للتليفزيون جاذبية غير هينة، رغم النظرة الدونية له - فنياً - في كثير من الأحيان. تناقض صارخ. إنه يمتلك شعبية طاغية، أساسا بسبب الجانب الاقتصادي، لأنه متاح للجميع، بدون فاتورة إضافية. يصل إلى الناس في بيوتهم، وفي غرف نومهم بالمجان تقريباً، بينما السينما تحتاج إلى بذل الجهد والمال للذهاب إلى دار العرض.
هذا يُعيدنا إلى أحد أبرز العوامل التي أثرت في شكل الدراما التليفزيونية، وميراثها الثقيل الذي لم تستطع التخلص منه: نقصد الجانب الإعلاني التجاري، ونشأة مصطلح مسلسلات «أوبرا الصابون» أو «سوب أوبرا» وهو تعبير يحمل سخرية مجازية من الطابع النمطي التجاري لتلك الدراما الموسومة بالعواطف الجياشة، بالمبالغة في الصراعات المستمرة أحياناً كما في الأوبرا. كان ذلك في ثلاثينيات القرن العشرين، بدأت مع الراديو، ثم انتقلت إلى التلفاز، حين قامت شركات الصابون والمنظفات بإنتاج عدد من هذه المسلسلات أو رعايتها. كانت موجهة خصيصاً لربات البيوت - تُبث صباحاً أو بفترة الظهيرة - لأنها اعتبرتهن شريحة مثالية للإعلان عن منتجاتها، لأن ثلاثة من كل أربع نساء في الولايات المتحدة آنذاك لم يكنّ يعملن. ورغم حبكتها الميلودرامية المتواصلة، لكنها أصبحت جذابة للكثيرات.
ما أدركه التجار منذ ثلاثينيات القرن الماضي لا زال مؤثراً لليوم. إنه قانون رأس المال، إضافة لجانب سيكولوجي كان قد أشار إليه أرسطو «التطهر»، الناس تريد أن تنسى عجزها وآلامها ومشاكلها الواقعية، وتهرب إلى عالماً من الخيال يسرقها، يُؤجج خيالها، فتحمد الله أنها أفضل حالاً، أو تتماهى مع أبطاله الرومانسيين متجاهلة أي مبالغات، بالجمهور العريض لا تشغله الأمور الفنية.
مع ذلك هناك فنانون أبدعوا في مجال الدراما التليفزيونية فأكسبها قيمة، لكنهم لم ينجحوا في تغيير سمعتها إلى العكس تماماً. هذا يأخذنا إلى منطقة التساؤلات المتعددة: لماذا - نحن النقاد والباحثين - عندما نصف الفيلم بأنه «تليفزيوني» يحمل في طياته تقليلاً من القيمة الفنية للعمل، ويشي بقدر من الاستخفاف به، كأنما هذا الوصف – تليفزيوني – يشي بنظرة دونية، في حين يصبح وصف «سينمائي» من قبيل المديح والإطراء على مستواه الفني ولغته الإبداعية.
فما الذي نقصده بالفيلم السينمائي؟ وهل يمتلك لغة تختلف عن نظيره التليفزيوني؟ هل هو ما نشاهده على شاشة السينما؟ بينما الفيلم التليفزيوني هو ما يُعرض على شاشة التلفاز؟ هل استخدام الشريط الخام السينمائي - السلولويد – أو الكاميرا الديجيتال هو الذي يُحدد نوعية الفيلم؟ إذاً، فماذا عن الأفلام المصورة على شريط 35 مم لأجل العرض التليفزيوني؟ خيري بشارة وداود عبد السيد وعلي بدرخان قاموا بتصوير أفلام على شرائط خام 35 مم للعرض التليفزيوني بمصر. كذلك سعد النديم، هاشم النحاس، وعلي الغزولي، عطيات الأبنودي وآخرون، مصريين وعرب وأجانب من شتى دول العالم.
