قصة مؤسّسة عبد الحميد شومان
حين تصبح المعرفة فعلًا يوميًا، والثقافة حقًا عامًا
لم تنطلق مؤسسة عبد الحميد شومان بوصفها مبنى أو برنامجًا، إنما انطلقت كفكرة.
فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ معًا: أن الاستثمار في الإنسان، في عقله وقدرته على التفكير والإبداع، هو الطريق الأكثر رسوخًا للتنمية والازدهار.
اليوم، وبعد ما يقارب خمسة عقود، تقف مؤسسة عبد الحميد شومان كمنظومة وطنية وعربية متكاملة للمعرفة والثقافة والتعلّم والإبداع؛ منصة مفتوحة تجمع البحث العلمي، والقراءة، والفنون، والحوار، وتربطها جميعًا برؤية واحدة: الثقافة حق للجميع.
لم تعد شومان مؤسسة برامج منفصلة، بل نظامًا حيًا يعمل على تشكيل الوعي، وإتاحة المعرفة، وبناء رأس المال الفكري، وصناعة مساحات آمنة للحوار الحر والتفكير النقدي. ومن خلال هذا الدور، أصبحت لاعبًا فاعلًا في التنمية الثقافية والعلمية في الأردن وفلسطين والوطن العربي، وحضورًا عربيًا معتبرًا في مشهد المعرفة.
لماذا تأسسنا؟
حين كان السؤال: كيف نبني نهضة حقيقية؟
في سبعينيات القرن الماضي، كانت المنطقة العربية تواجه تحديات تنموية عميقة، وكان واضحًا أن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يستدام دون نهضة علمية وثقافية موازية. من هذا الوعي، ومن إيمان البنك العربي بأن العلم والفكر هما المحرك الأساسي للازدهار الاقتصادي والاجتماعي، ولدت فكرة المؤسسة.
بدأت الرحلة من البحث العلمي؛ لأن المعرفة العلمية كانت – وما تزال – حجر الأساس لأي تقدم. وفي عام 1982، أُطلقت جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب، كأول جائزة عربية مرموقة تحتفي بالعقل العربي، وتعيد الاعتبار للعلماء والباحثين بوصفهم صُنّاع المستقبل.
لكن الحاجة كانت أوسع من جائزة، وأعمق من تكريم. الحاجة كانت إلى منظومة معرفة متكاملة تعالج فجوات الوصول، وتكسر مركزية الثقافة، وتفتح أبواب التعلّم أمام الجميع، أطفالًا وشبابًا وباحثين ومبدعين، في العاصمة والمحافظات، في المركز والأطراف.
كيف نمونا؟
من مبادرات نوعية إلى مؤسسة على مستوى منظومة
على مدى السنوات، تطورت مؤسسة عبد الحميد شومان استجابةً مباشرة لتحولات المجتمع وأسئلته المتجددة. فإلى جانب دورها في دعم البحث العلمي، أطلقت أول مكتبة عامة محوسبة في الأردن، لتتجاوز لاحقًا مفهوم المكتبة التقليدية وتصبح مساحة يومية مفتوحة يلتقي فيها الطلبة والباحثون والأسر، ويغدو الكتاب جزءًا من الحياة العامة لا نشاطًا معزولًا.
ومع اتساع الرؤية، لم يعد الوصول إلى المعرفة محصورًا بفئة عمرية محددة؛ بل بدأ منذ الطفولة عبر مكتبات الأطفال واليافعين ومختبرات الابتكار، حيث تُقدَّم المعرفة بوصفها ممارسة وتجربة، لا محتوى جاهزًا للتلقي. وبالتوازي، تطورت البرامج الثقافية لتشكّل شبكة متكاملة: منتدى للحوار، سينما تطرح أسئلة الواقع، موسيقى تفتح أفق التعدد، ومنح ثقافية تعيد توجيه الفعل الثقافي إلى فضائه الطبيعي في المجتمع.
