"كن إيجابيًا"، "الإيجابية"، "التفكير الإيجابي". جميعنا على الأرجح سمع هذه العبارات يومًا ما، فقد باتت جزءًا من الثقافة الشعبية، واحتلت موقعًا مركزيًا في كتب المساعدة الذاتية وما يعرف في عالمنا العربي بكتب "التنمية البشرية". ولا شك أن لمثل هذه العبارات جمالاً وجاذبية، لا سيما في عصر تزداد فيه الضغوط ومسببات التوتر، فتأتي هذه المفردات لتقدم نفسها كوصفة للخلاص من التعاسة وبناء الحياة أكثر هدوءاً وطمأنينة!
دعونا بداية نتفق أن للطريقة التي يفكر بها الفرد أثراً كبيراً في صحته النفسية، بل لا نبالغ إذا قلنا إن طريقة التفكير تمثل العنصر الأهم في الصحة النفسية. ورغم ذلك، فإن الدعوة إلى الإيجابية والتفكير الإيجابي ليست بهذه البساطة، إذ قد تنطوي بعض أشكال الإيجابية على مضامين تقود إلى نتائج عكسية تؤثر سلبًا على الصحة النفسية.
في هذا المقال، نلقي نظرة فاحصة على ما يُعرف أحيانًا بـ "الإيجابية السامة" (Toxic Positivity)، من خلال توضيح سمات هذا النمط من التفكير، والسمات الشائعة لدى الأفراد الذي يتبنونه. كما نستعرض العواقب السلبية المحتملة له، وأخيراً، نقدم بعض التوصيات لبناء الإيجابية الواقعية.
التمييز بين ثلاثة مصطلحات:
حتى نستطيع المُضي في حديثنا حول "الإيجابية السامة" بصورة واضحة، ومنعًا لحدوث الالتباس، يجدر بنا، في هذا السياق، التفريق بين ثلاثة مصطلحات: علم النفس الإيجابي، الإيجابية الواقعية، والإيجابية السامة.
يمثل علم النفس الإيجابي، أحد الحقول النظرية والتطبيقية في علم النفس المعاصر، ويتركز اهتمام هذا الحقل على دراسة موضوعات مثل: الفرح، التفاؤل، الحكمة، الشجاعة، ضبط النفس، ونحو ذلك. ويؤكد رائد علم النفس الإيجابي، مارتن سليجمان، بصورة صريحة، أن هذا الحقل يُعد مكمّلًا لحقول علم النفس التي تدرس الجوانب المرضية أو السلبية، وليس بديلًا عنها(1). وقد نشرت منذ تسعينيات القرن العشرين مئات الأبحاث التي تبحث الجوانب المذكورة في علم النفس الإيجابي.
أما الإيجابية الواقعية، كما يشار إليها في بعض المصادر، فهي الاتجاهات الفردية التي تنطوي على التفاؤل، والسعي لاستثمار نقاط القوة، ونحو ذلك. ولا إشكال في الإيجابية بهذا المعنى، شريطة أن نعي أنها تمثل جانبًا وجزءًا من عملية التفكير والتعامل مع الواقع، وليست كل شيء!
وأما الإيجابية السامة –وهي موضوع تركيزنا في هذا المقال–، فهي نزعة غير واقعية نحو التفاؤل، والحرص على استدامة الحالة الإيجابية على مستوى التفكير والمشاعر بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب قمع "المشاعر السلبية" أو تجنب التفكير الجاد في المشكلات والمخاطر. ونستعرض فيما يلي السمات الأساسية لهذا النمط من التفكير.
سمات الإيجابية السامة:
يمكن تحديد سمات الإيجابية السامة، أو ما يعرف أحياناً بالإيجابية السطحية أو المفرطة أو القسرية (Oppressive Positivity)، في النقاط الآتية:
- هيمنة نزعة تفاؤلية غير واقعية، وتجاهل معطيات الواقع في سبيل الحفاظ عليها.
- الحرص على استدامة المشاعر الإيجابية بصورة شبه دائمة، ما يدفع الفرد إلى تفادي المشاعر المؤلمة (السلبية) بأي وسيلة، حتى وإن كان ذلك عبر قمعها أو إنكارها.
- السعي الدائم للظهور بمظهر الإنسان السعيد و«الإيجابي» في السياق الاجتماعي، فهي الصورة التي يفترض الشخص أنه عليه أن يبدو بها.