على صعيد آخر، أليست هناك أفلام سينمائية – وثائقية وروائية – تم تصويرها بكاميرا الديجيتال، وعُرضت على الشاشات الكبيرة بدور العرض السينمائي؟ ألا تُؤكد المؤشرات العالمية أن الشريط الخام 35 ملم في طريقه إلى الاختفاء، وأن ماكينات العرض السينمائي يتم استبدالها بأجهزة الـدي سي بي؟ إن الأمر واقع لا محالة، وهناك إحلال تدريجي في مختلف بلدان العالم. تساؤل آخر يشغلني: هل كل الأعمال التي تم تصويرها على شرائط 35 مم جاءت سينمائية؟ ألم يكن بعضها لا يرقى إلى مستوى عمل وثائقي مشغول باللغة السينمائية؟ أليس بعض هذه الأعمال أقرب إلى التحقيق التليفزيوني؟ هذا يطرح تساؤلاً آخر: لماذا عندما يتم تصوير فيلمين بالكاميرا الديجيتال يأتي أحدهما سينمائياً والآخر تلفزيونيا؟ فهل هناك موضوعات تناسب التليفزيون أكثر من السينما؟ السؤال بصيغة أخرى؛ هل هناك موضوعات تصلح للمعالجة التليفزيونية، ولا تصلح للمعالجة السينمائية؟
بعد تجربة طويلة – تتجاوز العشرين عاماً - في تأمل الأعمال الروائية وكذلك الوثائقيات بأنواعها من موقع الناقدة السينمائية والباحثة في بنية النص التحتي ولغة العمل الفني، وبعد تجربة ليست بالقصيرة في صناعة الوثائقي، وفي المشاركة في لجان التحكيم وصلت كاتبة هذه السطور إلى قناعة بأن أي، وكل موضوع يمكن معالجته بشكل سينمائي. الأمر يعتمد على المبدع ومهارته في خلق لغته السينمائية.
إذاً، ليس الموضوع هو الفيصل، وإنما اللغة ومنظور الرؤية والأسلوب الفني هو الذي يحسم الأمر بالانتماء إلى أي من العالمين، السينمائي أم التليفزيوني. لا يشغلني ما إذا كان الفيلم يعكس الواقع بصدق تام أم لا؟ الأهم بالنسبة لي طريقة معالجة الواقع، وهل أدهشني - أو أربكني - الواقع الجديد المطروح على الشاشة أم لا؟
ثورة الصوت
وهنا يمكننا أن نتطرق إلى أدق تفاصيل اللغة السينمائية، لكن هذا يقودنا إلى نظرة سريعة على تاريخ السينما والتلفاز الحافل بالتطورات/ سواء كانت إيجابية أو سلبية/ سواء واجهت مقاومة أو ترحيباً عند ظهورها، فمثلاً مع ظهور الصوت - نهاية العشرينيات وتحديداً عام ١٩٢٧ حينما أصدرت شركة وارنر بروذرز فيلم «مغني الجاز»، وهو أول فيلم روائي طويل يستخدم الصوت المتزامن في مشاهد الحوار- انقسم المخرجون بين مؤيد لأهمية الصوت وآخر رافض له بحجة أن الحوار يقتل لغة الصورة البصرية، ويُحد من بلاغتها، فالصوت يسحب السينما إلى شاطئ المسرح المصور، من هؤلاء المخرج «سيرجي إيزنشتاين» أحد أبرز المنظرين السينمائيين وله نظرته الخاصة لفن المونتاج، من هنا نتفهم موقفه؛ لأن وجود الصوت كان يأخذ السينما إلى منطقة السرد المباشر، مما يُحد من خياله الإبداعي في البحث عن معادل مجازي عبر المونتاج، يأخذ من مهارته في الاشتغال على الصمت التعبيري الذي وسم حقبة السينما الصامتة، لكن يبقى التساؤل الآن: هل حقاً تسبب دخول الصوت لعالم السينما في إلحاق ضرر إبداعي أم أنه كان بمثابة أداة لتعزيز درامية الفيلم؟.
الواقع يقول إن اكتشاف الصوت كان ثورة عظيمة، أنه قدم مزايا عديدة للسينما ودعم شبابها بقوة دفع استثنائية، فرسخ مكانتها بين الفنون الأخرى، لأن الصوت لا يتوقف عند الحوار، لكنه يمتد إلى شريط الصوت بالكامل، بما يتضمنه من مؤثرات صوتية بمسارات متعددة وموسيقى، ومع التطور التكنولوجي ظهرت القدرة على تسجيل الصوت مباشرة على شرائط الفيلم باستخدام مسارات صوتية بصرية. وقد أتاح ذلك تزامن الحوار والموسيقى والمؤثرات الصوتية، مما أحدث ثورة في كيفية إنتاج الأفلام.
