يواجه الإنسان في عصرنا هذا زخمًا هائلاً من الضغوط العملية والاجتماعية، وفي خضم التعامل مع هذه الضغوط يفقد القدرة على فهم ذاته، وينقطع جسر التواصل بينه وبين نفسه؛ مما يتركه هائمًا ضائعًا. يفقد المرء حينها أي اهتمام بالحياة أو حماس تجاه هواياته أو الأشياء التي يجب فعلها، ليغرق فجأة في حالة يأس تُشعره بأن الحياة بلا معنى، ثم يفقد الشعور بالألفة مع ذاته كأنه لا يعرفها. يُشير الشعور بالضياع وانعدام الاستقرار إلى حالة عاطفية معقدة تشبه إلى حد ما الاكتئاب حيث يعاني الشخص الغارق في دوامة عدم اليقين من مجموعة مشاعر مختلفة تتضمن الحزن والقلق والإحباط. حين يغرق المرء في حالة الضياع، ينفصل عن واقعه، ويُشكك في هدف الحياة والمعنى وراء كل ما يحدث وكل ما يفعل، كما يشعر وكأن حياته تسير وحدها دون توّجه، بينما يشاهدها من مكان ما. إن كنت تشعر بالضياع، لا تقلق فالجميع يشعر بالضياع من وقت لآخر، فهذه حالة عاطفية طبيعية تشير إلى حاجة ملّحة لإحداث التغيير أو فرصة للنمو والتغيير.
يُترجم العقل البشري الشعور بالضياع وعدم الاستقرار على هيئة علامات مختلفة؛ فقد يبكي المرء دون معرفة السبب، ويواجه تقلبات مزاجية مستمرة، ويميل إلى الانسحاب من التواجد مع الآخرين ويفقد الاهتمام بالهوايات أو الأمور التي تعزز المشاعر الإيجابية، كما تنعدم قدرته على اتخاذ القرارات، ويشعر بالإرهاق من أبسط المهام أو الخيارات، وينزعج من الآخرين بشكل مفرط مع شعوره بالإحباط من الذات. تنطوي هذه الحالة أيضًا على انعدام التطلّع للمستقبل والاستسلام بسهولة لتأثير الآخرين وفقدان اليقين حيال الرغبة في فعل أمر ما من عدمها وجهل بالأسباب وراء الأفعال؛ هل يفعل الشيء لرغبة في فعله أم لاعتقاد وجوب فعله.
يغرق المرء بالضياع وعدم الاستقرار لأسباب عديدة، أهمها الانجراف مع مجريات الحياة والانشغال بمسؤوليات العمل والحياة الاجتماعية دون وجود هواية، والغرق في مشتتات الحياة ومواقع التواصل الاجتماعي التي ترسم صورة مثالية لحياة الآخرين، كما أن غياب الشبكات الاجتماعية الداعمة؛ ومن ثم الانغماس بالعمل فقط دون وجود أصدقاء مقربين أو وجود صداقات وعلاقات اجتماعية مستنزفة يمنع التواصل مع الذات.
أحد العوامل الهامة التي تؤدي إلى الضياع تراكم المشاعر والأفكار والعواطف المكبوتة دون وجود مخرج حيث يساهم الإحساس بالمشاعر، سواء كانت إيجابية أو سلبية، في إبقاء الذات والذهن حاضرين، ويتسبب قمع المشاعر ورفضها بالضياع والانفصال عن النفس. يُضاف إلى ذلك الافتقار إلى الأهداف الشخصية؛ مما يجعل الحياة دائرة لا نهاية لها دون طموحات واضحة، ويترك فراغًا يُعظّم الشعور بالضياع، وعدم فهم الذات بعمق بما يشمل الأهداف والرغبات والقيم والمعنى، وصراع الهوية واحترام الذات؛ مما يؤدي إلى الارتباك وعدم تحديد التوّجه والافتقار إلى الشعور بالاستقرار.