- تجنّب مباشر أو غير مباشر للتفكير العميق في المشكلات والعقبات والمخاطر، خشية أن يثير ذلك مشاعر سلبية، وهو ما يسعى الفرد إلى تفاديه.
- الانحياز المفرط للجوانب الإيجابية في الموقف، حتى في الحالات التي تتطلّب النظر إلى جوانب أخرى للتعامل معها.
- لوم الذات على وجود المشاعر السلبية؛ إذ يشعر الشخص بالذنب إذا عبّر عن أفكار أو مشاعر مؤلمة، انطلاقًا من افتراض أنه «لا ينبغي» أن يكون سلبيًا.
- عند التفاعل مع شخص لديه مشكلة ما ومشاعر مؤلمة يعبر عنها، فإن الحرص المفرط على الإيجابية قد تجعل صاحبها يسارع إلى محاولة نقل الطرف المقابل إلى الحالة الإيجابية، بل ربما وجهوا له اللوم بسبب الحالة التي يمرّ بها، وذلك حرصًا منهم على استدامة الإيجابية!
سمات الأشخاص المفرطين في الإيجابية:
من خلال عملي كمعالج نفسي، وعلى مدار السنوات الماضية، قادتني ملاحظاتي الإكلينيكية للتعرف إلى مجموعة من السمات لدى الأشخاص الذين يميلون إلى هذا النوع من الإيجابية. ورغم أنها ملاحظات أولية لا تستند إلى دراسة منهجية، إلا أنها يمكن أن تشكل منطلقًا لبحث علمي منظم مستقبلاً.
يساعدنا التعرف إلى السمات التي تميز الأشخاص ذوي التفكير الإيجابي المفرط في فهمهم فربما تشكل هذه السمات الدوافع التي قادتهم أساسًا لهذا النمط من التفكير، وبالتالي مساعدتهم بصورة أفضل. وفيما يلي أبرز السمات الملحوظة:
- انخفاض القدرة على تحمل الضيق (Low distress tolerance)
- ضعف مهارات التقبل.
- ضعف مهارات حل المشكلات.
- رغبة في النتائج السريعة.
- التمسك برؤية وردية حالمة تجاه الحياة.
- ضعف مهارات إدارة وتنظيم المشاعر.
- صعوبة في تقبل فكرة الألم والإحباط بوصفها جزءًا طبيعيًا من حركة الحياة؛ فرغم معرفة الأشخاص بذلك نظريًا، إلا أن ذلك لا يحظى بمستوى كاف من التقبل لديهم.
- التفكير ضمن ثنائية "تفكير إيجابي/تفكير سلبي"، وعدم الوعي الكافي بوجود نمط ثالث أكثر توازنًا، يتمثل في الإيجابية الواقعية العقلانية.
ومن المحتمل، كما أشرنا، أن تمثّل السمات المذكورة عوامل أساسية تسهم في تبني الأفراد لهذا النمط من التفكير، كمحاولة للتكيف مع الأحداث. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا الشكل من الإيجابية يعزز بدوره تلك الأنماط غير الصحية، ويصبح عائقًا أمام تنمية المهارات اللازمة للتكيّف النفسي السليم.
عواقب محتملة للإيجابية السامة على الصحة النفسية:
يمكن أن تؤدي الإيجابية السامة إلى نتائج عكسية على الصحة النفسية للفرد؛ ولهذا توصف أحيانا بـ "فخ الإيجابية السامة" (The Trap of Toxic Positivity)، وتتمثل أبرز هذه العواقب فيما يلي:
- تشكيل صورة مشوهة عن الواقع: إذ يؤدي الانحياز المستمر للإيجابية والسعي إلى التفاؤل بأي ثمن إلى بناء تصورات غير دقيقة عن الواقع، ما ينعكس لاحقًا على القرارات والاختيارات الشخصية.
- التفريط في الأخذ بالاحتياطات لمواجهة المخاطر المحتملة: وذلك بسبب النظرة التفاؤلية السطحية والمفرطة، وهو ما يقود إلى تعامل يفتقر للحكمة مع الواقع.
- قمع وتجاهل المشاعر المؤلمة أو السلبية: وذلك بدافع الحرص على استدامة المشاعر الإيجابية. ويؤدي هذا القمع بدوره إلى عواقب سلبية على الصحة النفسية. فتراكم المشاعر غير المعالجة (Unprocessed emotions) يعني احتمالية تحولها إلى مشكلات جسدية ونفسية أكثر تعقيداً في حياة الفرد.
