كان العربيُّ القاطنُ في الصحراءِ يُطرَبُ للشعرِ وموسيقاِه، كالصوفيِّ الهائمِ وهو يُنصِتُ لموسيقى الوجودِ بخشوعٍ وتلهُّفٍ.الصحراءُ بكلِّ قسوتِها، وجفافِها، وصهيلِ خيلِها، ورُغاءِ إبلِها، وتعارُكِ سيوفِها، وأساطيرِ أهلِها، وجلجلةِ الحركةِ فيها، وكلِّ ملابساتِها، كلُّها تَنصهُرُ في بوتقةٍ واحدةٍ هي الشعرُ، فتغدو كلماتُه محاولةً على طريقِ التحقُّق! وسعيًا لحيازةِ الوجودِ، فاللغةُ ليست الحقيقةَ كما يدّعي بعضُ الفلاسفةِ، ولكنها الوجودُ.
قريبٌ من ذاكَ الشعورِ الذي خالَجَ العربيَّ القاطنَ في الصحراءِ وهو يُطرَبُ للشعرِ، خالَجَني أنا ابنَ العصرِ الحديثِ وأنا أقرأُ روايةَ الطريق للروائيِّ الملهمِ نجيب محفوظ.وإذا كان الشعرُ هو فنَّ عصرِ الفطرةِ والأساطيرِ، فإنّ القصةَ هي فنُّ العصرِ الحديثِ، بكلِّ اضطرابِه وتقلباتِه، لتغدو القصةُ كما أطلقَ عليها محفوظُ نفسُه: "شِعرُ الدُّنيا الحديثة".
في جوٍّ من (الكآبةِ الشاملةِ) تنطلِقُ أحداثُ القصةِ، حيثُ يُرافِقُ صابرٌ جنازةَ أُمِّه، تلك الغانيةِ التي رغمَ ماضيها الملوَّثِ كانت تَحفَظُ عليه تعبَ الحياةِ ومشقّتَها، وتمنحُه دلالًا وحمايةً دون أن تُحمِّلَه أيَّ مسؤوليّةٍ تُذكَر. بموتِها يجدُ صابرٌ نفسَه وحيدًا بلا مالٍ ولا عملٍ ولا أهلٍ، ولم يَبقَ له في الحياةِ سوى (أملٍ غريبٍ كالحلمِ)، أن يجدَ أباهُ الذي اكتشفَ أنّه حيٌّ وليس ميتًا كما أوهمَتْه أُمُّه طَوالَ عمرِه. ومن هنا يبدأُ صابرٌ رحلتَه بحثًا عن هذا الأبِ المجهولِ، في محاولةٍ للتمسّكِ بآخرِ خيطٍ يربطُه بالحياةِ، وللهربِ من مصيرٍ مظلمٍ قد يقودُه إلى أن يُصبِحَ قَوّادًا بلطجيًّا، كما حذّرَتْه أُمُّه من ذلك قبل وفاتِها.
يبدأُ رحلتَه من الإسكندريّةِ، ثمّ يتوجّهُ إلى القاهرةِ بعدَ استنفادِ محاولاتِه الممكنةِ في الإسكندريّةِ، وينزلُ في فندقٍ، وهناك يتعرّفُ على كريمةَ، تلك المرأةِ الغاويةِ التي تجرُّه نحوَ الهلاكِ، وتُقنِعُه لاحقًا أن يقتلَ زوجَها طمعًا في الميراثِ.وفي أثناءِ ذلك يتعرّفُ صابرٌ على امرأةٍ أخرى عبرَ إعلانٍ في الجريدةِ، هي إلهام، التي تمثّلُ النقيضَ الأخلاقيَّ لكريمةَ؛ إذ تسعى لانتشالِه من مستقبلِ الضياعِ.
لكن صابرًا ليس له من اسمِه نصيبٌ، فسرعانَ ما يضعُفُ وينقادُ لمساعي كريمةَ الإجراميّةِ، ويرتكبُ جريمةَ قتلٍ لزوجِها الطاعنِ في السّنِّ، ليُلقى بسببِها في السجنِ ينتظرُ حكمَ الإعدامِ، وقد نسيَ تمامًا المهمّةَ التي خرجَ من أجلِها: البحثَ عن الأبِ، البحثَ عن الكرامةِ والحرّيّةِ والسّلامِ.
