منذ أن طرح ستيفن هوكينغ فكرة إشعاع الثقوب السوداء، وجدت الفيزياء النظرية نفسها أمام سؤال عميق: هل يمكن للمعلومات أن تضيع في الكون؟ في ميكانيكا الكم، يُفترض أن تكون الإجابة: لا، لأن تطور الأنظمة الكمومية يجب أن يحافظ على المعلومات وفق مبدأ الوحدوية. لكن الثقوب السوداء بدت، زمناً طويلاً، وكأنها تهدد هذا المبدأ. فإذا كان الثقب الأسود يصدر إشعاعاً حرارياً خالصاً ثم يتبخر، فأين تذهب المعلومات التي سقطت داخله؟ من هذا السؤال وُلد واحد من أعمق النقاشات في الفيزياء الحديثة: مفارقة معلومات الثقب الأسود.
تطور هذا النقاش لاحقاً مع المفارقة المعروفة باسم مفارقة الجدار الناري، وهي تسمية مشتقة من أسماء أربعة فيزيائيين: أحمد المهيري، ودونالد مارولف، وجوزيف بولتشينسكي، وجيمس سولي. ومن المهم الإشارة إلى أن أحمد المهيري فيزيائي عربي إماراتي، ارتبط اسمه عالمياً بإحدى أهم الأفكار في فيزياء الثقوب السوداء الحديثة.
تقول مفارقة AMPS، باختصار، إن الإشعاع المتأخر الصادر عن الثقب الأسود لا يمكن أن يكون، في الوقت نفسه، متشابكاً مع الإشعاع المبكر من أجل حفظ المعلومات، ومتشابكاً مع داخل الثقب الأسود من أجل الحفاظ على أفق سلس كما تتطلب النسبية العامة. ويؤدي هذا التعارض إلى ما يسمى توتر أحادية التشابك.
في عمل نُشر حديثاً في مجلة Journal of Holography Applications in Physics بعنوان الجدار الناري للانفجار العظيم وانبثاق الزمكان، نُقل هذا المنطق من فيزياء الثقوب السوداء إلى سؤال كوني أوسع: ماذا لو كان الانفجار العظيم نفسه شبيهاً، على المستوى الكوني، بما يسمى الجدار الناري؟
لا يُقصد بالجدار الناري هنا جدار مادي من اللهب، ولا حاجزاً مدمراً، بل انتقالاً عميقاً في بنية التشابك الكمومي. تتمثل الفكرة الأساسية في أن الكون، قبل ظهور الزمكان كما نعرفه، ربما كان في حالة كمومية سابقة للهندسة، أي حالة لا توجد فيها مسافات أو أزمنة بالمعنى الكلاسيكي، بل شبكة كثيفة من درجات الحرية الكمومية المتشابكة.
أنجز هذا العمل فريق مغربي من مختبر الفيزياء النظرية والطاقات العالية، التابع لكلية العلوم بأكادير، جامعة ابن زهر. وهي مساهمة تبرز حضور البحث المغربي والعربي في قضايا دقيقة تقع في قلب الفيزياء النظرية الحديثة.
وفق هذا التصور، لم يكن الانفجار العظيم مجرد بداية ساخنة وكثيفة لتوسع الكون، بل ربما كان انتقالاً كونياً لجدار ناري أعاد تنظيم شبكة التشابك الكمومي. قبل هذا الانتقال، كانت البنية الكمومية مفرطة الترابط، أو ما يصفه المقال بأنه بنية تشابك مفرطة القيود.
في هذه الحالة، تصبح العلاقات الكمومية بين درجات الحرية كثيرة ومتوترة إلى حد يصعب معه انبثاق هندسة مستقرة منها. ولا يعني ذلك أن قوانين ميكانيكا الكم قد كُسرت، بل إن البنية كانت تعاني نوعاً من الضغط المعلوماتي أو توتر التشابك، شبيهاً بما يظهر في مفارقة AMPS داخل الثقوب السوداء.
