نظرت ليلى إلى السقف بعينين مليئتين بالإرهاق. "هذا السقف الأبيض... كم يبدو فارغاً. وكأنني أرى الفراغ ينهش جوارحي منعكساً فيه". ظلت عيناها مثبتتين على النقطة نفسها، وكانت أفكارها تتناثر. "هل حقاً يمكنني الخروج؟ ماذا لو فشلت مجدداً؟"
كانت رائحة الشاي بالنعناع تملأ الغرفة، تحبّ هذه الرائحة التي تربطها بشيءٍ من الأمان الذي لم تشعر به منذ وقتٍ طويل. سمعت خطوات والدتها تقترب وهي تعاتبها بحنانٍ وتقول:
"ما هذا يا ليلى؟... ما هذه...
تواصلُ أمها، كلماتها الضبابية كأنها تأتي من عالمٍ بعيد: "... إذا أكملتِ على هذا النحو ستنهارين"
لم تسمعها ليلى، فراحت أمّها تذكّرها بموعد مقابلة العمل، رنّت الكلمة في رأسها... مقابلة عمل.
تذكرت ليلى عندما كانت تتأمل السقف، وباغتتها والدتها بالدخول إلى غرفتها، وهي تحمل هاتفها النقال الذي كان يرن بنغمة "طائر النار" لسترافينسكي. لم ترغب ليلى حينها في الرد على الهاتف. شعرتْ بأنّ كل مكالمة قد تأتي محمّلة بعبءٍ جديدٍ هي غير قادرةٍ على تحمّله. وقفت والدتها بجانبها، تتأملها بصمت، قبل أن تقرّر فتح المكالمة بنفسها، وتضغط على مكبّر الصوت.
"لماذا لا تجهزين نفسكِ للمقابلة اليوم؟"
تقول أمها فتسمعها ليلى هذه المرة، كان من المفترض أن تذهب إلى مقابلة اليوم، لكنها لا تشعر بالقدرة على النهوض لمواجهة العالم. لا شيء يحتضن بؤسها سوى هذه الغرفة، تاهت عيناها في الفراغ، وغرقت في دوامة من الشكّ والتردّد، أجابت بنبرةٍ هادئة وخافتة:
- "أريد أن أفكر قليلاً... لا أريد التسرّع. لا أشعر برغبةٍ في الذّهاب".
ثم أسرّت في نفسها: "لماذا عليّ أن أتحرك؟ كلّ شيءٍ قد انتهى حتّى صفحتي على الإنستغرام"
تحاولُ والدتها دفعها للخروج وخلال ذلك تذكّرها بسما، فصرخت ليلى مقاطعةً والدتها: "لااا... لا تذكري اسم سما!" انفجرت بالبكاء، وكان ذكرُ اسمها كفيلًا بتحريك كلّ الألم الذي حاولت دفنه بكل ما أوتيَتْ من قوة. تابعت وهي تجهش بالبكاء: "لم عليَّ أن أتحمّل هذا العبء؟ لماذا ذهبتِ؟" صمتت والدتها … لم تنبس ببنت شفة؛ فهي تعرف كيف تشعر ابنتها بعد كلّ ما حدث، لم ترغب في الضغط عليها أكثر من ذلك. وَضَعَتْ كوب الشاي على المنضدة الخشبية المزخرفة بجانب سرير ليلى التي دثّرت رأسها بالوسادة؛ لكي لا ترى والدتها وجهها.
خرجت والدتها، وعمّ الصّمت أرجاءَ الغرفة، ظلّت وحيدةً في غرفتها التي أصبحت شاهدةً على فوضى أفكارها، كما لو أنّ العالم توقّفَ عند لحظة رحيل سما. "هل كان القرار الذي اتخذته صحيحاً؟".. يقابل سريرها مكتبها الذي تعمه الفوضى، عليه مجموعةٌ مكدّسةٌ من الدفاتر متراكمة فوق بعضها. كان على طرف المكتب رواية الجريمة والعقاب، وكانت بعض صفحاتها مهترئة لعلها من كثرة الإمساك والقراءة. أو لعلها تريد إنهاء حياتها التي تعيش لحظاتها ببطءٍ دون جدوى. حتى الشيء الذي أتقنته وهو مجرد التواجد على صفحة إنستغرام لم تعد تتقنه.
