يتابع فيلم "روزيتا" للمخرجين البلجيكيين الشقيقين لوك وجان بيير داردين (1999) مصير فتاة شابة فقيرة تعيش مع والدتها المدمنة في مخيم محاط بسياج على أطراف المدينة، يضم منازل صغيرة متنقلة. ومن خلال مصير بطلة الفيلم، يقدّم المخرجان صورة دقيقة وصادقة لأوضاع العاطلين عن العمل في أوروبا، الذين يعيشون حياة التشرد، وخاصة النساء.
في بداية الفيلم تُفصل الشابة روزيتا من العمل، ولم يكن قد مضى على التحاقها به سوى بضعة أيام، فتصاب بحالة من الغضب الشديد، وتتوسل إلى مديرها أن يُبقيها في وظيفتها، ولكن دون جدوى. ويتكرر هذا الوضع مع روزيتا، فتبقى طوال الفيلم تبحث عن عمل يمكّنها من أن تعيش حياة طبيعية، وأن يكون لها دور في الحياة يمنحها الشعور بالكرامة، بدلاً من أن تكون عبئًا على المجتمع.
ويتابع الفيلم بدقة تفاصيل حياتها المتقلبة، وظروف واقعها الصعب، وعلاقتها بوالدتها المدمنة، وصديقها الذي لا تتردد في الوشاية به لصاحب العمل كي تحصل على وظيفته.
ويبدو المكان الذي تجري فيه أحداث الفيلم وكأنه خارج حدود الحضارة. كما يكرر الفيلم عرض بعض المشاهد في فترات مختلفة، فيما يشبه اللازمة الموسيقية، إمعانًا في التأكيد على رتابة الحياة واستمرار الظروف ذاتها. ومن هذه المشاهد كيفية وصول روزيتا إلى مكان إقامتها، مخترقةً حقلاً ثم عابرةً فتحةً مخفية في السياج تختصر عليها الطريق، لتصل إلى مخبأ جزمتها المطرية العتيقة التي تساعدها على اجتياز الوحل والطريق الوعر. وهناك أيضًا مشهد صيد السمك النهري بواسطة صنارة صنعتها بنفسها، مكوّنة من سلك وزجاجة بلا قاع، ودودٍ تنبشه من الأرض الموحلة.
لكن هذا التكرار، وغيره من العناصر المتكررة في الفيلم، لا يثير الملل، بل يبقى المتفرج متحفزًا لمتابعة ما يراه بسبب الإيقاع المتوتر للحركة المتواصلة، والأسلوب الإخراجي الذي لجأ إليه مخرجا الفيلم، واعتمدا فيه كليًا على الكاميرا المحمولة غير الثابتة، التي تتحرك باستمرار مع بطلة الفيلم، عاكسةً حركتها الخاصة، وكأن الكاميرا قد توحدت مع الشخصية.
ويتميز هذا الأسلوب في استخدام الكاميرا المحمولة طوال الوقت بقدر كبير من الصعوبة والجرأة الإبداعية، وهو أمر نادر في السينما العالمية؛ إذ تُستخدم الكاميرا المحمولة عادةً في لحظات محددة ولأهداف معينة، منها التعبير عن وجهة نظر الشخصية المصوّرة في رؤيتها للحدث، أو الوصول إلى صورة تسجيلية ذات بعد وثائقي، إضافة إلى الاستفادة من الإيقاع الحيوي الذي تنتجه حركة الكاميرا المحمولة.
يقوم فيلم "روزيتا" أساسًا على تتبع شخصية مركزية واحدة تدور حولها بقية الشخصيات، وهي شخصيات قليلة في جميع الأحوال.
وينتمي الفيلم إلى تيار مدرسة الدوغما التي سعت إلى تأسيس سينما واقعية بعيدة كليًا عن المواصفات التي كرّستها السينما الهوليوودية، وهي سينما لا تعتمد على تقنيات المؤثرات البصرية أو السمعية، ولا على تأثير الموسيقى التصويرية.
حاز الفيلم على ثماني جوائز دولية، من بينها السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1999، وجائزة أفضل ممثلة من المهرجان نفسه، إضافة إلى جائزة مهرجان شيكاغو السينمائي وعدد من الجوائز الأخرى.