قد ينبع الشعور بالضياع أيضًا من التغيرات الضخمة مثل الانتقال إلى مكان جديد أو بدء وظيفة جديدة، أو مما يتسبب بمواجهة تحد للهوية والشعور بالانتماء، أو الصدمات والانتكاسات الحياتية مثل فقدان وظيفة ما أو تشخيص حالة صحية خطيرة أو فقدان أحد الأحباء أو فقدان علاقة مهمة؛ مما يتسبب بالصدمة والحزن والغضب، خاصةً إن كان للشخص المفقود دور هائل في أحد جوانب الحياة أو الهوايات. أضف لذلك الاضطرابات في الروتين حيث يؤدي غيابه إلى اضطرابات في الاستقرار والشعور بالتيه والمكافحة لإيجاد نقطة استقرار، والحاجة إلى اتخاذ قرارات مصيرية تُغيّر الحياة؛ مما يساهم في تعاظم الشعور بالإرهاق من التفكير والمشاعر المصاحبة كالخوف والترّقب وانعدام اليقين حيال ما يجب عليك فعله.
تؤدي هذه الأسباب والعوامل في تعطيل مسار الحياة والشعور بالغضب والحزن؛ ومن ثم الضياع وانعدام الاستقرار. للتعامل مع هذه الحالة، يمكن اتباع خمس خطوات من شأنها تحقيق الاستقرار وإحداث التغيير.
أولاً: تقبُل الحالة ومحاولة تفسيرها
حين يعترف المرء بمشاعر الضياع وعدم الاستقرار، يتمكن من التعامل معها. أبدأ بعزلة لمدة وجيزة تلتقي فيها بنفسك وذكّرها بأن شعورك بالحزن أو الإحباط أو العجز أمر طبيعي فهذه عواقب اعتيادية حين يتغير مسار حياتك فجأة في اتجاه لم تكن تسعى إليه. استخدم الكتابة لإعادة هيكلة مسارك وحياتك ومشاعرك، لا تتردد في الكتابة عن مشاعرك، وأسبابها وأحاسيسك الجسدية وأفكارك، دوّن كل شيء على الورق دون تفكير. ابحث بعد ذلك عن الأسباب والأمور التي تتسبب لك بالضيق والشعور بعدم الاستقرار، وذلك من خلال الاستماع لذاتك ومُحاورتها؛ اسأل نفسك ماذا يحدث لي ومما أعاني؟ ولماذا أشعر بهذه الطريقة. قيّم احتياجاتك وكيفية تلبيتها خلال اختياراتك وبيئتك.
ثانياً: اطرح أسئلة ذكية لتجد طريقك للخروج من الشعور بالضياع.
يرتكب الإنسان أحيانًا خطأ فادحاً بالاعتقاد بأنه يفهم كل شيء، أو يعرف الأشياء على وجه اليقين. عدم التساؤل حول الأشياء وعدم طرح الأسئلة يجعل المرء يعتقد جهلاً بأنه نجح في فهم ذاته، وكل ما يدور حوله. إذا لم تكن حياتك كما تريدها، لا بد أنك لا تستطيع الوصول إلى المعلومات الصحيحة؛ لذا ابحث عنها واطرح الأسئلة واسأل نفسك:
- لماذا تبدو حياتي هكذا؟ لماذا أنا ضائع؟ ماذا حدث لي؟
- ما الأخطاء التي ارتكبتها في الماضي أدت إلى الضياع في اللحظة الحالية؟
- هل أعاني أنماط التخريب الذاتي؟
- ماذا فعل الآخرين حين شعروا بالضياع لتغيير حياتهم؟
- ما سبب وجودي في هذا الوضع؟ هل أتجول وأسير في الحياة بلا هدف؟
تؤدي الأسئلة الرائعة إلى إجابات رائعة؛ حاول طرح أسئلة حول الطريقة التي تسير بها حياتك الآن وما الذي يجب فعله لتحسينها، وستساهم إجابات هذه الأسئلة في إرشادك إلى مستقبل أفضل. اسأل الأشخاص الذين يعيشون نمط حياة مشابه لنمط الحياة التي تريد أن تعيشها عن كيفية وصولهم إلى ما هم عليه الآن. لن تقع الحياة العظيمة بين يديك فجأة، بل عليك أن تسعى للحصول عليها.