عندما تصل الشبكة الكمومية إلى عتبة حرجة، يحدث ما يسميه الباحثون الجدار الناري الكوني. هذا الجدار لا يمحو المعلومات، بل يعيد ترتيبها. إنه انتقال يحافظ على الوحدوية الدقيقة، أي على المعلومات الكمومية الأساسية، لكنه يغير البنية الخشنة للتشابكات.
تُقمع التشابكات غير المستقرة أو المفرطة، أو يعاد تنظيمها، فتظهر من هذا التنظيم الجديد شبكة قادرة على دعم زمكان شبه كلاسيكي. بهذا المعنى، لا يحدث الانفجار العظيم داخل زمكان موجود مسبقاً، بل يكون هو الحدث الذي يسمح بانبثاق الزمكان نفسه.
هنا تدخل إحدى الأفكار الأساسية في الفيزياء النظرية الحديثة، وهي علاقة ER = EPR التي اقترحها خوان مالداسينا وليونارد سسكيند. وتقول هذه الفكرة، بصورة مبسطة، إن التشابك الكمومي العميق من نوع EPR قد يكون مرتبطاً بجسور هندسية من نوع جسور أينشتاين–روزن، أو بما يشبه الثقوب الدودية.
وبصيغة أكثر جرأة، قد يكون الزمكان نفسه مبنياً من التشابك الكمومي. في عملنا، تُستخدم هذه الفكرة لتفسير كيف يمكن لشبكة كمومية غير هندسية، بعد إعادة تنظيمها بواسطة الجدار الناري الكوني، أن تتحول إلى شبكة من نوع ER=EPR قادرة على حمل هندسة ناشئة. فالهندسة، في هذا الإطار، ليست شيئاً أولياً، بل نتيجة لتنظيم كمومي أعمق.
لصياغة الفكرة بصورة أوضح، يستخدم المقال ما يسمى نموذج الشبكة الكمومية. في هذا النموذج، لا نبدأ بنقاط موجودة داخل فضاء، بل بعُقد وروابط كمومية. قبل ظهور الزمكان، تكون الشبكة شديدة الترابط، شبيهة برسم بياني كامل أو شبه كامل، حيث تكون العلاقات بين درجات الحرية كثيرة جداً.
يمكن لهذه الكثافة العالية من الروابط أن تولد توتراً في أحادية التشابك. بعد الانتقال الكوني، تتحول الشبكة إلى بنية أكثر انتظاماً، متوافقة مع ما يشبه قانون المساحة الهولوغرافي، وقادرة على تمثيل زمكان ناشئ. لذلك يميز المقال بين مرحلة غير هندسية سابقة للانفجار العظيم ومرحلة هندسية لاحقة للانفجار العظيم.
من الناحية الرياضية، يقترح العمل علاقة بين التشابك والكونيات تسمى علاقة القياس بين التشابك والكونيات. وفي صورتها المبسطة، تنص هذه العلاقة على أن تغير إنتروبيا التشابك يرتبط بتغير الثابت الكوني الفعّال وبحجم الزمكان الناشئ.
لا تقدم هذه العلاقة حلاً نهائياً لمشكلة الثابت الكوني، لكنها تفتح زاوية جديدة للتفكير. فربما لا يكون الثابت الكوني مجرد ثابت خارجي يظهر في معادلات أينشتاين، بل قد يحمل أثراً معلوماتياً يعود إلى لحظة إعادة تنظيم التشابك عند نشأة الكون. وبعبارة أخرى، قد يحتفظ الكون، في بنيته واسعة النطاق، بذاكرة كمومية عن لحظة انتقاله من حالة غير هندسية إلى زمكان قابل للوصف الكلاسيكي.
من أهم جوانب المقال أيضاً محاولة تفسير سهم الزمن. ففي الفيزياء اليومية، نشعر بأن الزمن يسير من الماضي إلى المستقبل لأن الإنتروبيا تزداد. لكن السؤال الأعمق هو: لماذا بدأ الكون أصلاً من حالة تسمح بوجود هذا الاتجاه؟
في هذا النموذج، يحدث أثناء انتقال الجدار الناري الكوني انخفاض في الإنتروبيا الخشنة لأن التشابكات المفرطة يعاد تنظيمها. ولا يعني هذا ضياع المعلومات، لأن التطور الكمومي الدقيق يبقى وحدوياً.
