رواية تدور أحداثها حول منافسة حادة بين لاعبين امتلكا موهبة فذة في لعبة الشطرنج، لكنَّ اللعبة لم تكن محور الأحداث وجوهر القصة، فهي وسيلة أراد بها الكاتب إيصال فكرته، وكان لاختيار الكاتب هذه اللعبة بالذات سببًا وجيهًا، فهي "منافسة بين ذهنين لا تعتمد على الحظ" فاستخدمها المؤلف ليظهر مفارقة في شخصية كل منهما سنقف عليها. وقد نقول من زاوية أخرى بأن الشطرنج في هذه القصة رمز الحياة وتجسيدًا لها بكل المعاني، ومن حذق الناس وفهم نفوسهم فاز بها.
في هذه القصة نقف على شخصيتين رئيستين جمعت بينهما لعبة الشطرنج، وتميزًا بها، على الرغم من اختلاف منبع هذه الموهبة وطرق تنميتها عند كل منهما. وهنا نقف سريعًا مع هاتين الشخصيتين، فقد يتسنى لنا أن نعيد صياغة تصرفاتهما من جانب آخر.
فالشخصية الأولى (زنتوفيك) البطل العالمي المشهور في هذه اللعبة ولدت عنده الموهبة من رحم المعاناة المادية والفقر والحاجة، أما الآخر (المحامي) فقد كانت منبعها من المعاناة النفسية والوحدة والعزلة عن الحياة، ولكن... أيهما يغلب في النهاية؟!
وفي صدد الإجابة نقف قليلًا على تصرفات كل منهما، فحين نتأمل اللاعب المشهور، ونحلل شخصيته نجد أن مفتاح قوته بأنه برع في معرفة وفهم طبيعة الناس واستغلال نقاط ضعفهم للفوز إلى جانب درايته الكبيرة بأسرار اللعبة، فقد كان فهم نفسية خصمه إحدى الأدوات التي استخدمها في الوصول للبطولة؛ لذلك لم يكن يسمح لأحد قراءة ما بداخله رافضًا محاورة أحد؛ حتى لا ينتزع نقطة ضعفه، وهنا أشير إلى رفضه الحديث إلّا مع البسطاء والفلاحين لعلمه بعدم مقدرتهم على قراءة ما بداخله، فاقتصر حديثه ومخالطته الاجتماعية على فئة صغيرة، فلا يناقش من على مستوى إدراكه لأنه يتوقعه، فقد يقع في زلة تكشف طريقة تفكيره، فهو لم يكن غبيًا كما يبدو، بل فطنًا خبيثًا يلعب دور البليد اللامبالي. (وهنا نخلص إلى أنه يتوقع التصرفات بناء على ردود فعل الخصم).
أما بالنسبة لطفولته وبلادته في الدراسة، وتعلم القراءة والكتابة؛ فقد نعزي ذلك إلى عدم وجود دافع لهذا التعلم حتى وإن كان داخليًا، وذلك ما وجده في هذه اللعبة التي بدأ اهتمامه بها في المراقبة، حين وجد ما يستهويه فيها إلى الجانب المادي (وذلك ما لم يجده في غيرها من النشاطات)، فحذقها وأتقنها في وقت قصير.
وبناء على ما سبق في ذكرنا أن الشطرنج لا تعتمد على الحظ، فلا يمكن بأية حال أن نعزي نجاح بطل قصتنا للحظ أو حفظه للحركات من المراقبة، فهي لعبة لا يتقنها غبي يحفظ الحركات.
أما الشخصية الثانية التي امتلكت الموهبة في هذه اللعبة هي شخصية المحامي النمساوي، فكان إبداعه فيها ينطوي عن تجربة أليمة قاسية، هي نتيجة سجن تعرض له لأسباب سياسية، سجن للروح عن الحياة والعالم، وعزل للعقل عن محيطه وحرمانه من غذائه، هي عزلة قد نصفها بعبارة (قتل للروح)، هرب من هذه العزلة وما تقوده من جنون إلى محاولة فهم اللعبة من كتاب حصل عليه بالحيلة، ثم أصبح يلعبها في ذهنه حتى لا يستسلم لهذه العزلة، فخلق في ذهنه عالمًـا متكاملًا تقمص فيه دور اللاعب وخصمه. حين يحرم الإنسان غذاء الروح والتواصل، فيتخذ عقله وسيلة دفاعية يجعل فيها وجود الناس في مخيلته ليعوض غيابهم في الواقع، لذلك لجأ هذا الرجل إلى بناء عالم في ذهنه فيه أناس يعوضونه عن وجودهم الواقعي.
كل ذلك كان في سبيل الهروب من أفكاره ومخاوفه التي تحاصره ويأبى الوقوع فريسة لها، فيجعل عقله يقظًا بأي شيء سوى الاستسلام لتلك الأفكار التي كانت تدفعه لهوة الجنون.. ولكن هل كان هذا الملاذ هو الخيار الأفضل؟! أم أنه سلك طريقاً آخر للجنون، ولكنه أطول قليلًا؟! لم يلبث صاحبنا فترة حتى دفعته وسيلة النجاة تلك (التي كان يحسبها ملاذًا) إلى الهوة ذاتها، فالعالم الذي خلقه في عقله للشطرنج فصله عن الواقع، وقاده إلى فقدان ذاته والذوبان في ذلك العالم.