ثالثاً: فهم الذات والتعاطف معها
ينشأ الشعور بالضياع في الحياة نتيجة عدم السعي الجدّي نحو معرفة نفسك؛ إن ما تشعر به الآن ليس أنت، أنت لستَ كذلك، إن ذاتك الحقيقية مدفونة تحت كومة ضخمة من المبررات والقوانين المجتمعية والمعتقدات الخاطئة والتحيزات النفسية وغيرها من الهراء الذي أقنعت نفسك بأنه ضروري للحفاظ على هويتك. حين تنجح بإزالة كل هذا الهراء، ستجد نفسك الفعلية الحقيقية. ستتوقف عن الشعور بالضياع في اللحظة التي تتخلى فيها عن التظاهر بأنك تعرف كيف تتصرف بالطريقة التي تعتقد أن الآخرين يريدونك أن تتبعها لتحصل على موافقتهم ودعمهم. إذا أزلت حكم الآخرين من عقلك، ستتوقف عن الشعور بالضياع.
يشير الوعي الذاتي في هذا السياق إلى فهم الطريقة التي ترغب حقًا أن تتصرف بها والطريقة التي تتصرف بها فعليًا كما يريد الآخرين. إن للوعي الذاتي أهمية بالغة لعيش حياة جيدة؛ بينما يستحيل إيجاد مستوى مثالي من الوعي الذاتي، يمكن تحقيق درجة معينة منه، وهذا يستحق المحاولة قدر الإمكان. فكّر فيما تريد أن تفعل بحياتك - وليس ما يريد والديك أو أصدقاءك أو المجتمع منك أن تفعله. ادرس نفسك واكتشف ما أنت جيد فيه واستمر في تطوير نقاط قوتك. حين تعرف نفسك وتوجهك، وتريد ما تريد، لا أحد سيستطيع أن يوقفك.
حاول أن تكون لطيفًا مع نفسك كما تكون لطيفاً مع الآخرين واستخدم عبارات التعاطف لنفسك، "يمكنني التعامل مع هذا"، أو "لقد عملتُ بجدّ، يمكنني أخذ استراحة". ذكّر نفسك بأنه على الرغم من شعورك بأن ظروفك خارجة عن سيطرتك، فلا يزال بإمكانك التحكم في كيفية رد فعلك تجاهها. يمكنك الاستعانة بتمارين التواصل مع الذات والتنفس العميق والتأمل واليوجا.
رابعًا: التفكّر في قيمك وإحداث التغيير
اطرح الأسئلة على نفسك:
- ما الذي يهمك؟ ما المهم؟ ما هدفك؟
- ما ترتيب التوّجهات والقيم التي اتبّعها في حياتي؟
- من الأشخاص الذين أود الإبقاء عليهم في حياتي؟
- ركز على أولوياتك: ركز وقتك وطاقتك على أولوياتك وتجنب المشتتات الخارجية.
لا تجلس مكانك، وتنتظر حتى تتوقف عن الشعور بالضياع. كافح للخروج من هذه الحالة، لا يمكنك التفكير فقط في طريقك إلى النجاح، بل عليك أن تفعل شيئًا. حاول تحفيز نفسك وإجبارها أحياناً على فعل الأشياء، بمجرد أن تصبح فاعلاً، فإن الزخم الذي تتمتع به سوف يقود جهودك ومسيرك طوال الحياة، وستشعر حينها بالتحفيز تلقائيًا. بالطبع، لن تصل إلى هذه الحالة أبدا حتى تبدأ؛ لذا ابدأ.
ابحث عن فرص النمو وفكر في مجالات حياتك التي ترغب في تغييرها وكيف يمكنك تغيير الأمور للأفضل، فبالرغم من أن الشعور بالضياع غير مريح، إلا أنه يعتبر فرصة للنمو الشخصي أو المهني أو العاطفي. ابتعد عن العلاقات غير الصحية، وتلك التي تستنزفك وركز على العلاقات الصحية الداعمة. حاول بناء نظام دعم وشبكة من الأشخاص الداعمين والمتشابهين في التفكير عبر تعزيز الهوايات والاشتراك بالنوادي أو المنصات عبر الإنترنت أو مجموعات الدعم. ابق على اتصال معهم بانتظام وكن جزءًا نشطًا من مجتمعك.
