في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، وتتسابق فيه الكلمات على منصّات التواصل الاجتماعي، أصبح النقد والمدح والقدح أحياناً ظاهرة تسيطر على فضاء القراء، وتفرض عليهم الكثير من الأفكار والآراء. غير أنّ هذه الظاهرة كثيرًا ما تُستخدم خارج سياقها، فترى المديح المفرط والنقد والتجريح المبالغ فيه، وتغيب عن كثيرين القاعدة الذهبية في التواصل الإنساني "أن نحكم على الفعل لا على الإنسان، وأن نُقيِّم السلوك لا الأشخاص".
تتفق البحوث النفسية على أنّ الطريقة التي نُقدِّم بها النقد أو المديح تُحدِّد الأثر الذي تتركه في النفس (Baumeister et al., 2001) ، فعندما نقول لشخص: أنت فاشل، نكون قد صغنا حكمًا نهائيًا على شخصيته بأكملها، مغلقين أمامه باب التغيير. ينما إذا قلنا: تقصيرك في هذا الجانب لا يعبّر عن قدراتك الحقيقية، ويمكنك تداركه لاحقًا، فإننا نفتح أمامه نافذةً للأمل. في الحالة الأولى نهدم الدافعية والجدية في العمل، وفي الثانية نبني لديه الرغبة في المحاولة الجادة.
إنّ النقد البنّاء، كما تصفه نظرية الدافعية الذاتية (Deci & Ryan, 2000)، هو ذاك الذي يُشعر الفرد بقدرته على التحسّن، ويُبقي لديه الإحساس بالكفاءة والاحترام. هذه المشاعر لا تُلهم التغيير فحسب، بل تحافظ على سلامة العلاقات الإنسانية، وتُنمّي الثقة المتبادلة، وتشعر الفرد بقيمته كإنسان.
في الميدان التربوي، لا يقلّ خطر المديح المطلق عن النقد القاسي. فالمعلم الذي يصف طالبًا بأنه عبقري دائمًا، قد يزرع فيه خوفًا من الفشل أو شعورًا بالتفوّق الوهمي او الإحساس بالغرور. أما المديح الموجّه للسلوك، فيُعدّ أداةً تربوية فعّالة. فقول المعلم: أعجبتني طريقتك في حلّ السؤال اليوم يعزّز السلوك الإيجابي، ويشجع على تكراره. ويؤكد علم النفس التربوي أن التعزيز المحدّد المرتبط بسلوك محدد، أكثر فاعلية من المديح العام؛ لأنه يربط التقدير بسلوك محدد وليس بهوية الطالب (Bandura, 1986).
في الأسرة أيضًا، لا بد من التفريق بين محاسبة السلوك والحكم على الأبناء. فالوالد الذي يوبّخ ابنه بقوله: أنت مشاغب يزرع فيه صورة سلبية عن ذاته، بينما عندما يقول: تصرفك الآن لم يكن لائقًا، فإنه يوجّه رسالته نحو السلوك الآني مع الحفاظ على الاحترام. فالتربية المتوازنة لا تنشأ من الحب وحده، بل من العدل في الخطاب والإنصاف في التقييم والتمييز بين السلوك والشخص.
يرسّخ القرآن الكريم هذا التمييز، حين يقول الله تعالى "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" المدثر، الآية 38. الآية الكريمة توضح أنّ المسؤولية تقع على الفعل لا على جوهر الإنسان، فالعدل الإلهي لا يختزل الشخص في خطأٍ واحد (فالله غفور رحيم)، وهنالك ميزان إلهي لأعمال الخير مقابل أعمال الشر. هذه القاعدة الدينية والأخلاقية يجب أن تكون أساس تعاملنا مع الآخرين في الحكم والمدح. كما أن التراث الإسلامي زاخر بالنماذج التي تُوازن بين النقد والإحسان، فالنبي ﷺ قال "من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه"، فالنقد هنا واجب، لكنه موجّه إلى الفعل لا إلى الذات، وغايته الإصلاح لا التشهير.
تُظهر دراسات علم النفس العصبي أنّ الدماغ البشري مهيّأ بيولوجيًا للانتباه إلى الأخطار أكثر من المكافآت، وهي ما يعرف بظاهرة التحيّز السلبي (Rozin & Royzman, 2001). ففي العصور الأولى كان هذا الميل للسلبية كوسيلة للبقاء، إذ كان التركيز على الخطر ينقذ الحياة. لكن في عالم اليوم، بات هذا الميل سببًا في التوتر والإجهاد والانتقادات المفرطة.
عندما نركز على السلبيات في الآخرين، أو في أنفسنا، فإننا نُغذي مناطق في الدماغ مسؤولة عن القلق والانفعال، بينما يؤدي التركيز على الجوانب الإيجابية إلى تنشيط مناطق أخرى مسؤولة عن الهدوء والرضا والسعادة، مثل النواة المتكئة والقشرة الجبهية الأمامية (Fredrickson, 2001). ولهذا فإن تدريب العقل البشري على رؤية الإيجابيات والامتنان هو نوع من إعادة برمجة ذهنية ترفع من جودة الحياة (درويش، 2021).
