تبدو الشعرية أفقًا جماليًا لا يلزم النص النثري أو الشعري، إنها ممارسة فاعلة بأطر سيميائية واعدة تنحتُ طريقها في اللوحاتِ التشكيلية بأسلوب مغاير يعتمد على الصمت المتوتر، الألوان المضمرة بالدلالات الإيحائية، الطبقات الهندسية، الأشياء المتباينة في الحجم.
ولئن استهدفت الشَّعرية في نظرية جاكبسون التواصلية العلوق بالرسالةِ بحيث تصير أكثر إقناعًا للمُخاطبِ، إلّا أنها في بنية اللوحة التشكيلية باعتبارها نصًّا صامتًا مدجَّجا بالأيقوناتِ، تركِّز على نطاقاتٍ مركزية كبرى كالعيونِ وما يتبعها من تغييراتٍ جسيمة بريشة الفنان، وبذلك أقر الجاحظ بثقلها الدلالي وأثرها الوجودي في توجيه مقاماتِ الخطابِ وهو القائل: "وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح، مرفق كبير ومعونة حاضرة"
وأيًّا كانَ الشأنَ، فإنَّ الطرف والحاجب هما من فلتاتِ العينِ، وهي تحاول التصديّ لمقامٍ عاجل بتخفيضهِ أو رفعهِ، أو تجاوزه كما في هذين البيتين:
أشارت بطرف العينِ خيفة أهلهَا... إشارة مذعورٍ ولم تتكلم
فأيقنت أنَّ الطرف قد قال مرحبا... وأهلًا وسهلًا بالحبيب المتيم
إن إشارة الطرفِ هي إيماءة تنصرف إلى بيانِ الاستجابة للحبيب دون البوح الصريح لوجود مقامٍ رادع: سلطة الأهل.
أمَّا العيون في روائع الأدب العالميّ فهي متغيرة الوظيفة تبعا لمجالات السرد ومآلاتِ الكتابة، ففي رواية العمى للأديب البرتغالي جوزيه ساراماغو يتحول داء العمى الذي ضرب المدينة إلى استعارة فاضحة لتهاوي القيم الإنسانية، وتلاشي الضمير الأخلاقي، وتفشي أكوام الجهل.
ثم تصبح العيون في قصة أوديب ملكًا رمز للبؤس والتكفير عن الذنب، لكن عبر التخلص منهما فبعدما علمَ أوديب أن الملك الذي قتله هو والدهُ، أمَّا الملكة الأرملة جوكستا التي تزوجها فهي أمه، وبمجرد انكشاف الحقيقة انتحرت والدته، بينما انتزع أوديب تلك الدبابيس الذهبية التي تزين فستان أمه، واقتلع بها عينيهِ، ليصير مطرودا كفيفًا خارج مملكة طيبة.
وتغدو العيون في أدب البؤس مظهرا لإخفاء كتلة من المشاعر، التي تتدحرجُ من مستودعَات القلوبِ، ففي رواية الفقراء للأديب الروسي ديستويفسكي يعاني البطل ماكار ديفوشكين من حساسية شديدة في الشارع، فهو يشعر أنّ العيون تراقبه من كلِّ فجّ كي تفضح عوزه وفقره، ثم تتهكَّم عليهِ، لكن عيونه بالذات ارتقت إنسانيًّا لتؤول إلى منبعٍ للبراءة والعاطفة والحنين، وهذا حين تقلِّب الأحرف والكلماتِ الماثلة في رسالة حبيبتهِ فارفارا.
وليس من الغريبِ أن تتجاوز الفنانة الأردنية رانيا البيايضة الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية والفنون الجمالية، وهذا بسبب ثقافتها الواسعة، وإلمامها بالمذاهبِ التشكيلية والفلسفيَّة محولةً العيون إلى بُؤر مكتظة بالأسرار الوجودية والمفارقات الإنسانية، ولكأنها شعريات صامتة تلقي دلالاتها النوعية في مسرى مشحون بالشيفراتِ التي تسيِّج المعاني خشية انفلاتها.
