في مطلع الألفية الجديدة، وتحديداً عام 2001، ظهرت فكرة بدت آنذاك أقرب إلى الحلم: موسوعة مفتوحة يستطيع أي إنسان في العالم أن يقرأها ويشارك في كتابتها عبر الإنترنت. هكذا انطلقت ويكيبيديا Wikipedia بنسختها الأولى باللغة الإنجليزية، حاملة هدفاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في معناه: أن تكون المعرفة متاحة مجاناً لكل إنسان. ولفهم قيمة هذه الفكرة، علينا أن نتذكر شكل العالم في ذلك الوقت. لم يكن الإنترنت في متناول الجميع كما هو اليوم، ولم تكن الهواتف الذكية قد ظهرت بعد. حتى الحواسيب لم تكن منتشرة في كل منزل، وكانت القنوات التلفزيونية محدودة في معظم البلدان العربية، إذ كانت القنوات الأرضية هي الأكثر حضوراً، بينما كانت القنوات الفضائية تتطلب أجهزة استقبال باهظة الثمن لا يملكها الكثيرون. أما مواقع الإنترنت فكانت قليلة جداً مقارنة بما نراه اليوم. وسط هذا الواقع التقني المحدود، ظهرت ويكيبيديا كمشروع طموح يسعى إلى كسر الحواجز بين المعرفة والناس.
بعد عامين فقط من إطلاق النسخة الإنجليزية، ظهرت موسوعة ويكيبيديا العربية عام 2003، لتكون واحدة من اللغات ال300 التي ستنضم لاحقاً إلى هذه الموسوعة العالمية. لم تكن البداية سهلة، بل كانت أشبه بمغامرة يقودها عدد قليل من الشباب المتحمسين الذين آمنوا بأن المعرفة يجب أن تكون متاحة باللغة العربية كما هي متاحة باللغات الأخرى. كانت التحديات في ذلك الوقت كبيرة: قلة المحررين، ضعف انتشار الإنترنت، محدودية الأجهزة، وصعوبة الوصول إلى المصادر الرقمية. فالمعلومة آنذاك كانت لا تزال تعيش في الكتب الورقية والمجلات والمكتبات، بينما كانت القنوات الفضائية قد بدأت للتو بالانتشار مع انخفاض أسعار أجهزة استقبال البث الفضائي.
في العام نفسه تقريباً، كنت قد أنهيت دراستي الثانوية، والتحقت بجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية لبدء رحلتي الجامعية. هناك في مختبرات الحاسوب داخل الجامعة، بدأت أتعرف أكثر إلى عالم الإنترنت. في تلك الأيام، كانت وسائل نقل الملفات بين الحاسوب المنزلي وحاسوب الجامعة تعتمد على ما كان يُعرف بـ"الفلاش ميموري". وكانت هذه القطعة الصغيرة من التكنولوجيا تُعد شيئاً ثميناً؛ فقد كان سعرها يتجاوز أربعين ديناراً أردنياً، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، رغم أن سعتها لم تكن تتجاوز 2 غيغابايت، وهي سعة تبدو اليوم متواضعة لكنها كانت آنذاك كبيرة جداً.
بعد ذلك بسنوات قليلة، وتحديداً عام 2005، بدأت رحلتي مع ويكيبيديا بالصدفة وبدافع التسلية. كانت ويكيبيديا في ذلك الوقت ما تزال موقع صغير نسبياً، إذ لم يكن عدد مقالاتها يتجاوز العشرين ألف مقالة، وكانت في ترتيب متأخر بين لغات ويكيبيديا الأخرى ، وعدد المحررين قليل، والتحرير يتم بطريقة مختلفة تماماً عما هو عليه اليوم. فقد كانت واجهة التحرير أقرب إلى كتابة شيفرات بسيطة تشبه لغة HTML لكن بشكل مبسط، حيث يقوم المحرر بإضافة الروابط والأكواد يدوياً من أجل تنسيق المقالة وربطها بالمقالات الأخرى. ورغم بساطة الأدوات، كان الحماس كبيراً. كان كل مقال جديد يُكتب أشبه بإضافة لبنة صغيرة في بناء معرفي عربي كبير.
