حين أمسك كتابًا ورقيًا بين يدي، أشعر أنني لا أقرأ فحسب، بل أشارك في طقسٍ مقدّس يشبه صلاة سرّية بيني وبين الورق. رائحة الصفحات القديمة تفتح في داخلي نوافذ للذكريات البعيدة، وكأنها تنبعث من مكتبات طفولتي، من رفوف خشبية مهترئة وأكوام كتب ورثتها عن أبي، أو استعرتها من مكتبة المدرسة. وصوت تقليب الصفحات ليس مجرد حركة آلية، بل موسيقى خاصة، خافتة، تجعلني أستغرق أكثر في النص، كأنها إيقاع يرافق رحلتي مع الكلمات.
أتذكر جيّدًا تلك اللحظات التي كنت أغوص فيها بين دفتي روبنسون كروزو، أتابع مغامراته على الجزيرة البعيدة، وأشعر وكأني أنا أيضًا أعيش على شاطئ مهجور. وأذكر كيف وجدت نفسي غارقًا في عالم الحرب والسلام، لا كقارئ خارجي، بل كواحدٍ من شخصيات تولستوي، أتنقّل بين قصور موسكو وميادين القتال، وكأن الورق فتح لي أبواب عالم موازٍ.
الكتاب الورقي بالنسبة إليّ ليس وعاءً جامدًا للمعرفة، بل كائن حيّ يتشكّل على مقاسي. يحتفظ بأثر أصابعي على حوافه، وببقعة قهوة سقطت في ليلة سهرٍ طويلة، وبخطوط رصاص رسمتها بجانب جملة أحببتها. وكل مرة أعود إلى الكتاب نفسه بعد سنوات، أجد نفسي أقرأ النص مرتين: مرة بعيون جديدة، ومرة أخرى عبر آثار القارئ القديم الذي كنته. كأن الكتاب يجمعني بذاتي الماضية، ويحفظ لي ذاكرة لا يستطيع أي ملف إلكتروني أن يمنحني إياها.
الكتاب الورقي له ملمس خاص لا تمنحه أي شاشة. عندما كنت أقرأ ألف ليلة وليلة في طبعة ورقية قديمة، كنت أشعر أن الأوراق نفسها تسافر بي عبر الزمن، وكأنها تحمل في أليافها أصوات الحكواتيين ودهشة السامعين. أما حين قرأت الغريب لألبير كامو مطبوعةً، فقد بقيت صورة الجملة الأولى "اليوم ماتت أمي" محفورة في ذاكرتي لا؛ لأنها صادمة فقط، بل لأنني أتذكر موضعها بالضبط في الصفحة اليمنى من الكتاب، وكيف علّمت عليها بقلم رصاص. الورق يجعل النصوص تسكن في أماكن محددة من الذاكرة، ترتبط بالحواس كما ترتبط بالمعنى.
لا أنكر أن الكتاب الإلكتروني جعل حياتنا أسهل بكثير. بضغطة زر، أستطيع أن أحمل مكتبة كاملة في حقيبتي: روايات دوستويفسكي الثقيلة، قصائد نزار قباني، ومجلدات التاريخ التي كان يلزمني لحملها ذراعان قويان. أقرأ وأنا في الحافلة، أو في انتظار موعد، وأضع إشارة إلكترونية صغيرة عند آخر صفحة كأنها علامة عابرة على طريق سريع.
لكن، وعلى الرغم من هذه المزايا، يبقى الكتاب الإلكتروني تجربة باردة، كأنه لقاء عابر بلا حرارة. لا رائحة للورق فيه، ولا بصمة لليد على حافته، ولا أثر لليلٍ طويل قضيت فيه متكئًا على وسادتي أتقلب مع الأحداث. حين أُغلق الجهاز، تنطفئ الشاشة فجأة، وتختفي الكتب كأنها لم تكن، كأنني حلمت حلمًا قصيرًا، ثم صحوت منه بلا أثر.
في المقابل، الكتاب الورقي حين أُغلقه لا يختفي، بل يبقى حاضرًا في رفوفي مثل صديق ينتظرني بصبر. أراه كلما مررت أمام المكتبة، فيذكّرني بوعودٍ لم أُكملها بعد، وبصفحات تنتظر أن أعود إليها. الورق يملك قدرة على أن يكون شاهدًا على الوقت: غبار يعلوه إن أهملته، صفحات تصفرّ إن مرّت عليها السنين، وإشارات ورقية صغيرة تُعيدك فورًا إلى اللحظة التي توقفت فيها آخر مرة. لذلك، أشعر دائمًا أن الكتاب الورقي يمدّ خيطًا خفيًا بيني وبينه، بينما يذوب الكتاب الإلكتروني مع انطفاء بطارية أو تحديث جهاز.
وعندما نسأل أنفسنا أيهما يبقى أطول، الجواب بالنسبة إليّ محسوم. ما زلت أتذكر الصفحات الأولى من رواية الأيام لطه حسين، وكيف كان الورق الأصفر يشيخ معي وأنا أقرأ صباه. بينما لا أذكر تفاصيل رواية إلكترونية أنهيتها قبل أشهر قليلة. يبدو أن الورق يحفر في الروح بعمق أكبر، لأنه يربط النص بالحواس: الرائحة، الملمس، حتى الوزن.
وفي الختام لا أريد أن أظلم الكتاب الإلكتروني، فهو بلا جدال نافذة عظيمة على المعرفة، وقد ساعد ملايين القراء على الوصول إلى الكتب بسهولة. لكنه بالنسبة إليّ سيظل مجرد وسيلة، بينما الورقي هو الوطن. الوطن الذي أعود إليه حين أبحث عن دفء القراءة، عن تلك اللحظة التي أغلق فيها الكتاب، وأضع يدي عليه كأنني أطمئن على قلب صديق.