خامسًا: بدء روتين ثابت
حاول بجدّ الاهتمام بذاتك، واجعل رعاية الذات أولوية. عندما نشعر بالضياع في كثير من الأحيان نهمل صحتنا وأنفسنا لنغرق في دوامة من الإهمال الذاتي. تأكد من حصولك على قسط كافٍ من النوم وتناول الطعام الصحي وماري الرياضة وحدد وقتاً مستقطع من حياتك اليومية للاسترخاء. يمكن أن تساعدك ممارسة ممارسات مثل التأمل على الاسترخاء والتركيز بشكل أفضل.
استخدم عبارات الدعم الإيجابية من خلال ترديدها بصوت عالٍ حيث يمكن أن تساعدك العبارات الذاتية الإيجابية على تعزيز ثقتك بنفسك وزيادة شعورك بقيمتك الذاتية. تدرب على قولها بصوت عالٍ لنفسك كل يوم. حافظ على روتين يومي صحي يتضمن الكثير من التمارين الرياضية والنوم الكافي واتباع نظام غذائي متوازن. يمكن أن يساعدك الروتين الصحي على الشعور بمزيد من الاستقرار والتحكم.
حدد أهدافًا صغيرة قابلة للتحقيق فتحديد الأهداف يمنح المرء شيئًا يسعى لتحقيقه. حين تشعر بالإرهاق، فإن تحديد أهداف صغيرة يمكن أن يساعدك على اتخاذ خطوات نحو تطلعات أكبر. إن تحقيق هذه الأهداف يمكن أن يبني الثقة والشعور بالتقدم.
ابحث عن شيء تجيده وتصبح بارعًا فيه. حين تجد شيئًا تجيده وتعمل على أن تصبح بارعًا فيه، ستشعر بالشغف تجاهه. البشر متهيئون للنمو والإنجاز. لذا إليك ما يجب عليك فعله عندما تشعر بالضياع. قم بعمل جرد لنقاط قوتك وضعفك. إذا فعلت ذلك بدقة، فسيكون لديك العديد من الخيارات للاختيار من بينها. يمكنك بإجابة مختصرة عن سؤال بسيط أن تصل إلى الحقيقة: إذا كنت تشعر بالضياع، ما الأمر الذي لطالما اعتقد أنه سيكون رائعًا للقيام به؟" هذه هي الإجابة.
في آخر المطاف، إن شعورك بالضياع لا يعني ضياعك فعلاً، بل يشير إلى أنك لا تريد أن تتقبل نفسك كما أنت حقًا. لا بد أنك تمتلك القدرات التي تُمكنك من امتلاك المهارات للتوقف عن الشعور بالضياع في الحياة. لست بحاجة إلى السفر حول العالم لتصبح مغامرًا، ولست بحاجة إلى جني الملايين، ولا تحتاج بالتأكيد إلى أن تصبح مشهورًا، أنت بحاجة إلى إتقان مهارة تساعد فيها نفسك.
علينا أن نُدرك أن الكون لا يقوم علينا. مقارنة بحجم الكون، ما مدى ضخامة مشاكلنا؟ إن حياتنا مجرد ومضة على رادار الزمن، فلماذا لا نقضيها في تحقيق أحلامنا؟ ولماذا نقضيها في القلق، في حين أن الأمر لا يهم حقًا على أي حال؟ نشعر بالضياع في الحياة؛ لأننا منشغلون بأمور تافهة، بينما نطفو في كون ضخم. نجلس هنا قلقين من التعرض للرفض أو الشعور بالحرج، بينما في مكان ما في الكون تأكل المجرات بعضها البعض. ما الذي يقلقنا كثيرًا؟ لا أعرف. نحن نعيش فوق كوكب ذرة من الغبار مقارنةً بالكون بأكمله. ما نفعله أثناء وجودنا هنا لا يهم في المخطط العام للحياة، وإدراك هذا الأمر قد يحررنا من الضغوط التي تفرضها الحياة علينا. لذا لنتوقف عن القلق بشأن الشعور بالضياع، فقط لنعيش حياتنا.
-المصادر