تربعت "أزمة المصطلح" في النقد العربي الحديث على رأس قائمة تمتلئ بالأزمات الأدبية والثقافية؛ فهي ليست مشكلة لغوية أو تقنية، بل تعبيراً عن إشكالية كبيرة في طريقة التعامل مع التراث النقدي الغربي، ومحاولات تطويعه وتوطينه في البيئة الثقافية العربية بما تمتلكه من خصائص تنسحب على مجمل الصورة الأدبية. فانتقال المصطلحات من سياقها الغربي، بكل ما فيه من تأثيرات للبيئة الاجتماعية والفكرية والسياسية، أوجد نوعاً من "الاستعارة الإجبارية" التي مكنت لتلك المصطلحات قسراً للتوغل في عمق الظاهرة الثقافية العربية دون مراعاة خصائصها. ومن أزمات المصطلح النقدي الخلط الواضح بين الدلالات اللغوية والعلمية؛ ومن ذلك استخدام كلمات عربية شائعة في محل المصطلح النقدي الدقيق، مما يوقع اللبس الكبير بين ما هو معجميّ عام ومتداول وبين ما هو اصطلاحيّ دقيق التخصصية.
في كتابه "المثاقفة وتحولات المصطلح: دراسات في المصطلح النقدي"، قدم الدكتور زياد الزعبي، الباحث والناقد والأكاديمي الأردني المعروف برصانة طرحه، ما هو أكثر بكثير من عملية جمع وتبويب للمصطلحات النقدية، بل رؤية نقدية تكشف كيف أثرت عملية المثاقفة التي لا يمكن لأمة من الأمم الادعاء بعدم الوقوع تحت تأثيرها. وفي مقدمة الكتاب، يوضح الزعبي غاية الكتاب في قراءة مصطلحات نقدية عربية تولد معظمها في سياق المثاقفة العميقة بين الإرث اليوناني والثقافة العربية، تحديداً في القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين). ويبين كيف ساعدت حركة الترجمة الضخمة والمنظمة، التي بدأت في العصر الأموي، في بلورة حراك عربي ثقافي وعلمي على نحو واسع.
يقوم الكتاب على التسليم بفكرة التأثير للغات والثقافات على بعضها البعض؛ فلا ثقافة يمكنها أن تقوم بذاتها، بل في ظل عمليات التأثير المتبادل بين ثقافات الأمم والشعوب. ولكن هذا التأثير لا يعني السيطرة، بل القدرة على التأثر الواعي القائم على الانتخاب والتفضيل لما هو مناسب. فالوجود الإنساني بكل امتداداته وتداخلاته المعقدة قائم على فكرة التأثر والتأثير، وهو ما يسمى اصطلاحياً: (المثاقفة). ويفرق الكتاب بين معنى "المثاقفة" الذي تشكل استعمارياً في إطار العلاقة بين المستعمِر والمستعَمر، وبين المعنى الأصيل الذي ينبغي أن تقوم عليه المثاقفة بين الشعوب والأمم، بعيداً عن تعريف قاموس "المورد" الإنجليزي الذي يعرفها بأنها: تبادل ثقافي بين شعوب مختلفة نتيجة لاحتكاك ثقافة بدائية بأخرى أكثر تقدماً.
يتتبع الدكتور زياد الزعبي في كتابه مراحل ظهور المصطلح النقدي والظروف المصاحبة، وأهمها حركة الترجمة التي أسهمت في بناء نسيج ثقافي متعدد، نتج عنه -كما يقول الكتاب- أعظم حركات التثاقف في التاريخ بين الثقافة العربية الإسلامية في ذروة ازدهارها (في العصر العباسي من القرن الثاني إلى الرابع الهجري) والثقافة اليونانية، التي ألغت تماماً مفهوم المثاقفة الطبقية الذي نادى به المصطلح الغربي. ويشير الكتاب إلى تنبه الجاحظ –على سبيل المثال– مبكراً إلى مسألة المصطلح؛ فيقرر أن لكل علم مصطلحاته: فللنحاة كما للمتكلمين والعروضيين مصطلحاتهم الخاصة. وهذا مؤشر على نضوج الوعي بأهمية المصطلح، وهو ظاهرة ثقافية تستحق الوقوف عندها.