بعد الانتقال، يبدأ الكون الناشئ في التطور، وتنمو إنتروبيا التشابك تدريجياً، ومن هذا النمو يظهر السهم الحراري للزمن. وهكذا، لا يكون سهم الزمن نتيجة لفقدان المعلومات، بل نتيجة لإعادة تنظيم أولية تهيئ حالة منخفضة الإنتروبيا نسبياً، ثم تسمح بتطور حراري لاحق.
لا يقدم المقال فكرة الجدار الناري الكوني بوصفها حقيقة تجريبية محسومة، بل باعتبارها إطاراً نظرياً قابلاً للتطوير والاختبار. لذلك يشير إلى عدد من النوافذ الرصدية المحتملة، من بينها اللا-غوسية في إشعاع الخلفية الكونية الميكروي والخلفية العشوائية للموجات الثقالية، إضافة إلى احتمال وجود تغيرات بطيئة جداً في بعض الاقترانات أو الثوابت الفعالة.
لا تمثل هذه المقترحات تنبؤات كمية دقيقة حتى الآن، لكنها تقدم مسارات يمكن أن تقيّد النموذج مستقبلاً أو تمنحه دعماً غير مباشر. فالعمل يضع الأساس النظري، بينما سيتطلب الاختبار الكامل حسابات إضافية لطيف الاضطرابات الكونية، والطيف الثلاثي، ودوال انتقال الموجات الثقالية.
تكمن أهمية هذا البحث في أنه يجمع بين ثلاثة أسئلة كبرى تُدرس عادة بصورة منفصلة: مفارقة المعلومات في الثقوب السوداء، وأصل الزمكان، وظهور سهم الزمن. ويقترح العمل أن التوتر المعلوماتي نفسه الذي يظهر عند أفق الثقب الأسود قد يمتلك نظيراً كونياً عند أصل الكون.
لكن بدلاً من أن يكون الجدار الناري حاجزاً داخل زمكان موجود، يصبح في هذه الرؤية حدثاً سابقاً على الزمكان، أو بالأحرى الحدث الذي جعل الزمكان ممكناً.
يمكن تلخيص الفكرة في صورة بسيطة: قبل الانفجار العظيم، لم يكن هناك فضاء أو زمن كما نعرفهما، بل شبكة كمومية شديدة الترابط. وصلت هذه الشبكة إلى حالة من التوتر المعلوماتي، فحدث انتقال كوني أعاد تنظيم التشابك. ومن هذا التنظيم الجديد ظهرت بنية هندسية مستقرة، وحُفظت المعلومات، وبدأ سهم الزمن.
بهذا المعنى، لا يكون الانفجار العظيم مجرد انفجار للمادة والطاقة، بل انتقالاً كمومياً معلوماتياً عميقاً، جعل من التشابك الكمومي أساساً لانبثاق الزمكان.
لا يغلق هذا الطرح النقاش حول أصل الكون، لكنه يضيف إليه لغة جديدة تجمع بين المعلومات الكمومية، والهولوغرافيا، وفيزياء الثقوب السوداء، وعلم الكونيات.
تكمن القيمة الفكرية لهذا العمل في محاولته إعادة التفكير في بداية الكون، لا بوصفها حداً هندسياً غامضاً تتوقف عنده قدرتنا على الوصف، بل باعتبارها لحظة تحوّل عميق أُعيدت فيها صياغة بنية المعلومات الكمومية، فانبثق منها الزمكان وأصبح الكون قابلاً للتشكل والتطور. وتكتسب هذه المساهمة دلالة خاصة لكونها ثمرة بحث أنجزه فريق مغربي بجامعة ابن زهر في أكادير، بما يؤكد قدرة البحث العلمي المغربي على الإسهام في مناقشة الأسئلة الكبرى التي تقع في صميم الفيزياء النظرية المعاصرة بما فيها أصل الكون.