وهنا نطرح تساؤلًا: هل كان موقف المحامي من هذه العزلة وخروجه منها بهذه الحالة هو رد فعل طبيعي أم أنه ضعف في نفسه أودى به إلى تلك الحالة، هل كان فاشلًا في السيطرة على نفسه أم ضحية لسجن قاهر؟
أرى أن إجابة هذا السؤال قد تختلف باختلاف رؤية الشخص ونظرته إلى العالم والنفس البشرية ومدى عمق فهمه لها، فأنا أرى أن صموده في هذا الجحيم يفوق غيره ممن يفوقونه علمًا وحكمة، فالعذاب النفسي أشد على المرء، وأبقى أثرًا من جروح الجسد، فمن فرض عليه هذه العزلة كان قصده هذه النتيجة التي وصل إليها، فهو عالمٌ بأن عقل الإنسان لا يحتمل الركود والتكرار لوقت طويل، وبغض النظر عن الوقت الذي تطلبه للوصول لها، فقد حقق مراده من هذا الحبس. أما من يجده فشلاً في التحكم في نفسه وعواطفه، فما أرى إلّا أنها رؤية نابعة قصر نظر ومعرفة سطحية بالنفس البشرية، فلا أحد يملك السلطة المطلقة على عقله وأفكاره ومشاعره، فهذا الشخص ضحية لعزلة قهرية، وحاله نتيجة متوقعة لها. والحياة التي فُرضت عليه جردته من كل ما يمت للحياة البشرية بصلة؛ ليصبح كالآلة، ولو فرضت على أي روح حية لم تطقها وماتت قهرًا من الساعات الأولى، فكل المخلوقات لا تطيق العزلة ولا تحتملها، ولكن ذلك الكتاب والشطرنج لعبا دورًا كبيرًا في صموده وقتًا أطول مما هو مقدر له، فبفضل ذلك العالم الخيالي، وتلك الخصومة مع نفسه، وذلك النشاط الذي حفل به عقله أصبح كل ذلك تعويضًا له عما اعتاده من نشاط وحركة خارجية. فالعدم الذي أحاط به كان سببًا في هذه الازدواجية بداخله، وفي تلك المنافسة مع نفسه، والتي أفرغ فيها مشاعر الغضب والانتقام المختزنة في نفسه التي تراكمت في هذا الجو. فقد امتلك هذا الرجل عبقرية فريدة، قد تستسلم الأرواح للسكون في حال كهذه، لكن عقله أبى ذلك، وتعلق بخيط نجاة رفيع قد لا يعتبره البعض كذلك.
إلى جانب ما تقدم، تعرض لنا الرواية عن إمكانية وجود عوالم فسيحة في عقل المرء تجمع المتناقضات، إن هو حُرِمَ الحياة (بإرادته، أو دونها) كيف يمكن للعقل أن يكوِّن عالمًا بأدق تفاصيله حين يُحرَم من التواصل مع العالم الخارجي، وإلى أي حد سيصمد في جمع المتناقضات التي هي أساس وجود أيّ عالم؟
سيطرت هذه اللعبة على عقل الرجل، فلم يعد يرى شيئًا خارج حدودها، حتى الناس والعالم أصبح يراهم على رقعة الشطرنج، بدأ يضم صراعات العالم الطبيعية إلى عالمه الخاص في عقله، ولكن المشكلة تكمن أن أطراف الصراع هم الشخص ذاته، وذلك ما أودى بصاحبنا إلى تلك النهاية البائسة. وكان دافعه في لعبته الأخيرة في نهاية القصة أن يُخرِج نفسه من عالم الشطرنج الذي في خياله، ويربطها بالواقع على رقعة حقيقية، ويتأكد من قدرته على لعبها مع خصم غير ذاته. واللعبة الأخيرة كانت خاتمة الماضي الذي أرهقه، فكأنه يريد التأكد من قدرته على عيش الواقع بعد تلك لتجربة القاسية.
إذا ما وقفنا مع مشهد النهاية المتمثل في فوزه الواهم وفقدانه السيطرة على نفسه في لعبته الأخيرة، فقد نعد ذلك سلوكًا قهريًا تعمد خصمه أن يجعله فريسته لما رأى من نفاذ صبره في اللعب؛ فاستغل ذلك لصالحه. فقد سبق وقلنا عن استغلاله لضعف خصمه للفوز، وفي هذه اللعبة حين لاحظ أن خصمه يضيق ذرعًا بالانتظار، ويفقد نفسه أطال وقت لعبه ليفقده تركيزه، فلمس نقطة ضعفه دون إدراكه الكامل لها؛ ولكن لمعرفته بمصدر إزعاج، وقد تحقق له ما أراد.
وبما أن مفهوم العزلة وأثرها شغل حيزًا كبيرًا في هذه الرواية، أختم بعبارة للبعض الذي يملك رؤية مغايرة عن هذا المفهوم، ويراها ملاذًا وملجأ من قسوة العالم والبشر، فأقول: العزلة كالنار، يسخرها الإنسان بمحض إرادته لتيسير حياته، قد تحرقه إن أساء استخدامها، وقد يستخدمها عدوه في أذيته، فالقول بفائدتها في هذا السياق نسبيًا حسب الموقف.