يضيء الدكتور زياد الزعبي في كتابه على تاريخ كثير من المصطلحات النقدية، مستقصياً النشأة والاستخدام وكيفية انتقالها تثاقفياً من بيئتها إلى بيئة أخرى، وكيف تم توظيفها في البيئة الجديدة. ومن هذه المصطلحات: "المحاكاة"، الذي انتقل من كتاب الشعر الأرسطي ثم تحولت دلالته الأصلية -التي تعني محاكاة الفعل- ليصبح عند العرب دالاً على اللغة التصويرية. ومع ذلك، فإن الكتاب يلفت نظر القارئ إلى أن المستشرقين يكادون يجمعون على أن كتاب الشعر الأرسطي لم يترك أثراً حقيقياً على النظرية الشعرية العربية للفارق الجوهري بين الشعر العربي واليوناني، وهذا ما قرره المستشرق الإيطالي غابريلي الذي ذهب إلى أن اشتغال العرب بكتاب الشعر الأرسطي كان "عملاً شاقاً بلا معنى".
يناقش الكتاب مصطلح "الإحالة" تحديداً عند حازم القرطاجني بوصفه مصطلحاً ظهر في سياق تاريخي محكوم بأطر معرفية ومنهجية خاصة؛ حيث استعمل القرطاجني مصطلح "الإحالة" للإشارة إلى حضور نص سابق -سواء أكان قصة أم خبراً أم مثلاً أم شعراً أم حكمة- في نص شعري معين، حضوراً يخضع لصور من التحوير والتصرف. وبهذا، تصبح الإحالة عنصراً مرجعياً يعتمد عليه الشاعر في تكوين نصه، وهذا بدوره يفتح المجال للوقوف على مسألة نقدية محورية، متمثلة في أن النصوص الشعرية -تحديداً- تتشكل بناءً على مرجعيات معرفية متعددة الطبقات ومتنوعة الحقول. كما يربط الدكتور الزعبي بين الإحالة والتلقي، متتبعاً خطى القرطاجني الذي يجعل المتلقي بحاجة إلى معرفة تمكنه من إدراك ماهية "المحال عليه" لتصبح عملية التأثير ممكنة.
انشغل الفصل الثالث من الكتاب بمعالجة مصطلح "التعجب" كما تجلى في قراءات ابن سينا للنصوص الأرسطية. ويستعرض حضور مفهوم التعجب والغرابة في الكتابات العربية، مبتدئاً بالجاحظ في "البيان والتبيين" حيث يتحدث عن الأثر الذي يتركه الخطيب على سامعيه، وهل يعود إلى براعة المتكلم أم براعة القول واللغة، ويعرض له أيضاً عند التوحيدي وابن سينا وأرسطو في مقارنة لتحولات المصطلح، ويخلص إلى القول: "إذا كانت التصورات النظرية والعناصر الإجرائية التي طرحها ابن سينا في إطار مصطلح التغريب تعود إلى ينابيع يونانية وأرسطية، فإن علينا أن ننظر إليها بوصفها حلقة في سلسلة متصلة من المعالجات النظرية والعملية لموضوعها".
وفي الفصل الأخير، يناقش الدكتور زياد الزعبي موضوعاً هاماً في النقد الحديث وهو "التمثيل والتخييل"، ويخصص الحديث عنهما في القرآن الكريم؛ حيث يحاول الكتاب قراءة بنية التمثيل التي تكررت على نحو لافت في الآيات القرآنية التي تبدأ بكلمة "مثل" أو تضمنتها، راميةً إلى تجسيد الفكرة في بنية لغوية بلاغية خاصة يمكن تسميتها بـ "بنية التمثيل الممتد". ويضيء كتاب الدكتور الزعبي على علاقة اقتران المثل والتمثيل بالتشبيه عند النقاد والبلاغيين والمفسرين، لكنها لم تحظَ بدلالة اصطلاحية معينة؛ وظل البلاغيون مرتبكين في تحديد المحمول الدلالي للمصطلح؛ فمرة ينظر إليه بوصفه تشبيهاً أو تشبيهاً مركباً، ومرة يعدونه استعارة، وثالثة يدرسونه في باب الاستعارة التمثيلية أو الكناية.
في ختام هذه الإضاءة على كتاب "المثاقفة وتحولات المصطلح"، أقول إن هذه الدراسة تكشف عن جهد بحثي واستقصائي كبير قامت به شخصية أكاديمية ونقدية أردنية بارزة لها إسهاماتها في حقول النقد الأدبي؛ وهي تمثل مشروعاً فكرياً ونقدياً قائماً على إعادة قراءة التراث النقدي والأدبي بعيداً عن الاستقبال السلبي، ومحاولة إنصاف المتقدمين بإعادة قراءة نتاجهم وأفكارهم النقدية التي أسست لكثير من الاصطلاحات النقدية المعاصرة مع تغير ظروف البيئة والفكر.