- الوقوع في دوامة لوم الذات: وذلك حين يعجز الفرد على الحفاظ على الصورة الإيجابية المتوقعة منه في بعض الأوقات، كما أنه قد يشعر بالحرج من الحديث عن مشكلاته ومعاناته، ويضطر أحياناً إلى تقديم الأعذار إن اضطر لذلك مع الآخرين.
- تعزيز النزعة التجنبية تجاه المشكلات: فالتفكير في الموضوعات الإشكالية، قد يستدعي بطبيعته نوعاً من المشاعر المؤلمة، وللحفاظ على الحالة الإيجابية قد يتجاهل الفرد النظر الكافي في مشكلاته، وبذلك تتحول الإيجابية إلى وسيلة للهروب، ما يؤدي إلى تفاقم المشكلات.
- زيادة احتمالية الشعور بالإحباط: وذلك بسبب النزعة التفاؤلية المفرطة، والتي لا تتسق مع معطيات الواقع، فيكون الاصطدام بالواقع أكثر إيلامًا عندما لا يتوافق مع توقعات الفرد.
- استنزاف الطاقة النفسية: بسبب السعي الدائم للظهور بمظهر الشخص الإيجابي في السياق الاجتماعي، وهو ما يفرض إخفاء المشاعر السلبية، وربما تزييف مشاعر إيجابية سطحية للحفاظ على هذه الصورة.
- النفور من التفكير الإيجابي الواقعي كردة فعل: قد ينتهي المطاف، بعد تراكم التجارب المحبطة، إلى النفور من أي خطاب إيجابي، حتى لو كان واقعياً متوازناً؛ وذلك كردة فعل على الإيجابية المثالية التي تم تعكس الواقع في تجربته الشخصية.
- قد يبدو متجاهلاً لمشاعر الآخرين وغير قادر على التعاطف الصادق معهم: حيث يسارع في حديثه مع الآخرين، وهم يشاركون مشكلاتهم ومعاناتهم، إلى محاولة نقلهم إلى الحالة الإيجابية بصورة متسرّعة، وهو ما قد يبدو للآخرين كمحاولة للتقليل من أهمية ما يعيشونه. وينعكس هذا بدوره على جودة العلاقات الاجتماعية.
نقد رواد علم النفس الحديث للإيجابية السامة:
يصف آبرت آليس(2)، رائد العلاج العقلاني الانفعالي السلوكي (REBT)، هذا النوع من الإيجابية قائلاً: "من عيوب التفكير الإيجابي أنه قد يفقد تأثيره بعد فترة، كما أنه قد يتعارض مع [حقائق] الواقع". ويضيف آليس: "قد ينقلب [هذا التفكير] سلبًا إذا كان الشخص مفرطًا في التفاؤل، مفتقراً إلى الواقعية".
أما آرون بيك(3)، والذي يلقب بـ "أبو العلاج المعرفي"، فيحذّر قائلاً: "ينبغي على المعالج أن يكون يقظًا، حتى لا تُفسر تصريحاته على أنها مجرد دعوة إلى استحضار "قوة التفكير الإيجابي". عليه أن يوضح بجلاء أنه، بالتعاون مع المريض، يحاول تحديد المشكلة وتقديم حل لها. وإن من النادر أن تساعد الدعوة العامة إلى "التفكير بإيجابية" في تصويب التفكير السلبي اللاعقلاني، وهو ما يؤدي بالمريض إلى مزيد من الشعور بالفشل".
ويقول مارتن سليجمان(4)، رائد علم النفس الإيجابي، في سياق حديثه عن الفرق بين علم النفس الإيجابي والتفكير الإيجابي: "لا يروّج علم النفس الإيجابي للإيجابية المطلقة، فهناك ميزان واضح. [....] وعلى الرغم من وجود العديد من الدراسات التي تربط الإيجابية بالصحة على المدى البعيد والنجاح والعلاقات الجيدة وطول العمر، إلى أن الأدلة بمجملها تشير إلى أن التفكير السلبي قد يكون أدق في بعض المواقف".
توصيات لتحقيق الإيجابية الواقعية:
تتشكل العقلية الإيجابية الواقعية من مجموعة من العناصر، تشكل بمجموعها النمط الأقرب للصحة النفسية في التعامل مع شؤون الحياة. وفيما يلي أبرز النقاط الأساسية لتحقيق ذلك:
- احرص على تشكيل تصورات واقعية عموماً في حياتك: حيث تعد هذه الخطوة الأساس في تشكيل العقلية الواقعية. ويتطلب ذلك السعي لرؤية الحقائق بمعزل عن الأمنيات الذاتية.