اليوم، وبعد مرور نحو ربع قرن على انطلاق ويكيبيديا، تبدو الصورة مختلفة تماماً. فقد أصبحت ويكيبيديا العربية واحدة من أكبر الموسوعات العربية على الإنترنت، إذ تجاوز عدد مقالاتها بداية عام 2026 مليون وثلاثمئة ألف مقالة، وعدد التعديلات ثلاثة وسبعين مليون تعديل ووصل ترتيبها بين لغات ويكيبيديا إلى المرتبة السادسة عشرة عالمياً من حيث عدد المقالات. لم يتغير حجم المحتوى فقط، بل تغيرت أيضاً أدوات العمل. فقد أصبحت واجهات التحرير أسهل بكثير مما كانت عليه في السنوات الأولى، كما أصبح الإنترنت متاحاً في كل مكان تقريباً. وإذا كان الاشتراك الشهري بالإنترنت في بدايات الألفية يصل إلى أربعين ديناراً، فإن الاتصال اليوم أصبح أسهل وأرخص بفضل انتشار الشبكات اللاسلكية والهواتف الذكية. كما أصبحت الكاميرا الموجودة في الهاتف المحمول أداة مهمة للمحررين، إذ يمكن من خلالها تصوير المعالم والأماكن والوثائق ورفعها إلى الإنترنت وموسوعة ويكيبيديا لتكون جزءاً من المعرفة المشتركة.
كثيراً ما يُطرح عليّ سؤال بسيط: لماذا تكتب في ويكيبيديا؟ والحقيقة أن هذا السؤال كان يرافقني أنا أيضاً. فبعد سنوات من التحرير والكتابة، وصلت إلى مراتب متقدمة بين المساهمين في الموسوعة العربية، إذ أصبحت ضمن المراتب الأولى في عدد التعديلات والمقالات. ومع ذلك، ظل السؤال قائماً: ما الذي يدفع إنساناً إلى كتابة آلاف الكلمات دون مقابل مادي؟ مع مرور الوقت بدأت أقترب من الإجابة. فالمعرفة، بالنسبة لمن يحبها، ليست مجرد معلومات تُقرأ، بل رسالة تُنقل. وقد سمعت أكثر من مرة عبارة تتردد في أوساط العلماء والباحثين: "زكاة العلم نشره."
إن المساهمة في ويكيبيديا لا تعني فقط كتابة مقالات للآخرين، بل هي رحلة تعلم مستمرة للكاتب نفسه. فالمحرر يجد نفسه يقرأ في موضوعات لم يكن يفكر بها من قبل، ويتعرف إلى شخصيات وأماكن وعلوم جديدة، ويتفاعل مع مجتمع واسع من المثقفين والأطباء والمهندسين والباحثين والمتطوعين. , وطلبة الجامعات وطلبة المدارس. ومع الوقت، يدرك أن المدارس والجامعات قد تمنحه المعرفة الأساسية، لكنها لا تمنحه دائماً مهارة البحث والاكتشاف والتوثيق. هذه المهارات تنمو عندما يصبح الإنسان شريكاً في صناعة المعرفة، لا مجرد متلقٍ لها.
تعتمد ويكيبيديا في جوهرها على المتطوعين. فالموسوعة لا تدفع أجوراً للمحررين، ولا تقوم على مؤسسة إعلامية ضخمة، بل على جهود أفراد يؤمنون بأهمية المعرفة الحرة. ولعل من أبرز مظاهر هذا الجهد وجود قوائم إحصائية للمحررين، مثل قائمة ال500 لأكثر المساهمين تحريراً أو قائمة ال500 لأكثر منشئي المقالات. هذه القوائم ليست مجرد أرقام، بل تعكس حجم العمل الجماعي الذي يقف خلف الموسوعة كما نراها اليوم.
وبطبيعة الحال، لا تخلو ويكيبيديا من التحديات. فهي مشروع بشري يقوم على التطوع، وتعتمد برمجياتها على جهود مطورين يعملون غالباً إلى جانب وظائفهم وأعمالهم الأخرى. ولذلك تظهر أحياناً نقاط ضعف أو فجوات في المحتوى. لكن الجميل في هذا المشروع أن الحلول غالباً ما تأتي من داخل المجتمع نفسه. فقد يكون محرر جديد لم يمضِ على انضمامه سوى عام أو عامين صاحب فكرة قادرة على تحسين الموسوعة أو تطويرها بشكل ملحوظ.
إن الكتابة في ويكيبيديا ليست مهمة معقدة كما قد يظن البعض. فالبداية بسيطة: إنشاء حساب، التعرف إلى أساسيات التحرير، مشاهدة بعض الدروس التعليمية، ثم البدء بالمساهمة خطوة خطوة. وقد لا يرى المساهم الجديد أثر عمله فوراً، لكن مع مرور الوقت سيكتشف أن المعرفة التي يكتبها للآخرين تعود إليه هو أولاً، فتوسع أفقه وتمنحه فهماً أعمق للعالم. لهذا أقول دائماً: إن المساهمة في ويكيبيديا ليست مجرد عمل تطوعي، بل هي استثمار طويل الأمد في المعرفة. وربما لن يرى الإنسان أثره اليوم، لكنه سيكتشف في المستقبل أنه كان جزءاً من مشروع عربي كبير يسعى إلى بناء موسوعة معرفية حرة، متاحة لكل من يبحث عن العلم باللغة العربية.