بين الصور التي تلتقطها ونحن نتحرك فتنقل كثافة المشاعر وبين الصور التي خلف كاميرتها يد ثابتة، تمعن النظر في كل الزوايا، هل سنستطيع الاختيار؟ بين رصانة دوستويفسكي وتدفق النهر الجارف لدى همنغواي لأيهما نميل ولماذا؟
ينتمي دستويفسكي إلى عمالقة الأدب الروسي وبعد أسلوبه في كتابة الأدب معقدة وعميقة يسعى فيها لتفسير نفسية الإنسان، أما إرنست همنغواي فهو كاتب أمريكي يميل في كتابته للبساطة والوضوح في السرد والوصف، أو كما يحب أن يسمى منهجه : نظرية الجبل الجليدي.
لم تكن هذه المقارنة متعمدة، لكن لاحظت تشابهاً طفيفاً بين الكاتبين، لا من ناحية الأسلوب فحسب وإنما من ناحية التفاصيل، فكلاهما يعنيان بالتفاصيل والوصف، لكن هذه العناية على دقتها وكثرتها وبحثها الطويل في الأشياء، إلا أنها تختلف عند دوستويفسكي عن همنغواي، فهمنغواي يرسل هذه التفاصيل بكثرة وكان عينه كاميرا تصويرية متلاحقة، ككاتب لا يستطيع اللحاق بها أو التقطاها، وكأنه يركض نحوها، لا يدري إلى أيها ينظر وكيف يصف فتأتي لغته متدفقة كثيفة، تفاصيل كثيرة، لا نستطيع إمساكها مثل زنبق نحاول إمساكه، ولا نستطيع، أما دوستويفسكي فيبدو مثل رسام، يرسم بيتاً بعيداً هادئاً وبارداً، إنه يعرف كل شيء، لا حاجة له أن يركض أو يتسرع، يرسم لوحته على مهل، بتفصيل شديد، فلا يغادر زاوية اللوحة حتى يتمها إلى نهايتها، ولا يبرح حتى يبلغ المنتهى، وحتى نهاية المنتهى.
وفي صدفة تامة اكتشفت أن همنغواي ليس فقط على النقيض من أسلوب دوستويفسكي، بل إنه تحدث عن هذا الأمر من قبل واصفاً الأسلوب الذي يتبعه بنظرية: جبل الجليد وهذا ما ينقله خليل صويلح عن همنغواي في كتابه ناحية الماء والكلأ: "إنك تستطيع أن تحذف أي شيء، إذا كنت تعرف ماذا تحذف".
إذن فهمنغواي يؤمن بأن الكلام يجب أن يكون ذا تأثير، مكثف قوي، ومجتذب إلّا ما تحتّمه الضرورة علينا، وربما هذا يحيلنا قليلاً إلى كافكا، حيث يستخدم كافكا الإلماحات دون إسهاب أو إطالة، عكس الأسلوب المعروف لدى دوستويفسكي لقد عاش همنغواي حياة متنوعة ولعب غير دور في حياته كإنسان، بينما عاش دوستويفسكي حياة خالصة للكتابة، ولا سيما بعد مروره بتجربة قاسية كادت تودي بحياته، فهل كان لتلك الظروف الحياتية الشخصية تأثيراً على أسلوبهما؟
إن الأكثر إدهاشاً في الأمر، أنني حين قرأت "مذلون مهانون" لكاتبها دوستويفسكي، وجدت أسلوباً باهراً كثيف التفاصيل لكن ببطء على مهل وتأن، حتى ظننت إن هذا النوع من التفاصيل له نوع واحد ومدرسة واحدة في الكتابة، تفاصيل تمشي بمهل، تصور أدق الأشياء، مثل كاميرا تقترب من كل زوايا الغرفة لنلتقطها بإطالة النظر والحفظ عن ظهر قلب. لكن عندما قرأت وداعاً للسلاح لهمنغواي ذهلت ليس فقط من حجم التفاصيل الذي تكاد لا تنتهي، وإنما أيضاً لتقنية هذا السرد، كان مثل اكتشاف جديد، نوع مختلف تماماً.
وكل ذلك لا يفتح باب المقارنة من جهة انتصار جانب على جانب، ولكن من جهة أخرى تماماً، نكتشف فيها أننا كل ما ما زادت معرفتنا بالأشياء والأنواع، يزيد إدراكنا لجهلنا، جهلنا لهذه الأنواع كل نوع على حدى بكل عمقه، وجهلنا بتعدد الأنواع الذي لا ينتهي الأكثر دهشة هي دهشتنا عند اكتشاف كل نوع بلا كلل أو ملل، ذاك التدفق الذي لا يتوقف، وذاك بحد ذاته، سر القراءة الذي لا يعود إلى مصب هادئ البتة، ويجعلنا نجدد بقراءتنا للكتب قراءتنا لأنفسنا ومتابعة كل التفاصيل الدقيقة التي لا تلقي لها بالاً بسبب اعتيادنا على دقة الملاحظة والتقاط الأشياء سواء أكان بعجلة مثل همنغواي أو ببطء مثل دستويفسكي، فأيهما نختار؟