يُعدّ الامتنان حجر الزاوية في علم النفس الإيجابي الحديث (Emmons & McCullough, 2003). فالشكر لله على النعم، والتقدير للآخرين على جهودهم، يرفعان من مستوى السعادة، ويُنشّطان إفراز هرمونات السعادة كالدوبامين والسيروتونين، إضافة إلى هرمون الأوكسيتوسين الذي يُعرف بهرمون "الدفء الاجتماعي". وحينما يصبح الامتنان عادةً يومية، يتراجع النقد القاسي والمدح المبالغ فيه؛ لأن الإنسان يرى الصورة الكاملة، فيتوازن في أحكامه، ويُدرك أن الخطأ جزء من التجربة الإنسانية. في الإدارة الحديثة، لم يعد النقد مجرد أداة للرقابة، بل وسيلة للتطوير، حيث تؤكد دراسات القيادة الفعالة أن القائد الذي يُقدّر إنجازات فريقه علنًا، ويقدّم الملاحظات التصحيحية باحترام، يُضاعف مستوى الالتزام والانتماء (Cameron, 2013). أما المدير الذي يركّز على الأخطاء فحسب، فإنه يُطفئ دافعية الموظفين، ويزرع الخوف بدلاً من الإبداع والإنتاجية العالية للموظف. والقائد الناجح، مثل المربي الحكيم، يعلم أن الإنسان يحتاج إلى من يراه ويقدّره قبل أن يصحّحه. والبيئة التي تقوم على التقدير لا تحتاج إلى رقابة صارمة، لأن العاملين فيها يشعرون بأن نجاح المؤسسة هو نجاحهم الشخصي (العتوم والكوفحي، 2018).
إن النقد والمدح ليسا ضدين متنافرين، بل قوتان متكاملتان إذا وُجِّها بالنية الصادقة والفهم السليم نحو السلوك وليس الشخص. فالنقد بلا رحمة يُنتج الخوف والانغلاق، والمدح بلا حدود يُنتج الغرور والجمود. أمّا التوازن بينهما، فهو ما يجعل المجتمع أكثر نضجًا وعدلاً وإنسانية. إننا بحاجة إلى ثقافة جديدة في الخطاب العام ووسائل التواصل الاجتماعي، نُعيد فيها الاعتبار للكلمة الطيبة بوصفها مسؤولية أخلاقية، لا مجرد تعبير عن الرأي. وحين نوجّه النقد للسلوك لا للشخص، ونمدح الجهد لا الذات، فإننا نبني جسور الثقة والإصلاح، ونزرع في الآخرين شعورًا بالكرامة والدافعية للنمو والتغير الإيجابي.
في النهاية، تبقى الرسالة الجوهرية بسيطة ولكنها عميقة: لنفصل بين الإنسان وسلوكه، وبين الفعل والفاعل، وبين الخطأ والشخص. ولنجعل من النقد وسيلة للبناء، ومن المديح دعوة إلى الاستمرار في الخير، لا منصة لتمجيد الأشخاص وإغراقهم في الغرور أو سلبهم كرامتهم وتجريحهم أمام الآخرين. كما أن رؤية الإيجابيات لا تعني تجاهل الأخطاء وعدم المسألة، بل الموازنة بين النقد والتقدير؛ لأنها مهارة يمكن تعلمها بتدريب العقل على الامتنان، والملاحظة الإيجابية، وتشجيع الذات والآخرين. وقد لا نستطيع أن نغير الظروف من حولنا بساعة أو يوم، لكن نظرتنا إليها بطريقة إيجابية متوازنة قادرة على أن تغيّر شعورنا وسلوكنا الداخلي، فننعم بالسعادة بدل القلق والتوتر. وحين نرى النور في التفاصيل الصغيرة، ونشكر الله على ما نملك، سنكتشف أن الخير موجود أكثر مما نظن، وأن السعادة ليست في غياب النقص، بل في حضور الامتنان، وكما يقال إن المتعة الحقيقة في العطاء لا في المكتسبات.
المراجع:
درويش، سعاد. (2021). علم النفس الإيجابي: مدخل إلى السعادة والرفاه النفسي. القاهرة: دار الفكر العربي.
العتوم، عدنان والكوفحي، قاسم (2018). القيادة والتغيير: الطريق نحو النجاح، دار المسيرة للنشر والطباعة. عمان-الأردن.
Baumeister, R. F., Bratslavsky, E., Finkenauer, C., & Vohs, K. D. (2001). Bad is stronger than good. Review of General Psychology, 5(4), 323–370. https://assets.csom.umn.edu/assets/71516.pdf
Bandura, A. (1986). Social Foundations of Thought and Action: A Social Cognitive Theory. Prentice-Hall. DOI:10.4135/9781446221129.n6.
Cameron, K. S. (2013). Positive Leadership: Strategies for Extraordinary Performance. Berrett-Koehler.
Deci, E. L., & Ryan, R. M. (2000). The “what” and “why” of goal pursuits: Human needs and the self-determination of behavior. Psychological Inquiry, 11(4), 227–268. https://doi.org/10.1207/S15327965PLI1104_01
Emmons, R. A., & McCullough, M. E. (2003). Counting blessings versus burdens: An experimental investigation of gratitude and subjective well-being in daily life. Journal of Personality and Social Psychology, 84(2), 377–389. DOI: 10.1037//0022-3514.84.2.377.
Fredrickson, B. L. (2001). The role of positive emotions in positive psychology: The broaden-and-build theory of positive emotions. American Psychologist, 56(3), 218–226.doi: 10.1037//0003-066x.56.3.218.
Rozin, P., & Royzman, E. B. (2001). Negativity bias, negativity dominance, and contagion. Personality and Social Psychology Review, 5(4), 296–320. https://doi.org/10.1207/S15327957PSPR0504