العيون وشعرية الخراب
نزعت الفنانة رانيا البيايضة إلى فكرة التماثل الهندسيِّ، وهذا عبرَ اللوذ بالأسلوب التكعيبي كاستراتيجية فنية باعثة على كسر السيرورة الزمنية حيث العيون تأخذ منحى أفقيا ممدودا بما يشبه ثمرة اللوز، أما الحواجب والجفون فهي طبقات متوازية يغلب عليها الانحناء والتقوُّس، إذ تصير دعاماتٍ تعبيرية تمنح العيون مشاعر التعاسة والتيهِ، أما النقط البيضاء الصغيرة داخل الكتلة الداكنة المركزية ببريقها الباهت فهي إشارة إلى خفوت ألق الحياة، وانعدام التَّواصل الإنسانيِّ، واستحباب العزلة، ولعلَّ هذه المؤهّلات التجريبية بنطاقها الالتحامي تهدف إلى الكشفِ عن خراب فظيع يستولي على النفس البشرية جرَّاء شعورها بالفراغ وانعدام المعنى.
ونلفي في جوانب الصورة عمارات شاهقة من الإسمنت المسلح، في أعاليها صدع ظاهريِّ وحجارة ملقية في الأرض، كانت جزءا من بنيانِ تلك الجدرانِ، لكنها استكانت لشقوق الزمن، ما يعطي أثرا تواصليا يحاكي تلك العيون الذابلة والوجوه المائلة، إنها حركة مقصودة تنمّ عن فجيعة الإنسان وهو تحت مراس التشيُّؤ، إذ يتحول الإنسان إلى محض أشياء مسلَّعة تقتاتُ منها العلاقات التجاريَّة والاقتصاديَّة المعقدة، ثم يُلقى خائرا كعمارة خربة مهجورة.
فالعيون في سياق اللَّوحة تأخذ منعطفًا حاسمًا في تقليص مسافات الغموض غداة اكتناه أسرارها المضمرة فهي دوامة من المشاعر التي تصبُّ في محيطِ يضمُّ هذا الشتات الهائل، لكنه يتحرز من البوح بها إلّا في نسق من الإشارات والإلماحات التي تخضع لآلةِ التأويل.
العيون وشعريَّة الاغتراب
![]()
عمدت الفنانة رانيا البيايضة في هذه اللوحة على توشيج الصلة بين المدرستين السيريالية والتعبيرية في أدائها الجمالي الذي خلص إلى رسم وجه أنثوي هادئ محاط برمزية بالغة التعقيد في العناصر المحيطةِ: بهِ الأسماك الذهبية، الألوان المتدرجة، الرّشاش على الجبهةِ والخدِّ، بينما تغتدي التيمة الكبرى الموفية إلى بيانِ سياق المعنى هو ذلك الطلاء الذي يحجب الأعين، فهو يومئ إلى الاغتراب الذاتي القاهر، ذلك أن الاغتراب في أبسط تجلياتهِ المفهومية هو فقدان الشغف والإعراض عن الانخراط فيما تهواه الجماعة، حيث يشعر الإنسانُ بالانفصال المطلق عن محيطه، لذلك جاءت الأعين المغمضة تدليلا على رفضِ الاستمتاع بالمناظر والمشاهد وعدم ارتياضها مطلقا مفضلة السواد لون الاحتجابِ والتواري.
أما أسماك الكارب الذهبية فتواجدها ليس للزينة أو إضفاء مناخ سيريالي مشحون، بل هي فواعل داعمة لتمذهباتِ فلسفة الاغتراب، ذلك أنها تسبحُ ضد التيار في النهر، فهي استعارةٌ للمخالفة وللمغايرة، واستنطاق معادن الصمود في زمن مرهق تغيب فيهِ القيم الأصيلة.
