لا تحسب الأطفال حين يسمعون منك لا يفهمون، فهذه الحياة مليئة بالخبرات والتجارب التي تستحق الوقوف والتأمل. علينا أن نبحث عن الحكمة والتأمل في كل حركة صغيرة، فإذا أردنا استخلاص أساليب الحياة، فعلينا أن نتأمل كل حادثة صغيرة أو كبيرة.
بعضهم يشهد مواقف كبيرة، فتمر عليه، دون أن يتعظ أو يستفيد منها؛ انقلابات التاريخ، وأحداث القرون السالفة، وحكايا الشخصيات والأبطال، كل قصة وراءها حكمة تحتاج لمن يتأمل.
وهنا سأتحدث عن لقطة بسيطة، لنرى كيف نستفيد منها، وهكذا نحتاج إلى التوقف أمام ما تراه العيون، وتحتفظ به الذاكرة.
حين كنت صغيرًا كانت إحدى أقربائي تعصر الليمون مجددًا رغم أنها فارغة. ما لاحظته وأنا طفل أن تلك الليمونات الفارغة كان يخرج منها شيء يسير… ربما ربع كأس أو أقل..
الآن أتذكر ذلك المشهد فأبتسم، لماذا؟ لأني أرى هناك من يزاول هذه العملية بطرق مختلفة، وهناك من يتهاون بها فيضيع عليه.
أشاهد الميكانيكي حين يصب الزيت في سيارتي وسيارة غيري يجمع المتبقي في العلب في قارورة خاصة ليستفيد منها.
بائع البنزين يجمع بعض الهللات من كل زبون ليشتري له بيبسي ليشربه.. أنا لا أتحدث عن المشروعية، أتحدث عما أراه.
عصرة الليمون التي كانت تفعلها تلك السيدة الراحلة تعود في هذه الحياة بصور متعددة.
قرأت أن أحد الصاغة يجمع برادة الذهب كل يوم ويحتفظ بها، وبعد عام كامل يحول الفتات إلى ثروة حقيقية.
عصرة الليمون ليست ساذجة، بل وراءها حكمة. فهي تحافظ على الممتلكات دون هدر، وتستخرج البقايا دون تبذير، قال تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا). هل تعلم أن هذه العصرة ستسكت طفلًا لجوجًا يرغب في شرب العصير قبل وقت الطعام؟
ورد في الدعاء: "واجعلني من أهل الاقتصاد". البعض يصف هذه التصرفات بالبخل، والأدق هو الحرص. فلماذا تلقي بقايا الطعام في القمامة رغم قابليته للاستفادة منه؟
في فيلم وثائقي جميل شاهدت كيف تعمل الصناعة الغذائية على استغلال النواتج الثانوية دون هدر، شاهدت كيف تستغل قشور البيض مثلًا لتصبح قواعد لمصابيح كهربائية، فهل نسمي هذا بخلًا أم ذكاء وعبقرية في إعادة تدوير النفايات؟
اعتادت البلدان الغربية تقسيم النفايات إلى أكثر من حاوية: حاوية ورق، وزجاج، وبلاستيك ومعادن، وبقايا طعام، ونفايات عامة، ونفايات خطرة. وهكذا يتم استغلال هذه الحاويات في الصناعة بدلًا من تلويث البيئة.
برأيك هل نستطيع الاستفادة من قشر الليمون؟ كنت أتمنى أن أتحدث مع تلك السيدة الراحلة التي ألهمتني هذا المقال، وأقول لها: لماذا كنت تلقين بقشرة الليمون في القمامة؟ حينها سأدهشها بهذه الفوائد.
سأقول لها: هل تعلمين أنه يدعم الصحة، ويساعد على المناعة والهضم لكونه غنيًا بفيتامين C والألياف؟ هل تعلمين أنه يخدم العناية الشخصية لكونه واحدًا من مقشرات البشرة وتفتيح الأظافر؟ هل تعلمين أنه يخدم الزراعة حين يضاف للسماد العضوي؟ هل تعلمين أنه مهم لاستخلاص الزيوت العطرية؟ هل تعلمين أنه منظف جيد يزيل الدهون ويلمع الأسطح؟ هل تعلمين أنه يخلص الثلاجة والمنزل من الروائح الكريهة؟ هل تعلمين أنه يستخدم كنكهة طبيعية على الكيك والمخبوزات، كما يضاف في إعداد المخللات؟ فلماذا كنت تلقين بهذه القشور الثمينة؟
أظنها ستلحقني بالعصا، لأني أتندر عليها، ولكني بالفعل أرى أننا نحتاج أن نفكر في تصرفاتنا. لن أقول مرة أخرى نحتاج أن نفكر قبل أن نلقي الأشياء في القمامة. لأن الظاهرة المعروفة أن الرجال يكدسون والنساء تتخلص من كل شيء في أقرب قمامة!