ينام المرء ثلث عمره تقريبًا، ويعيش داخل رأسه ثلثًا آخر. فإذا كان النوم فسحة قصيرة للموت، فهل تعتبر تخيلّاتنا جزءًا من الحياة، أم أنها مجرد صورة واعية للنوم، ومن ثم شكل آخر من أشكال الموت.
يقول كولن ويلسون "الخيال الجيد لا يستخدم للهروب من الواقع، و إنما لخلقه"، لكن ماذا عن الخيال السيء، أيعتبر على عكس الخيال الجيد وسيلة للهرب؟ وماذا سيحدث لو أنه خلق واقعًا؟
حين تشاهد فيلم المخرج الإسباني لويس بونويل Belle de Jour (جميلة النهار)، الصادر عام 1967، ستظن أن إجابة هذا السؤال باتت قريبة منك، لكن حين تمد يدك لالتقاطها، يتلاشى الحد الفاصل بين اليقظة والخيال، وتتوه بين احتمالين، هل أنا أشاهد فيلمًا فرنسيًا، أم أنني أتخيل ذلك!
يتناول الفيلم قصة سيفيرين (كاثرين دينيف)، الزوجة الأرستقراطية لطبيب باريسي، يعيشان معًا في شقة أنيقة، وينامان في سريرين منفصلين في دلالة واضحة لحياتها الجنسية الباردة معه، فهي تصده باستمرار، ومن ثم تعتذر وتؤكد له حبها العميق.
على خلاف واقعها، تعيش سيفيرين تخيلات جنسية سادية، ففي مشهد الفيلم الافتتاحي نراها مع زوجها داخل عربة تجرها الخيول. يشتكي الزوج من برودها، فتعتذر له ببرود، يثير رد فعلها غضبه، فنراه يستعين بسائقي العربة لإخراجها عنوة، ومن ثم تجريدها من ملابسها، وتكميم فمها وجلدها، وأخيرًا يطلب منهما اغتصابها، وهنا يلاحظ المشاهد تغير تعابير وجهها من الرعب إلى النشوة والاستسلام للذّة الجنسية.
تختلف حياة سيفيرين كليًا عن تخيلاتها، فهي تتحاشى أيضًا محاولات صديق زوجها النزق هوسون (ميشيل بيكولي) في التقرب منها، لكن ومن خلال حديث عارض حول إحدى معارفها التي أصبحت تعمل في بيت دعارة، استيقظت داخل سيفيرين الرغبة في استضافة تخيلاتها إلى أرض الواقع، وبعد أن تحصل على عنوان أحد بيوت الدعارة السرية، تتقدم للعمل هناك كبائعة هوى نهارية، وتطلق عليها القوّادة اسم جميلة النهار.
بينما يعيش المشاهد حالة من اللافهم جراء ما يحدث، يدس بونويل بسلاسة مشاهد فلاش باك بين مشاهد الفيلم، يلاحظ من خلالها أن سيفيرين مرت بطفولة قاسية، تعرضت فيها للإذلال والقمع، بحيث انعكس ذلك على تخيلاتها الجنسية السادية-المازوشية. وكأنها تريد عبر هذه التخيلات المهينة أن تطهر نفسها من ماضيها الدنس.
نتابع رحلة سيفيرين في بيت الدعارة التي تشبه مؤسسة رصينة تقوم على مبدأ أن الجمال لا يكفي، ويجب على بائعات الهوى أن يتحلين بالبشاشة والأدب ولطف المعشر. هناك نشهد عالماً أرستقراطي سفلي، مليونير يقوم بدور مهرج، ويعيش وهم بأنه محبوب، وطبيب معروف يبحث عن نشوة مهينة، وأسيوي يعرض رغباته المثيرة للاشمئزاز.. هنا يطرحنا المخرج أمام سؤال مهم، من يغذي الآخر، الواقع أم الخيال؟
تفاجئ سيفيرين بزيارة هوسون لمكان عملها، وكأنها لم تحصل على عنوان المكان عن طريقه. لكنه هذه المرة لا يتودد لها، ويخبرها إن عفائفها هو ما كان يثيره سابقًا، وعلى إثر هذا الموقت تترك سيفيرين العمل في بيت الدعارة، وتعود إلى تخيلاتها الجنسية السادية، حيث بدأ كل ما حدث وكأنه جزء من تلك التخيلات.
يغرم أحد الزبائن بسيفيرين، رجل عصبات عنيف، ويرفض فكرة أنها اعتزلت مهنة الدعارة، ولم تعد متاحة لإشباع غرائزه، فيزورها في بيتها، وبعد حديث قصير يستنتج أن زوجها هو العقبة التي تقف في طريقهما، فيخرج عازمًا التخلص منه، يتعرض الزوج لإطلاق نار يفقده القدرة على الحركة والرؤية، وينشط فقط في تخيلات سيفيرين، كأن الخيال لم يكتفِ بالهرب من الواقع، بل أخذه معه.
استطاع بونويل من خلال حفلة جنس ميتة لا تثير المشاهد، أن يخلق تجربة سريالية ممتعة وقاسية، أخذتنا في رحلة داخل الإنسان وخارجه.