كما رأينا تقومُ القصةُ على حبكةٍ تقليديّةٍ، بل تكادُ تُعدُّ من البُنى الكلاسيكيّةِ الراسخةِ في الأدبِ الإنسانيِّ، حبكةِ الابنِ الباحثِ عن أبيهِ الغائبِ، وهي ثيمةٌ تعودُ جذورُها إلى النصوصِ الدينيّةِ مثلَ قصةِ سيّدِنا يوسفَ وأبيه يعقوبَ، وإلى النصوصِ الأسطوريّةِ كما في الأوديسا وغيرها، فضلًا عن أنّ الروايةَ تستثمرُ أيضًا ثنائيّةَ الصراعِ بين قطبينِ متضادّينِ، أحدُهما تمثّلُه شخصيّةُ إلهام بكلِّ ما تحمله من دلالةٍ على الطُّهرِ والخلاصِ، والأخرى تجسّدُها كريمة بكلِّ ما تمثّلُه من رمزٍ للغوايةِ والانحدارِ، وهي ثنائيّةٌ مطروحةٌ بكثافةٍ في الأدبِ الكلاسيكيِّ.
فأينَ يكمنُ إبداعُ نجيب محفوظَ الملهمِ في هذه القصةِ؟
تكمنُ الفرادةُ الحقيقيّةُ في طريقةِ محفوظٍ في تشكيلِ بنيةِ القصةِ كأنّها مقطوعاتٌ موسيقيّةٌ لا فصولًا بالمعنى السّرديِّ الجامدِ. فالقصةُ تنبضُ بإيقاعٍ داخليٍّ عنيفٍ، تَصعَدُ فيه الأحاسيسُ وتهبطُ، تتجاذبُها خفقاتُ القلبِ والتماعاتُ الذهنِ، ليتشكّلَ طابعُ القصةِ المضطربُ المموَّهُ، الاضطرابُ بين الواقعيِّ والرّمزيِّ، بين فتنةِ الشهوةِ العارمةِ المجنونةِ، وبين عذوبةِ الإلهامِ وسحرِه العبقِ، بين وضوحِ الرؤيةِ ووضوحِ الطريقِ وبروزِ المعالمِ، وبين التِّيهِ حيثُ لا رؤيةَ ولا طريقَ ولا معالمَ، حيثُ غياهبُ النسيانِ السحيقِ!
قصةٌ لا تمضي على خطٍّ مستقيمٍ، بل تتلوَّى في مساراتٍ تتبعُ هالاتِ الشعورِ وإخفاقاتِه، مستخدمًا الراوي تقنيّاتٍ مختلفةً في السّردِ لتصويرِ ذلك، لتغدو نسيجًا فريدًا تداخلتْ فيه الخطوطُ والمعالمُ. لتغدو مثالًا حيًّا لما أَرنُو إليه، وكأنَّ وجودي أنا ابنَ العصرِ الحديثِ بكلِّ ما فيه من اضطراباتٍ وتحوّلاتٍ وانكساراتٍ وتموّهاتٍ قد انصهرَ في بوتقةِ هذا الفنّانِ، ليسقُطَ الحدودَ بيني وبين كلماتِه، وأراني متجسّدًا فيها في أحايينَ كثيرةٍ!
ورغمَ كلِّ هذا الاضطرابِ والتموّهِ الذي تنسُجُه القصةُ نسجًا، فإنّها تدفعُ القارئَ دَفعًا نحوَ الحياةِ، وتستثيرُ في داخله الإصغاءَ المتلهّفَ لموسيقاها الدفينةِ بين تعقيدِ هذا العصرِ. وأمرٌ أخير لا يمكن المرور على الرواية دون ذكره، وهو محاولةُ نجيب محفوظ الفذّة لتجاوز الواقع. فبالرغم من أنّه بدأ بالرواية الواقعية وبلغ آفاقها كما في الثلاثية، إلا أنّه لم يقف عند هذا الحدّ، بل سعى إلى تخطّي الواقع والتاريخ معًا، فلجأ إلى الرواية الرمزية.
وهذا لا يعني أنّها غير واقعية، بل على العكس، هي أكثر واقعيةً مما يُسمّى بالواقعية، إذ تتجلّى فيها تجربة محفوظ الفلسفية في تجاوز التاريخ، محلِّقًا إلى الآفاق الإنسانية الباحثة عن المطلق. وهذه الرواية مثالٌ على ذلك، وتكمن أهميتها فيما أسمّيه عبقريةَ الفنان في تجاوز العبثِ الدلاليِّ للألفاظ، ومصادرتها أو استحواذها من فئاتٍ مؤدلجة، لتصبح مهمةُ الفنان ترميزيةً، تتخطّى هذا العبث نحو التوليد والإبداع.
فمثلًا، لا يمكنك في هذه الرواية إلا أن تقف أمام رمزية الأب، وما توحيه من صفاتٍ مطلقةٍ توقفك للنظر فيها .