية أثرها المنشود عند المتلقي، وليأخذ فسحة يمعن فيها خياله لتأويل الأحداث.
وجدير بالذكر تكرارُ الكاتب لعدة أبيات شعرية على لسان الشخصية الرئيسية في كل لحظة فزع له؛ وهي أبيات من مسرحية ليلى والمجنون للشاعر صلاح عبد الصبور، ولعل أكثرها تكرارًا (فانفجروا… أو موتوا)، وفيها يعكس مشاعر الشخصية حيال قبح العالم الذي نعيش فيه، ودناءة البشر وطباعهم وما وصلوا إليه من فساد وقسوة قلب أحالتهم لوحوش تنهش بعضها بعضًا. وأقول في رمزية هذه الكلمات والغرض الفني من ذكرها، بأنها تصف جحيمية هذا العالم الذي نعيشه، وصعوبة النجاة منه أو تجنبه؛ لذلك يستحيل العيش فيه عند معرفته حقَّ المعرفة، نحن نعيش متسلحين بالجهل الذي يعطي الإنسان القدرة على استئناف حياته وخلق السعادة فيها، فَمعرفة الضُّرِّ قبل أوانها لا تعود على صاحبها إلا بالنقمة التي تقلب حياته جحيمًا، وتدعِّم هذه الفكرة مقولة "بعض الجهل نعمة"، وفي هذا السياق نستحضر مقولة أخرى تختلف ظاهريًّا مع سابقتها؛ لكنهما يصلان إلى ذات المغزى: 'المعرفة قوة'، فهي قوة تودي بصاحبها للتهلكة، والجهل نعمة تقي صاحبها التعاسة الكامنة وراء الحقيقة، ويجمع أحدهم بين القولين: تكمن القوة في معرفة أن الجهل نعمة.
يقول الراوي في وصفه للشخصية الرئيسية: "إن كان صادقًا؛ فعلمه مرعب، وإن كان يهذي؛ فخياله مخيف"، وهنا ينعكس ردُّ فعل الطبيب الذي صادف العديد من غرائب المرضى النفسيين، لكنه يقرُّ بفرادة وخطورة هذا المريض وكلامه، وكأنه وقع في ظلام خياله المخيف.
يبرع الكاتب في وصف الحالة النفسية، حين تنعكس على ملامح الشخص فتحيله ميتًا، فيقول في موضع آخر يصفه: "رجل فرغ من الحياة كأنه ذبابة امتصها عنكبوت في شراك بيته"، فالمعرفة التي امتلكها هذا الشخص امتصت كل مظهرٍ للحياة من جسده؛ لتتركه جثةً تتجول بين الأحياء.
من أهم المحاور التي تدور حولها الرِّواية فكرة (المعرفة وأثرها على الإنسان)، وقد أثارت بضعة أسئلة حولها:
- أثر معرفة الحقيقة المختبئة خلف وقائع الحياة والقدرة على التَّعايش معها، وهل سيجد الإنسان الراحة عندما يجد الإجابة لأسئلة النفس؟
- حياة الإنسان مليئة بالإخفاقات؛ فهل سيتجنبها إذا قُدِّمت له حقيقة الغد قبل أوانها؟
معرفة الحقائق لم تكن ذا أثر إيجابي على الناس، ويؤكد على ذلك بقوله: "المعرفة ليست مفتاح السعادة كما يظن الفلاسفة، بل هي كرة نار تحرق من يمسكها، ثمة أسرار من الأفضل أن تبقى مغطاة". فندرك من هذه الكلمات والسياق الذي قيلت فيه إلى النهاية المأساوية لكل من استعان بمعرفته هذه في حياته.
قد حبذت الختام بتضمين بعض المقولات والاقتباسات التي دفعتني لقراءتها والتأمل في جمالياتها:
- المقولة المكتوبة على غلاف الرواية: "رواية تأخذ القارئ لعالم غامض، وتعود به محملًا بالأسئلة، وربما ببعض الإجابات"، والتي أراها مثيرةً للتساؤلات التي تحرك فضول القارئ، فتدفعه للغوص في هذا العالم.
- "مات لأنه اقترب من الحقيقة أكثر من اللازم فلم يحتمل واحترق وذابت جناحاه هوى من حالق ليغرق وسط محيط ثائر مثل إيكاروس". الرَّمزية الأسطورية التي استخدمها الكاتب للفكرة الرَّئيسية في الرَّواية. وقد حرص الكاتب على توضيح ما ذكر من أساطير؛ لتؤدي الرمزية غرضها في التعبير.
- " تدور في زمن حاضر، وتمتد للمستقبل وتعود للماضي لتجتمع الخيوط في غرفة مصحة عند رجل قادر على قراءة أحداث الأزمنة". الانتقال في أزمنة مختلفة وأماكن شتّى في العالم، ثم ربط جميع خيوط الأحداث عند الطَّبيب النَّفسي في مركز الشُّرطة.
قد أبدع الكاتب أحمد خالد توفيق بتصوير المجتمع العربي عامةً والمصري خاصةً دون (فلترة) أو أقنعة تجمِّل الواقع أو تحرِّفهُ، فمهما كانت الخلفية الثقافية والاجتماعية للمتلقي، فإنه يدخل في عالم هذه الرواية، يعيشه ويفهمه، فقد مثَّلت المجتمع العربي بما فيه من صراع ومشاكل بين كافة شرائحه من أعلاها رتبة إلى أبسطها، بما في ذلك من صراع السلطة وما يتضمنه من أنانية بشرية وتطرُّف.
لعل أبرز جاذب لهذه الرواية فكرة إعطاء القارئ فرصة الرؤية الخيالية للكون والعالم، ورؤية بعض القضايا من زاوية مختلفة تجعل المتلقي معلقًا بين الواقع والخيال بخيط رفيع في تفكيره، والاطَّلاع على جوانب عدة من حياة الإنسان على مر العصور؛ لاتساع البعد الزماني والمكاني فيها.
في النهاية يفاجئنا راوي القصة بنهاية غير متوقعة، رغم إشارته إليها في البداية، ولا يفوت الكاتب المبدع أحمد خالد توفيق إضفاء عنصر المفاجأة في الخاتمة؛ فأسلوب السرد الاسترجاعي لم يفقد الرواية تشويقها، وجمالية الدهشة فيها.