- يمكنك التفكير في الموضوعات "السلبية" بطريقة إيجابية: يمكن النظر إلى الموضوعات «السلبية» بطريقة إيجابية، دون إنكار وجودها. ويصبح التفكير الإيجابي نمطًا غير صحي إذا كان الهدف هو خلو الذهن تمامًا من الأمور المزعجة.
- ميز بين نوعين من التفاؤل؛ التفاؤل العام والتفاؤل الخاص: فالتفاؤل العام يعني أن الأمور عموماً في حياتك ستجري نحو الأفضل، ولا إشكال في حضور هذا التفاؤل بصورة دائمة. وأما التفاؤل الخاص فيتعلق بموضوع وحادثة معينة. حيث تتفاوت نسبة هذا النوع من التفاؤل وفقاً للمعطيات المتعلقة بكل حادثة على حدة. وتذكر جيداً، التشاؤم قد يكون مفيداً في بعض المواقف، لأنه يشكل قوة دافعة لاتخاذ بعض الخطوات في التعامل مع الأمور.
- تعرف أكثر على مهارات التفكير ومهارات حل المشكلات: من أجل صقل نظام تفكيرك، تعرف أكثر على مهارات التفكير ومهارات حل المشكلات، واطلع على ما يعرف بتشوهات التفكير (Cognitive distortions)؛ حيث يساعد التعرف عليها في تحسين طريقة تفكيرك. ويمكن الرجوع بهذا الصدد إلى الباب الثاني من كتاب "عين العقل" للدكتور عبد الستار إبراهيم، أو الفصل الثالث من كتاب "الشعور الجيد" (Feeling Good) لديفيد بيرن.
- تطوير مهارة التقبل: وهي مهارة أساسية للتعايش مع الأمور المزعجة وغير المرغوبة في حياتنا، علماً أن التقبل لا يعني الاستسلام وعدم السعي للتغيير.
- أعد تشكيل علاقتك بالألم: وذلك من خلال السعي لفهمه أكثر، وتقبل كونه جزءاً من طبيعة الحياة. وبالرغم من سعينا لتجنب الآلام قدر المستطاع، لكن حدوثها أمر حتمي بصورة أو بأخرى.
- التعامل الحكيم مع المشاعر المؤلمة (السلبية): فهذا النوع من المشاعر يشكل جزءًا من طبيعة التجربة الإنسانية، ويمكن -إذا أحسنا إدارتها والتعامل معها- أن تقودنا بصورة أفضل إلى فهم ذواتنا والآخرين والعالم من حولنا. تستدعي هذه النقطة التأكيد على أهمية تعلم مهارات إدارة المشاعر.
- تجنب المشكلات بصورة مستمرة، يجلها أكثر تعقيداً: تذكر أن تجنب مواجهة المشكلات بصورة مستمرة، يزيد رهبتها في نفسك. المواجهة التدريجية المدعّمة بالتفكير الهادئ هي الحل الأمثل.
- قبول التباين المشاعري: لا يفترض أن تعيش المشاعر الإيجابية طوال الوقت. اسمح للمشاعر السلبية بالعبور، مع الحرص على إدارتها بشكل جيد قدر الإمكان.
- الجوانب الإيجابية تمثل جزءاً من الموضوع وليست كل شيء: يعد النظر إلى الجوانب الإيجابية في أي موضوع خطوة رائعة، لكن من المهم أيضاً السعي لبناء الصورة المتكاملة. ومن الأدوات المفيدة التي تساعد في تشكيل صورة متوازنة ما يعرف "قبعات دي بونو"، ويمكنك الاطلاع على آلية تطبيقها في الدليل العملي المختصرة المعنون بــ "تحسين التفكير بطريقة القبعات الست".
المراجع:
- Seligman, M. E. P. (2004). Authentic Happiness: Using the New Positive Psychology to Realize Your Potential for Lasting Fulfillment. New York: Simon & Schuster.
- Ellis, A. (2002). Overcoming Resistance: A Rational Emotive Behavior Therapy Integrated Approach. New York: Springer Publishing.
- Beck, A. T. (1976). Cognitive Therapy and the Emotional Disorders. New York: International Universities Press.
- انظر، مارتن سليجمان، المرجع السابق