صور المخرج يوسف شاهين أحداث فيلمه المعنون "باب الحديد" الذي انجزه العام 1958، وسط زحام العابرين داخل محطة سكة الحديد في قلب ضجيج الحياة اليومية بالقاهرة، طارحا من خلاله جملة من الاحوال والهموم الاجتماعية والفردية، الى ان ينتقل الى موضوع الصراع بين الحمالين وعمال المحطة واستغلالهم من قبل اصحاب العمل.
في الفيلم يسرد شاهين قصة احد باعة الصحف (قناوي) في محطة سكة الحديد، وهو انسان بسيط يعاني حالة نفسية صعبة القابع في عزلة وحالة حرمان، فضلا عما يعانيه من اعاقة في ساقه، يتطلع الى اقامة علاقة عاطفية مع بائعة الكازوز الفتاة الجميلة (هنومة)، لكنها لا تبادله الحب بقدر ما تشفق عليه، فهي ذات شخصية مثيرة ومتمردة لكنها ترى في شخصية العامل (أبو سريع) فتى أحلامها، كما احاط المخرج فيلم "باب الحديد" بالكثير من الشخصيات المتنوعة والموضوعات والمواقف الصعبة التي تصل الى ذروة القسوة، مثلما حاكي مسألة الحب والزواج ومحاولات الانعتاق من أزمات الكبت العاطفي والحرمان والمعاناة النفسية والرغبات المستحيلة واثرها على حياة الافراد في المجتمع.
يستخدم يوسف شاهين في بداية الفيلم صوت الراوي لتسليط الضوء على شخصيات الفيلم، في مسعى لتمكين المشاهد من التعرف على حكاية الفيلم الرئيسية، وذلك عندما يكشف عن طبيعة حالة (قناوي) النفسية والعاجز وهو داخل غرفته المتواضعة التي تحتشد جدرانها بصور فتيات مجلات الاثارة، لتتالى الاحداث في تركيز على شخصية (ابو سريع) الذي يخطط للزواج من (هنومة)، لكنه يظل مسكونا بأحوال الكثير من عمال المحطة ومعاناتهم اليومية ويقوم بحثهم على تشكيل نقابة لهم.
اكثر ما يتبدى في فيلم "باب الحديد"، الذي جرى تكريسه كواحد من ابرز كلاسيكيات السينما العربية، براعة المخرج يوسف شاهين في التقاط تلك التفاصيل البسيطة لعالم البسطاء والمهمشين وحياكتها في قالب من الدراما المشرعة على احلام وآمال رغم قسوة الواقع، فهو على سبيل المثال لم يكتفي بالوقوف وراء الكاميرا كمخرج، بل جسد دور (قناوي) على نحو بديع ومؤثر شديد الاعتناء بتفاصيل الشخصية الجسدية والنفسية، وبالتالي نجح في وضع نفسه كند قوي امام علامات الاداء الرفيع في الفيلم مثال: فريد شوقي في دور (ابو سريع) وهند رستم في دور (هنومة) وحسن البارودي موزع الصحف داخل المحطة سكة الحديد.
دارت احداث فيلم "باب الحديد" الذي شكل علامة فارقة ومميزة في مسيرة شاهين السينمائية، ففيه جهد تقني متقدم ومحبوك قي كل العناصر من السيناريو الذي كتبه عبدالحي اديب الى الاخراج الى التصوير والمونتاج كركيزة اساسية في عمل يتكئ على الايقاع والتدفق داخل فترة زمنية محددة وقصيرة هي يوم واحد، جالت فيها الكاميرا داخل فضاءات رحبة الى جوار أماكن مغلقة ومساحات ضيقة، جميعها مشرعة على ميادين وباحات ومخازن وأكشاك وخطوط سكك الحديد وعجقة عربات القطارات، وما تنطوي عليه من حراك لأفراد وجماعات من الناس العاديين العابرين، وهم في لحظات القدوم والمغادرة، وجرى تقديم تلك الوقائع بشكل سينمائي راق متقن الصنعة فريد باشتغاله من ناحية السيناريو او الاخراج في توظيفه الجريء لمفردات اللغة السينمائية المشبعة بالإحساس الجمالي الآتي من دواخل نماذج انسانية تتحرك بصدق وعفوية في واقع يومي صعب.
حضر "باب الحديد" ليكون مقدمة اولى لما ستنطوي عليه اشتغالات شاهين في افلامه اللاحقة، بمعنى ان كل فيلم جديد ليوسف شاهين بات لا يخلو من تعبير عن عالمه الخاص الذي قدمه في فيلم "باب الحديد"، وهو الذي اتسم بشحنات فكرته الجريئة والقوية المليئة بالتناقضات والتوترات النفسية والعاطفية والفكرية، ومقاربته لعالم المهمشين من واقع مشكلات انسانية حقيقية، والذي خلص الى مغامرة جريئة بلا جدال وقدرة في التحليق والتمرد على قوالب السينما المصرية السائدة.