في ممرات الروضة، حيث تتعالى ضحكات الصغار، وتتشكل أحلامهم الأولى، أقف كل يوم أمام تحدٍّ متجدد يفرض نفسه على واقعنا التربوي. خلال مسيرتي التي تمتد لأكثر من أحد عشر عاماً من الشغف، وفي كل مرة كنت أحظى فيها بشرف التكريم بجائزة الملكة رانيا للتميز التربوي، لم يكن الفوز بالنسبة لي مجرد محطة عابرة، بل كان وقفة عميقة مع الذات وسؤالاً يلحّ عليّ باستمرار: كيف يمكننا أن نقدم لطفل "الجيل الرقمي" تعليماً يواكب تسارع التكنولوجيا دون أن يسرق منه براءة اللعب الاستكشافي وفرحة التجربة الحسية؟
نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الأجهزة الذكية جزءاً من الهوية البصرية واليومية للطفل، لكن التحدي الحقيقي الذي واجهته في غرفتي الصفية بمدرسة "العامرية" لم يكن في جلب التكنولوجيا كأدوات جامدة، بل في "أنسنتها". إن الرقمنة بلمسة إنسانية تعني ألا يكون "اللوح التفاعلي" أو الجهاز اللوحي بديلاً عن لمس الطين أو تشكيل الصلصال وبناء المكعبات، بل أن يكون جسراً ذكياً يعزز هذه التجربة، وينقلها إلى آفاق أرحب.
وهنا تبرز قيمة "التوأمة الرقمية" كإحدى أكثر التجارب إلهاماً في مسيرتي. لقد آمنتُ دوماً أن حدود الغرفة الصفية لا تنتهي عند الجدران الأربعة، بل هي نقطة انطلاق نحو العالم. من خلال مشاريع التوأمة، استطعتُ أن أفتح لأطفالي نافذة يطلون منها على أقرانهم في دول وثقافات مختلفة؛ حيث نتبادل القصص، ونعرض ابتكاراتنا البسيطة، ونتشارك الأغاني التعليمية عبر المنصات الرقمية الآمنة. هذه التجربة لم تكن مجرد "اتصال فيديو"، بل كانت درساً حياً في المواطنة العالمية، علّمت صغاري أن الاختلاف في اللغة أو اللون لا يمنعنا من أن نلعب ونغني ونبدع معاً تحت سماء واحدة.
لقد كان مشهداً مؤثراً أن أرى طفلاً في الخامسة من عمره يشرح لأقرانه في بلد آخر كيف صنع "لعبة من بقايا المواد المعاد تدويرها" ضمن مبادرتنا المحلية، مستخدماً لغة الإشارة والابتسامة حين تخونه الكلمات. هذا هو جوهر التعليم الحديث؛ أن نستخدم الرقمنة لتنمية مهارات التواصل والتعاطف وحل المشكلات، لا أن نجعلها وسيلة للعزلة خلف الشاشات.
إن بناء جيل مبدع يتطلب منا كمعلمين أن نتحول من دور "الملقن" إلى دور "الميسّر للدهشة". فالمعلم المتميز ليس من يمتلك أحدث الأدوات التقنية فحسب، بل من يمتلك الرؤية لتحويل أبسط الموارد – كالجدران التفاعلية التي نصنعها بأيدينا – إلى أدوات تشعل خيال الطفل وتدفعه للتساؤل. عندما نمزج بين التكنولوجيا وبين الأنشطة الحركية التي تملأ الركن التعليمي حيوية، نحن هنا نصنع تعليماً متكاملاً يبني العقل والروح والجسد معاً.
رسالتي لكل زميلة وزميل في الميدان التربوي: لا تخشوا التكنولوجيا، بل اجعلوها خادمة لتربويتنا الأصيلة وقيمنا الراسخة. إن بصمتنا الحقيقية في نفوس هؤلاء الصغار لا تُقاس بعدد التطبيقات التي حملناها على الأجهزة، بل بمقدار الحب والفضول والدهشة التي زرعناها في عيونهم. لنكن نحن الضوء الذي يوجههم في عالم رقمي شاسع، محتفظين في الوقت نفسه بدفء اللمسة الإنسانية التي هي قلب رسالتنا السامية وجوهر تميزنا.