رغم ما سبق، وإذا كان الحوار أحد أبرز نتاجات اختراع الصوت، أرى أن الأمر في النهاية يعتمد على موهبة المبدع، فكاتب السيناريو والحوار أولاً، كيف يفكر؟ فإذا كان يستنطق الشخصيات بلسان حالها، ولغتها التي تعبر عن مستواها الاجتماعي والتعليمي بشكل مقتصد كاشف للتيارات التحتية التي تجتاح بواطن الشخصية هنا يكون المبدع سينمائيا بامتياز، لأنه لا يكتب لفظة حوار واحدة يمكن الاستغناء عنها، لابد للحوار أن يقول ما لا يستطيع الديكور أو التعبيرات والإيماءات الجسدية النطق به. هنا أستعيد رأياً للأديب العالمي نجيب محفوظ - فيما يخص مأزق الحوار السينمائي في العالم العربي والسينما المصرية - فقد ميز بين الحوار العادي والحوار بالفيلم.
إذا الأمر لا يقتصر فقط على الدراما التليفزيونية، وإنما تصطبغ بعض الأعمال السينمائية بذات الأمر. صحيح أنه بالمقارنة بين السينما والتليفزيون نلاحظ أن الأخير يعتمد - في أغلب أعماله - على الحوار المطول، الذي يصل حدود الثرثرة لملأ الفراغ وإطالة دقائق البث، بينما صناع الفن السابع المبدعين يحاولون الاقتصاد قدر الإمكان، وبعضهم يدخل تحدي الذات، فيجعل الحوار شحيحاً جدا بالأفلام. مع ذلك هناك استثناءات تكاد تكون محدودة في عالم الدراما التليفزيونية كما فعل حاتم علي الذي استخدم بنية سينمائية شديدة التميز في أعماله التليفزيونية.
لا شك في أن الدراما التلفزيونية مثلما استفادت من الصوت وغيره من الأمور التقنية، فقد اكتسبت مزيداً من الواقعية حين خرجت الكاميرا من الاستوديو إلى الطبيعة، إذ أكسبها ذلك كثافة في الإيقاع البصري، وساهم في كسر الجمود بالتصوير داخل الاستوديو؛ مما جعلها تقترب من حدود السينما مع استخدام المشهد المكون من عدة لقطات بدلا من المشهد الواحد سابقاً، مما جعل الإخراج أكثر سينمائية وواقعية، بإضفاء قدر أعلى من المصداقية على الأحداث.
مع ذلك، يظل التليفزيون محكوماً بأمور عدة منها: ضرورة الحفاظ على إيقاع سردي يناسب الشاشة الصغيرة، وتقديم موضوعات عائلية اجتماعية، فالقضايا الفنية، التي تشغل النخبة قد لا تهم الجماهير الشعوبية، من دون أن ننسى التكلفة الإنتاجية الأقل مقارنة بالسينما، والاعتماد بشكل أكبر على الحوار ليس فقط لتوضيح الأحداث، ولكن لأن كتابة الحوار أسهل وأسرع من الإبداع البصري، خاصة في المسلسلات الطويلة.
الزمن النفسي
رغم كل ما سبق… هناك أعمالاً تليفزيونية حققت نجاحاً كبيراً يتفوق على الأعمال السينمائية حين غاصت تلك الأعمال في أعماق النفس البشرية، كما في أعمال أسامة أنور عكاشة مثل: أبنائي الأعزاء شكراً، الشهد والدموع، ليالي الحلمية، حتى إن نجيب محفوظ وصف أعماله بأنها: «روايات مرئية ميزتها أن غير المتعلم يستطيع أن يقرأ ما فيها بسهولة ومتعة، وما أكثر غير المتعلمين في العالم العربي. إن أسامة أنور عكاشة مؤلف مجتهد وخلاق، وعلى الرغم من ابتعادي عن شاشة التلفزيون، فإني أتابع أعماله، لأنها بالنسبة لظلام الشاشة مصابيح مشتعلة بالوعي والفن والأصالة، وهو بحق صاحب فضل في نقل الأدب إلى التلفزيون، وخاصة للذين لا يعرفون القراءة والكتابة.»
