أنتجت عدداً من المسلسلات والأعمال الدرامية التي تركت أثراً قوياً لدى المشاهدين ومنها: نسمات أيلول وقطع وريد ومسلسل البطل الذي أحب تسليط الضوء عليه؛ حيث كان عملاً لافتاً.
لماذا كان "البطل" عملاً مميزاً؟
إن أهم ما يميز هذا المسلسل أمور عدة أولها: قيمة النص الدرامي الذي اقتبست منه قصة العمل حيث أخذت عن مسرحية للراحل ممدوح عدوان والأمر الثاني: سيناريو مكتوب بعناية وبساطة تلامس العقول دون الوقوع في فخ الاستخفاف بعقل المشاهد أو التهويل، خاصة وأن الموضوع عاشه السوريين جميعهم، حيث استطاع كاتب السيناريو الأستاذ رامي كوسا سرد يوميات أناس بسطاء، من خلال لحظات تحبس الأنفاس بدون تعقيدات، ومع أن شخصيات العمل كانت متباينة ومختلفة، إلا أن الممثلين أبدعوا في الأداء والتجسيد؛ فنجحوا في جذب المشاهد إلى أعماق شخصيات مختلفة، ولكنها متداخلة في الوقت نفسه دونما تعقيد.
مثلت هذه التعقيدات وبمهارة سوريا زمن الحرب وما عاشته وأهلها بكل فئاتها، فكان أي موقف تعيشه أي شخصية هو رمز لسوريا التي عانت من حرب طويلة الأمد.
يوسف والبعد البطولي في شخصيته
إن طاقم العمل وممثليه كل أدى دوره باقتدار دون استثناء فمثلاً مروان الذي حلم بالهجرة لبناء مستقبله إلا أنه قتل قبل تحقيق الحلم، وسلافة التي خسرت ابنها وأداء الفنانة نانسي خوري الصامت الأكثر من رائع، ولكن يجب الوقوف عند أداء الفنانين بسام كوسا ومحمود نصر لشخصيتي الأستاذ يوسف وفرج في العمل؛ لأنه كان أداءً لافتاً استطاع إيصال مجموعة من الرسائل.
فيوسف هو شخصية أقرب للمثالية يعيش في قرية صغيرة نائية مهمشة يعاني أهلها ما بين الحرب والتهميش وأثناء تقديمه المساعدة لطلابه في أثناء اشتعال حريق فيها، يصاب إصابة بالغة تؤدي إلى الشلل.
هنا تبدأ معاناة يوسف وهي رمز إلى أحد أوجه معاناة الأم سوريا، فمن مثقف وصاحب كلمة إلى شخص عاجز عن كل شيء فمثلاً تضطر زوجته للعمل؛ لتسد الفراغ المادي الذي تركه وتصطدم بواقع يومي صعب ومعها زوجها، إلا أنه يحاول البقاء كما هو دون أن تغيره الظروف.
وبدقة بالغة وبمهارة فائقة، استطاع يوسف تجسيد حجم التغيير، الذي أحدثته الحرب، والتآكل الذي أصاب الصورة، والحياة التي أصبحت بطعم الدم والبارود، عن طريق هذه العائلة الصغيرة.
فرج الطرف الثاني من المعادلة
فرج الدشت، الذي جسد شخصيته الفنان محمود نصر، هو شخصية محورية، ولكنها متغيرة خلال الأحداث، فقد بدأ على الرغم من الماضي القاسي الذي عاشه، إلا أنه بقي بسيطاً محباً للحياة.
قتلت والدة فرج والده، وولد ابنها في السجن، وظل هذا الأمر نقطة سوداء في حياة شاب حاول بناء حياته بعيداً عن الماضي.
وجد في يوسف أباً عطوفاً، لكن هذه العلاقة سقطت بين مجموعة من المتناقضات؛ لذا كانت مركبة معقدة تشبه المد والجزر؛ مما استدعى استخدام الأدوات التمثيلية المناسبة، وإعطائها بعداً عميقاً كما تتطلب.
مشهد موت فرج... قدرة اختزال مدهشة
كان فرج شخصية متغيرة، وكان التغيير الأكبر في حياته الذي أدرك بعده أن الماضي سيبقى يطارده عندما اضطر للزواج من راما دون معرفة أهلها؛ بسبب معايرته المستمرة ليس بالماضي فحسب، بل بعمل والدته في تغسيل الأموات، والذي لم يكن اختياره جزافاً؛ حيث يمثل فرج بهذا صورة معاناة الوطن وأحد أوجه الموت والألم.
لقد اختصر مشهد موت فرج، ألم هذا الشاب ووجعه، وسعيه الدائم للبحث عن المحبة التي افتقدها منذ ولادته، مع أن المشاهد يشعر أنه حاول الانتقام ممن حوله في وقت من الأوقات؛ بسبب نظرتهم إليه.
في مشهده الأخير استطاع محمود نصر مع بسام كوسا تجسيد اللحظة وتحويل مشهد من حروف على الورق إلى خليط من لعب متقن بفن التعابير الصامتة ولغة الجسد ونبرة الصوت والتي وظفها جميعها ببراعة، تجسيداً لألم وحسرة وندم الضحية، المعاناة فرج من التهميش قبل أن يعاني من طعنات الحياة المتتالية والتي انتهت بمقتله.
الخلاصة
إن البطل هو من أهم الأعمال الدرامية جماهيرياً لسنة 2025، وبرأيي أنه لم يحظ بالتكريم اللازم أسوة بغيره، فهو من أجمل الأعمال نصاً وتمثيلاً وإخراجاً.