يعتبر الرثاء فناً من فنون الشعر العربي القديمة، قدم وجود الإنسان فهو لم يكن موجوداً في ثقافتنا العربية فقط، وهو يعرف بأنه فنّ شعري يقوم على التعبير عن الحزن لفقدان عزيز والتحسر عليه، وبيان مناقب الفقيد (صفاته الحسنة).
وكانت هذه الظاهرة منتشرة كثيراً في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام وما تلاها.
توسعت هذه الظاهرة بدءاً من العصر العباسي، حتى بدأت تخرج عن شكلها التقليدي، ولم يعد الرثاء محصوراً في المتوفين من البشر كما كان سابقاً، فمنذ أن حدثت فتنة بغداد بين الأمين والمأمون ولدي هارون الرشيد اتخذت ظاهرة الرثاء في الشعر العربي منحى جديداً.
فبعد تلك الأحداث الجسام التي مرت بها عاصمة الدولة العباسية بغداد حضر رثاؤها (رثاء بغداد كمدينة) بقوة في شعر الشعراء الذين عاصروا الفتنة وحضروا مجرياتها.
وفي اعتقادي أن رثاء المدن الذي شاع بعد ذلك، بسبب عدة عوامل منها ضعف الدولة الإسلامية وانفصالها إلى عديد من الدول والممالك؛ مما سهّل سقوط الكثير منها في أيدي الأعداء، يشبه إلى حد كبير غرض الثاء الأساسي الذي هو رثاء لإنسان ميت، ففي حالة رثاء المدن تبرز الحسرة ومعها الحزن على كل مدينة هاجمها الأعداء، وكان هذا الغرض بشكل عام في ذلك الوقت تجاوباً مع ما كان يعيشه المسلمون في ذلك الوقت، وقد رثى مدينة بغداد عدد قليل من الشعراء مثل الشاعر الخزيمي والشاعر ابن الرومي.
رثاء المدن في العصر الأندلسي
لقد كان العصر الأندلسي هو العصر الذهبي لهذه الظاهرة حيث تطورت واتسعت وانتشرت، وقد ساعد على هذا الانتشار الأمور والحوادث السياسية في البلاد؛ حتى أصبحت هذه الظاهرة ظاهرة لافتة، ففي هذا العصر لم يقتصر الرثاء على مدينة سقطت والتحسر عليها بعد حرب أو فتنة، بل توسع ليشمل رثاء لمساجد وجوامع ومبان كرثاء جامع قرطبة، حتى أصبح هذا الغرض علامة فارقة في تاريخ الأدب الأندلسي.
ومن أشهر القصائد التي تمثل رثاء المدن في الأندلس تلك القصيدة التي كتبها أبو البقاء الرندي، وجرت مجرى الحكمة فيما بعد والتي يقول في مطلعها:
لكل شيء إذا ما تم نقصان... فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأيام كما شاهدتها دول... من غره زمن ساءته أزمان
فمرثية أبي البقاء الرندي هذه بقيت كلمات خالدة تعزف على أوتار الحسرة على ما ألم في الأندلس، فمع بدايات سقوط دويلات الأندلس في عصر ملوك الطوائف، بدأ الشعراء يكتبون هذا النوع من القصائد ومع الوقت ازداد حنينهم وحسرتهم التي ظهرت في قصائدهم على الفردوس المفقود "أرض الأندلس" التي كانت تتساقط مدينة تلو الأخرى حتى سقطت آخر المدن الأندلسية سنة 1492م وهي مدينة غرناطة.
رثاء المدن في العصور اللاحقة في المشرق (العصران الأيوبي والمملوكي).
لقد كان سقوط غرناطة آخر الممالك الأندلسية في القرن الخامس عشر الميلادي سقوطا مدويا، خسر به المسلمون بقعة شهدت ميلاد حضارة من أعظم الحضارات في العالم، ونهاية لحقبة تاريخية مهمة جداً.
وقد تزامنت هذه الأحداث في الأندلس، وتقاطعت مع احتلال الصليبيين لعدد من الإمارات المشرقية مثل أنطاكية والرها وغيرها، واحتلال التتار (المغول) لبغداد، فكانت هذه الظاهرة حاضرة في المشرق أيضاً؛ لتوفر الظروف المواتية لذلك، فهذا الشاعر الأبيوردي، يكتب قصيدة يرثي فيها بيت المقدس بعد سقوطه في يد الصليبيين، حيث قال:
مزجنا دماء بالدموع السواجم... فلم يبق منا عرضة للمراحم
رثاء المدن في العصور الحديثة
بقي هذا الغرض حاضراً في العصر الحديث، وإن كانت مكانته قد تراجعت عن العصور السابقة، وكتب عدد من الشعراء قصائد مثل أمير الشعراء أحمد شوقي وقصيدتيه نكبة دمشق ونكبة بيروت حيث شاع في القصيدتين حس التحسر على هاتين المدينتين حيث يقول في قصيدته نكبة دمشق:
سلام من صبا بردى أرق... ودمع لا يكفكف يا دمشق
فقد لجأ الشاعر في بداية القصيدة لهذا التشخيص ليبث حجم تحسره على ما آلت إليه دمشق تحت ظلم الاستعمار الفرنسي، وأيضاً كتب العديد من الشعراء العراقيين قصائد في التحسر على مدن عراقية وما تعرضت له من خراب مثل: بدر شاكر السياب.
ومن أهم من كتب قصائد أيضاً في هذا الغرض نزار قباني الذي كان من أقرب الذين تناولوا هذا الغرض إلى عصرنته وتجديده، فهذه قصيدته الشهيرة التي كتبها للقدس بعد حرب 1967، والتي يمزج فيها بين الحسرة الألم والأمل، لينتج سيمفونية شعرية متناغمة.
ولكن هل كان رثاء المدن حاضراً لدى القدماء، وفي الأدب العالمي؟
ويجمع عدد من الباحثين أن هذا الغرض كان حاضراً في آداب أقدم الحضارات في بلاد الرافدين، وأيضاً نجدها تثبت حضوراً لافتاً في نصوص الأدب العالمي خاصة في أثناء الحرب العالمية؛ لأن الحروب والغزوات تبقى من الأمور التي لا مفر منها على مدى التاريخ الإنساني منذ النزاع الأول بين قابيل وهابيل.