وحسماً لتلك القضية أرى بشكل شخصي أنه مهما اختلفت التقنية، سواء مع التليفزيون أو السينما، فإنه إذا التزم أحدهما أو كلاهما بتفاصيل اللغة السينمائية - التي سنرى بعضاً منها في السطور التالية - يكون العمل موسوماً بالفن السينمائي حتى لو كان عملاً مصوراً للتليفزيون.
يقولون إنه في السينما الصورة تحكي، بينما يبتكر المونتاج معاني ودلالات جديدة. مع ذلك ورغم أهمية المونتاج لكني انحاز إلى وجهة نظر تاركوفسكي حيث يرى أن «الإيقاع، وليس المونتاج هو العنصر والمكون الرئيسي للسينما» الإيقاع الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالزمن النفسي، فماذا نقصد بالزمن النفسي؟
الزمن النفسي هو الزمن الداخلي، الذي يرتبط بالوعي والوجدان، بالحواس والمشاعر، بالمدركات والمحسوسات، إنه مزيج من الأحاسيس والانطباعات والتجارب وتراكم الخبرات. هو الزمن الذي يعاينه كل إنسان شعورياً، ويختلف تقديره من شخص إلى آخر وفق حالته الجُوانية، إن إحساس الإنسان بعمق الزمن وكثافته يختلف بين وقت وآخر، بين إنسان وآخر، فالمرء قد يشعر بالزمن بطيئاً ثقيلاً أو سريعاً خفيفاً وفق حالته النفسية.
هل المونتاج ضرورة للزمن النفسي؟
يبدو أن الزمن النفسي والمونتاج مترابطان أشد الترابط. لماذا؟ لأن السينما هي عملية «نحت في الزمن» كما وصفها تاركوفسكي وهو الأمر الذي تفتقده الدراما التليفزيونية. فأثناء النحت في الزمن بكافة أشكاله يستند المبدع أساساً على المونتاج، سواء في التداعي المُقنن للذكريات، أو في تشظي الزمن بين الأمام والخلف ما بين الفلاش باك والفلاش فورود، أو في كثافة الزمن المتتابع، أو في تمديد وضغط الزمن، أو في نحت الشخصيات والتفاصيل، أو في الروابط الشعرية. إنها إذاً عملية معقدة مترابطة أشد الترابط في حلقاتها الإبداعية.
"وهذا الرصد الذي تُنجزه الصورة السينمائية مع وقائع الحياة هو رصد انتقائي. نحن نترك على الفيلم فقط ما هو مبرر بوصفه مكملاً للصورة."(1) فالمبدع يختار أجزاء من الواقعة المتعاقبة ويربطها معاً، لأنه يرى ويسمع بدقة ما يقع بينها وأي نوع من القيود يُوحدها ويجعلها متماسكة. هذه هي السينما.
التفاصيل ضرورة لتشبع الزمن
إذا كان الزمن النفسي يلعب الدور الحاسم في مدى سينمائية العمل من عدمه. لماذا؟ لأهميته، سواء كان ممتداً أو مكثفاً، بما له من امتداد عميق وقيمة مؤثرة كبيرة وخطيرة. وللزمن حضوره اللافت في التصاعد الدرامي للحدث، في إضافة أو خلق أبعاد جديدة لبنية العمل الفني، في تعميق المأساة أو تخفيف حدتها، في عرض وقائع نشعر بالانفعال إزاءها، فتُثير فينا الإحساس وفق ما تجلبه من منافع أو ما تدفعه من أضرار، في كشف تغير الأشياء وتبدل غايات الناس وحالاتهم الوجدانية العاطفية في محيط وبيئة العمل الإبداعي، في تكثيف الواقع وإعادة تشكيله ونظمه وفق رابط منطقي، وفي ترك أثر عميق في نفوس المشاهدين. مع مراعاة أن خلق الإحساس الصحيح والزمن النفسي المنضبط يحتاج إلى الاهتمام بالعامل السيكولوجي والحالة الذهنية للشخصيات، وهذا يتطلب أن لا تهمل الظروف المحيطة المسببة لتلك الحالة الذهنية.
