الفيلم التشادي "جريجريس" الذي تعرضه لجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان مساء الثلاثاء هو من إخراج محمد صالح هارون أحد أفضل وأشهر السينمائيين الأفارقة المعاصرين. عنوان الفيلم "جريجريس" (إنتاج 2013) هو لقب الشخصية الرئيسية وهو شاب في منتصف العشرينات، مصاب بإعاقة في إحدى قدميه، لكن إعاقته هذه لم تثنه عن العمل، بل وظفها في تقديم رقصات بمهارات خاصة في ملهى المدينة الليلي، مما لفت الانتباه إليه، ومنحه شعبية كبيرة.
ينتمي جريجريس إلى طبقة الدخل المحدود، فالرقص والتصوير الفوتوغرافي -مجال عمله- لا يكفل العيش الكريم له ولأسرته، فيضطر للعمل مع عصابات تهريب البنزين في السوق السوداء كي يسد فواتير علاج زوج أمه في المستشفى، الأمر الذي يضعه في مأزق سيعرض حياته للخطر، في نفس الوقت تنشأ علاقة حب بينه وبين فتاة تدعى ميمي، ليكتشف لاحقاً بأنها ليست سوى بائعة هوى، لكن هذه المعرفة لا تغير شيئاً من مشاعره تجاهها، بل على العكس يتعاطف جريجريس معها ويحميها، فالظرف الاقتصادي السيء هو الأرضية المشتركة التي تجمعهما، وعملياً هو الذي أجبر كل منهما على تقديم تنازلات، وهنا يقدم المخرج جريجريس وميمي كشخصيتين تنطويان على نزعة خير، ولكن الأوضاع السيئة المحيطة والتي يعيشانها، دفعت بالجانب السلبي في شخصيتهما للظهور.
يبني المخرج حبكته جاعلاً شخصيته الرئيسية جريجريس في الجزء الأول من الفيلم تسعى إلى إنقاذ العائلة من الأزمة التي ألمت بها، بعد ذلك تسعى لإنقاذ الحبيبة ميمي من المزيد من الضياع، وفي الجزء الأخير تسعى إلى إنقاذ حياتها في ذروة محفوفة بالمخاطر، يتجاور هذا البناء الدرامي سوياً مع الحياة اليومية في المنطقة التي يعيش فيها البطل، حيث عرض صور للسكان المحليين ومساعدتهم على شؤون حياتهم يسهم في رسم ملامح للمكان والبيئة، فمن الموسيقى الطبيعية والرائجة والرقص الذي يعكس ثقافة وهوية المكان في مطلع الفيلم، والذي يبني حالة من البهجة، ينتقل المخرج بفيلمه إلى حيز ما يسمى (الفيلم الأسود) حيث قتامة الحياة الذي تنعكس عبر الأحداث حتى نهاية الفيلم، إلا أنه ينهي الفيلم بشيء من الدفء، فنرى في المشهد الأخير كيف تتجمع نساء البلدة لحماية وإنقاذ جريجريس، وهذا بدوره أيضاً يعكس هوية المكان وثقافته الأمومية السائدة.
ينتمي المخرج التشادي محمد صالح هارون إلى ما يسمى سينما المؤلف، حيث يكتب وإخراج أفلامه، ويرسم عبر أغلب أفلامه صورة بورتريه لبلده تشاد، ففيلمه السابق "رجل يصرخ" إنتاج عام 2010، والحائز على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان الدولي، يتقاطع مع فيلمه هذا من حيث البيئة والطبقة التي يتموضع فيها أبطال الفيلمين، فتنتمي الشخصيات إلى الطبقة العاملة ذات الدخل المتدني في تشاد المعاصرة ذات المناخ العام الذي يسوده الصراعات وانحطاط القيم، ووسط ذلك كله تحاول شخصياته أن تنجو بنفسها، وأن تحقق أحلامهما.
فاكس: 00962.6.4633565
صندوق بريد: 940255 عمان 11194 الأردن
بريد إلكتروني AHSF@shoman.org.jo