هكذا تشكلت ملامح نموذج شومان
نموذج يقوم على التكامل، والتشاركية، والعمل مع المجتمع المحلي، ويؤمن بأن التغيير الحقيقي لا يحدث من الأعلى فقط، بل من الداخل، ومن الناس أنفسهم.
ما التغيير الذي أحدثناه؟ ولماذا هو مهم؟
على المستوى المحلي، أسهمت المؤسسة في ترسيخ القراءة كعادة مجتمعية، وفي دعم البحث العلمي كأولوية وطنية، وفي تمكين العاملين في القطاع الثقافي، وخلق مساحات مستدامة للحوار والمشاركة العامة.
وعلى المستوى العربي، أصبحت شومان منصة عابرة للحدود، تحتفي بالباحثين والمبدعين العرب، وتدعم إنتاج المحتوى العربي، وتعيد الاعتبار للثقافة بوصفها قوة ناعمة فاعلة.
أما الأثر الأعمق، فكان في بناء قاعدة واسعة من الباحثين والمفكرين والمبدعين، وفي تعزيز التماسك الاجتماعي عبر مساحات معرفية وتفاعلية مشتركة، وفي إيصال الثقافة إلى المناطق المهمشة عبر التوسع في إنشاء مكتبات خارج العاصمة عمّان، ليس كحدث عابر، إنما كحق ثابت.
تأثيرنا بالأرقام… حين تتحول القصة إلى دليل
لم يكن هذا الأثر رمزيًا فقط، بل ملموسًا: ملايين المستفيدين من البرامج والمساحات الثقافية، مئات الآلاف من زوار المكتبات سنويًا، مئات الآلاف من الأطفال الذين تعلّموا القراءة والاكتشاف، ومئات الباحثين والفنانين الذين حصلوا على دعم ومنصات للظهور، وانتشار جغرافي شمل معظم محافظات الأردن عبر الفروع والبرامج المتنقلة، وفلسطين عبر الدعم والشراكات، والوطن العربي. هذه الأرقام لا تختصر القصة، لكنها تؤكد أن ما بدأ كمبادرة، أصبح تأثيرًا مجتمعيًا على مستوى البنية والوعي والممارسة.
إلى أين نتجه؟
المستقبل الذي نعمل على تشكيله
تدرك مؤسسة عبد الحميد شومان أن العالم يتغير، وأن المعرفة اليوم رقمية، سريعة، ومتداخلة مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لذلك، تتجه المؤسسة إلى تعميق التحول الرقمي، ودعم إنتاج محتوى عربي نوعي، وتعزيز حضورها كممثل أردني وعربي في المشهد الثقافي الإقليمي والدولي —ليس بوصف التكنولوجيا بديلًا عن الإنسان، إنما أداة توسع قدرته على الوصول والمعرفة.
وفي الوقت نفسه، تسعى إلى التأثير في السياسات الثقافية والعلمية، وتعميق الشراكات الوطنية، وبناء مجتمعات عربية أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الإنتاج الثقافي والعلمي عالميًا.
قصة مستمرة… ليست في فصلها الأخير
قصة مؤسسة عبد الحميد شومان أكثر من قصة مؤسسة، هي قصة إيمان طويل بأن الثقافة ليست ترفًا، وأن المعرفة ليست امتيازًا، وأن الإنسان هو الاستثمار الأهم.
لم تبنِ شومان مجدها بعدد البرامج، بل بقدرتها على تغيير حياة الأفراد، وإضاءة العقول، وبناء مساحات أمل.
ومع اقترابها من عامها الخمسين، لا تنظر المؤسسة إلى الماضي باعتباره إنجازًا مكتملًا، بل إلى المستقبل باعتباره مسؤولية مستمرة.
هكذا تستمر القصة…
قصة مؤسسة آمنت بأن الطريق إلى الغد يبدأ بفكرة، ويستمر بمعرفة، ويزدهر حين تصبح الثقافة حقًا للجميع.