"الشيطان يختبئ في التفاصيل" هكذا قال أحدهم، وهي مقولة تنطبق تماماً على الشريط السينمائي الذي لا يخلو من التفاصيل، فعملية تكثيف وتمديد الزمن تخضع للتفاصيل، فتمديد الزمن لا يستقيم دون أن يكون مُشَبَعاً بالتفاصيل، وضغط الزمن وتكثيفه يرتكز أساساً على تمحيص كثير من التفاصيل لاستبعاد بعضها والاحتفاظ بالبعض الآخر، دون أن نغفل أهمية المهارة والكيفية التي يتم بها غرس التفاصيل عبر الزمن، على مسافات متباعدة أو متقاربة. المهم أن تكون المسافات مدروسة ولها قدر مُحدد، ففي لحظة معينة، يغرس المؤلف/ المخرج تفصيلة جديدة – أو لقطة مشحونة بالتفاصيل – وعندها نستعيد التفاصيل القديمة، فتتكون لدينا نحن المشاهدين حالة شعورية ضاغطة. إنه بناء تتراكم فيه التفاصيل على تنوعها.
مع ذلك، ورغم ما سبق، لا أعتقد أن هناك قاعدة محددة بدقة، أو وصفة سحرية تقول أن هكذا يُصنع الفيلم السينمائي وما عكس يكون من نصيب الدراما التليفزيونية. لأن كل فيلم هو كائن حي ينمو ويتطور وفق أشياء كثيرة لها علاقة بالمخرج وبأسلوبه، وإحساسه ووعيه، وعلاقته بالمحيط الذي يعمل فيه وبالناس أبطال مشروعه، وبمدى تحضيره لمشروعه، وتمتعه بدقة الملاحظة والبحث عن الحقيقة ومساءلتها، ثم حضور ذهنه واستعداده لتلقف الهدايا التي قد ترسلها السماء له أثناء التصوير، وذلك قبل أن تأتي مرحلة المونتاج التي تعيد خلق هذا الكائن الإبداعي. فالمخرج الروسي الشهير أندريه تاركوفسكي اعترف أن الفيلم كان يتكشف له أثناء عملية المونتاج، وأنه أثناء مونتاج فيلمه "مرآة" شعر بالإحباط في مرحلة ما؛ لأن الفيلم لم يكن يسير في الخط الصحيح، وأنه كان أمام نحو عشرين طريقة لمونتاج الفيلم، وأنه في لحظة ما شعر، وأن الفيلم قد فشل بسبب أخطاء وقعت في خطة التصوير، وذلك قبل أن يهتدي أخيراً للخطوة الصائبة، وهذا لا يعني أن المونتاج هو الذي يخلق الفيلم من العدم، لكن في تقديري أن المونتاج هو إعادة إحياء، وإعادة إبداع يختلف بدوره بين التليفزيوني والسينمائي، لكن هذا لا ينفي أبداً وجود أعمال تليفزيونية تم إنجازها بلغة سينمائية خالصة تماماً.
وأخيراً، أقول: للتليفزيون جمهوره ومواضيعه وأفكاره المناسبة أكثر، وذلك كما يُردد دائماً الموزعون والمنتجون والقنوات التليفزيونية المتحكمة في الإنتاج، وهم أيضاً – في الغالب – مصدر جملة: ليست كل الأفكار المناسبة لصنع أفلام سينمائية صالحة بالضرورة للعرض في التليفزيون، أو على الأقل للإنتاج عبر قنوات التليفزيون، فالتليفزيون ورجاله يفكرون في الجمهور ونسبة المشاهدة والإعلانات. تماماً كما يفعل الموزع مع الفيلم الروائي. وإن كان هذا لا ينفي أن كثيراً من الأفلام التي رفض تمويلها منتجو التليفزيون وشركات الإنتاج قد تم عرضها على شاشات التلفاز بعد أن تم إنتاجها بتقنية السينما وضمن دائرة الإنتاج المستقل في الغالب. وكذلك لا يمكن إنكار أن عدداً من مخرجي التلفاز يقدمون أعمالاً بلغة سينمائية بليغة.
المراجع:
(1) أندريه تاركوفسكي، النحت في الزمن، صــ58.