وهكذا تلتئم الصورة بأركانها التراجيدية فالفنان شخصية شديدة الاغتراب فضَّل التعامي، لئلَّا ينهك ضميره، مقابل الانغماس في عالم اللاوعي كقطعة نجاة تعفيهِ من كدر المساءلات.
شعرية الانزياح، وجوه بلا عيون
![]()
والرَّائي في أول إطلالةٍ يخالُ أن اللوحة قوامها الترهل الفني، والتشويه العمدي للأشكال، لكنها في عمقها تقنية إبداعية مائزة تنصرف إلى الانزياح عن العادة في التشكيل، من خلال رسم الوجوه بلا عيون، والانزياح في باب الشعر هو الانحراف والعدول عن الحقيقة وهو أمر مستساغ في مجال الفن والابتكار؛ لأن هذه الوجوه الميتَّمة بلا عيون تدعو إلى تحريض المتلقي لاقتفاء آثار المفقودِ، بحيث تصبح الرهان الأول في تحليل بنية اللوحة، وإذا كان الإغريق في نحتهم هم أوَّل من سن هذا الطقس لدواع دينيَّة بحتة، إلا أنَّ الفنان الإيطالي أميديو موديلياني هو من ملك الجرأة في التوسع في هذا المذهبِ كرد فعل إزّاء شعوره بالجهل نحو الشخصياتِ التي رسمها، مرددًّا مقولته التبريرية: "عندما أعرف روحك أرسم عينيك"، بيد أن الفنانة رانيا البيايضة لا تجزم بهذا الرأي مطلقًا، إنها تُبدي من وراء هذا التشكيل الغرائبي الإلمام بأسرار المرأة العربية والدّراية بشؤونها.
وعود على بدء، فاللوحةٌ مرسومة بأسلوبٍ تعبيري ريفي يعكس الثقافة الشعبية ومناسكها العتيقة، حيث تتصدر امرأتان بلا أعين المشهد، الأولى تمارس حركة الأمومة الطاهرة، حمل الطفل وإسعاده، وعلى رأسها جرة فخارية إشعارًا بالتقاليد الريفية في حمل الماء ونقلهِ، وبالتالي فهي تظهر كينونتها التي تبتغي المداومة على فعل النماء/ حمل الطفل، والجرة/ دون حاجتها إلى عيونٍ؛ لأنها تمظهرها في سياق اللوحة يوحي بالتمييز والتفرقة مما قد لا يخدم المعنى الذي يشدّد على تساوي المرأة العربية في الخصوبة، النماء، الكفاح.
أما المرأة الثانية بثوب بنيّ أحمر، وغطاء رأس أبيض، وتسير في نفس دربِ المرأة الأولى فهي إيماءةٌ إلى أن هذه المرأة تود تبنيِّ نهج من سبقتها: الإنجاب وجلب الماء، حفاظًا على ديمومة الخصوبة، والقرينة الجالبة لتداخل المقاصد هي الخلفية الظاهرة في اللوحة: بيوت عربية بسيطة بمحاذاة بعضها البعض، بنوافذ وأبواب داكنة تشكل قرية هادئة وأرضية زاهية الألوان، ولكأن تلك النوافذ هي العيون التي تركتها المرأتان، ثم قرَّرتا الامتناع عن النظر في الغرباء أثناء سيِّرهما حفاظا على شيمةِ الحياء.
ختامًا إن العيون في لوحات رانيا البيايضة تكتسي شعريات خاصة تنوء بحمولات دلالية تدفع التشكيل نحو أقاصي التجريد، فهي تنتقي العيون ببراعة وهذا تبعًا لكل سياق عاطفيِّ أو تجربة جمالية نادرة، أو عركة ثقافية طارئة، لتنبلجَ في أرومة قصيدة شعرية صامتة، مركبة المعاني، متجذرة الأسلوب، بليغة الأثر في نفسية المتلقيِّ.