***
وجدت نفسها محاصرةً تحت ركام منزلٍ منهار، والغبار يغطي جسدها. فتحت عينيها بصعوبة، لترى وجهاً مألوفاً بجانبها، وبالرغم من السواد المحيط رأته منيراً. "سما!" صرخت ليلى، وعيناها ممتلئتان بالدهشة. احتضنت صديقتها بقوة، وبدأت بالبكاء. "لا أصدّق أنّكِ على قيد الحياة! أخبريني ماذا حدث؟ أين أحمد وزينة؟ هل هما بخير؟ ماذا عن زوجك محمود؟". لكنّ سما كانت صامتة لم تجب أبداً، فقد اكتفت بالابتسام لها. استغربت ليلى … هزّت كتف سما، وأرادت أن تسألها عن سبب عدم إجابتها، لكنّها سمعت فجأة صوت إطلاق الرصاص والصواريخ… اهتزت الأرض من حولها… سقطت على الأرض، ولم تر شيئاً. لكنّ صدمتها كانت عندما رأت جثمان سما ملقاةً على الأرض، وهي تتضرّج بدمها. اقتربت مرعوبة ورأت بجانب جثّة سما، جثّة زوجها وبجانب كل منهما جثتا أطفالهما أحمد وزينة. بدأت ليلى بالبكاء. صرخت، لكن لم يخرج أيّ صوت. فجأة، سمعت صوت صواريخٍ قريب… اهتزّ المكان، ولم تر شيئاً سوى الظلمة الحالكة.
فتحت عينيها فجأة ونهضت، أو بالأحرى حاولت النهوض… لكنّها شعرتْ بثقلٍ في جسدها منعها من النهوض، من السرير. وبعد محاولاتٍ عدّة، نجحتْ أخيراً في النّهوض وهي خائفة، وتلتقط أنفاسها بصعوبة…انهمرت الدموع من عينيها. "لقد كان كابوساً..." همست لنفسها. غطّت وجهها بيديها، وبدأت تبكي من جديد. بعد أن هدأت قليلاً قالت لنفسها: "هل كانت تبتسم لي؛ لأنّها تعلم أنّني اتخذتُ القرار الصحيح؟". مسحت دموعها ببطء، تناولت كوب الشاي الذي أصبح بارداً من على المنضدة التي بجانب سريرها وبدأت بالشرب... شربته رغم برودته، كان الطعم أفضل مما توقعت. "ربما كانت تبتسم لأنّها تعلم ما يجب عليَّ فعله. ربما حان الوقت لفعل شيءٍ ما."
حاولت النهوض لكن جسدها خذلها، بدا وكأن السرير يجذبها بلا رحمة كالمغناطيس. غرقت في مكانها، تفكّر كيف تغيّرت وأصبحت عاجزةً أمام نفسها، تراءت لها سما مرةً أخرى، تذكّرت كيفَ كانت تموت، بينما هي تشاهد موتها، نشرت لها فيديو مصوّرًا وحصد أعلى المشاهدات، راحت الأفكار تتلاطم وتتداخل مع بعضها كالأمواج العاتية، أحست بثقل الذاكرة، وقسوة المشهد الّذي وثقته للحظة رحيل سما. انتابها شعورٌ عميقٌ بالاشمئزاز، وبصقت الشاي المتبقي في فمها في سلة المهملات بجانب السرير، محاوِلةً طرد هذا الطّعم المرير من فمها. إلا أن الشعور بالاشمئزاز غمرها، حتى تقيأت، وكأنها تُخرج دماً. شعورٌ عميقٌ بالنّدم يُثقلُ كاهلها... أي مبدأ!
استلقت ليلى على السرير مجدداً، وأحاط الصمت بالغرفة كعباءةٍ ثقيلة. كان الهدوء يغمر كلّ شيءٍ إلا أفكارها التي كانت تتلاطم كأمواج البحر في وجدانها. شعرتْ وكأنّها غير قادرةٍ على الحراك. حاولت النهوض مرةً أخرى وبصعوبةٍ بالغة وقفت، أحسّت بالإنجاز لمجرّد أنّها استطاعت الوقوف.
فكرت في نفسها: "هل عليّ أن أذهب؟ هل يمكن أن تكون هذه فرصتي للخروج من هذا السجن الذي صنعته بيدي؟" تراءت لها ابتسامة سما في الحلم. "هل كانت تبتسم لأنها سعيدةً بما فعلته؟ أم أنها كانت تودعني؟" أخذت نفسًا عميقًا، وازدادت الشكوك في داخلها، ثم أعادت النظر إلى الكتب المكدّسة على مكتبها، وإلى رواية الجريمة والعقاب. "هل سأعاقب نفسي بالبقاء هنا؟ أم عليَّ الخروج لمواجهة حياتي؟". تتصارع أفكارها: "هل أنا حقاً مستعدة للعودة إلى العالم الخارجي؟ أم سأظلّ هنا، أتجنّب المواجهة؟ إذا خرجت لن أعود تلك الفتاة نفسها... ربما أجد شيئاً جديداً، وربّما أضيع أكثر".
سرت قشعريرة باردة في جسدها، نظرت إلى الباب، ورأت سما هناك واقفة.
كانت تبتسم وتنظر إليها، تقترب من الباب ببطء، تضغط على مقبض الباب بتردّدٍ، وفي الحقيقة الشيء الوحيد الذي ضغطت عليه كان قلبها. فكرت في كل خطوةٍ كأنّها قرارٌ مصيريّ. أخذتْ نفساً عميقاً، وفتحت الباب: "لن أعرف أيّ شيءٍ إلا إذا خرجْتُ".