في عام 1920، وقف السير آرثر كونان دويل الطبيب والكاتب الذي خلق بعقله شخصية شارلوك هولمز الشهيرة، والتي تعد رمز المنطق والتحليل مدافعًا علنًا عن صور "جنيات كوتينغلي"، مؤمنًا أن ذلك دليلٌ على وجود عالمٍ خفي لا تدركه الحواس، لمجالٍ كهرومغناطيسي لا يراه الإنسان.
لم يكن ذلك تصريحًا عابرًا، بل مقالاتٍ ومحاضراتٍ كاملةٍ كرسها لإثبات ما اعتبره حقيقة، في وقت كانت فيه هذه الصور تُتَداول في الأوساط العلميةِ على أنها حقيقةٌ عند البعض؛ فبعد 68 عامًا انهارت القصة ببساطة، ذلك أن الصور لم تكن إلا خِدعةً بصرية نفذتها طفلتان، بدواعي عمل المقالب! وهو ما تؤكده سجلات The British Library.
في الجهة الأخرى من التاريخ، كان توماس أديسون أحد أعظم العقول الابتكارية يقود معركة شرسة ضد التيار المتردد الذي دافع عنه تسلا وغيره بشدة، رغم تفوقه التقني الواضح، لم يكن الصراعُ صراعًا علميًا بحتًا، بل امتزج بالخوف على المصالح.
اختبارات القدرات العقلية!
لم يكن مفهوم الذكاء في بدايته رقمًا يُتداول أو معيارًا يُحتكم إليه، بل كان محاولةً لفهم الفروق الفردية بين البشر، ففي عام 1905، وضع عالم النفس الفرنسي ألفرد بينيه أول اختبارٍ عمليٍ لقياس القدرات العقلية، وكان هدفه الأساسي مساعدة الأطفال الذين يواجهون صعوبات تعلم، لا تصنيفهم أو الحكم على قدراتهم.
غير أن هذه الفكرة لم تلبث إلى أن تطورت على يد عالم النفس الأمريكي لويس تيرمان في جامعة ستانفورد، حيث أعاد صياغة الاختبار فيما عُرف لاحقاً بـ "Stanford-Binet"، محولًا إياه إلى أداة معيارية لقياس نسبة الذكاء "IQ" الذي ما زال يُستخدم إلى يومنا هذا كـرقمٍ يُختزل الذكاء فيه، رغم ما يثيره ذلك من تساؤلات جوهرية حول قدرة هذا الرقم على تمثيل تعقيد العقل البشري.
مع اتساع استخدام اختبارات الذكاء، لم تبق حبيسة الأبحاث، بل انتقلت إلى أنظمة التعليم، في الولايات المتحدة مثلًا، يُعد اختبار "SAT" كأحد المعايير الأساسية للقبول الجامعي، معتمدًا على قياس مهارات التحليل والاستدلال المرتبطة بمفهوم القدرة العقلية، ولم يقتصر هذا التوجه على الولايات المتحدة، بل تبنت العديد من الدول اختبارات معيارية مشابهة تستند بشكل أو بآخر إلى فكرة أن الذكاء يمكن قياسه رقميًا واستخدامه كمؤشر للكفاءة الأكاديمية.
هل نقيس الذكاء فعلاً.. أم نقيسُ قدرتنا على التكيف مع طريقة قياسه؟
مع مرور الوقت، لم يعد ارتفاع نتائج اختبارات الذكاء مرتبطًا بعامل وراثي صرف، كما كان يُعتقد في بعض الأطروحات المبكرة، ومنها ما ذكره لويس تيرمان في أعماله، بل بدأ يُفهم ضمن سياقٍ أكثر تعقيدًا، فقد أظهرت الأبحاث اللاحقة ما يُعرف بـ "تأثير فلين"، والذي يشير إلى الارتفاع التدريجي في متوسط درجات الذكاء عبر الأجيال.
ويُعزى جزء مهم من هذا التحسن إلى تغير نمط التعليم والتدريب، إضافة إلى تعوّد الأفراد على طبيعة الأسئلة المنطقية والتحليلية المستخدمة في هذه الاختبارات، مما جعل الأداء فيها تحديدًا أكثر كفاءةً، وهذا لا يعني بالضرورة تغيرًا في القدرات العقلية الأساسية، بعبارة أخرى نستطيع القول إننا اليوم نحن لا نُقاس بعقولٍ مختلفة في القدرات العقلية، بل أشخاصًا أكثر خبرةً في لغةِ وأسلوب الاختبار.
مفارقة العقول الذكية!
عند العودة إلى الأمثلة الأولى، يتضح أن ما حدث لم يكن مجرد أخطاء معرفية، بل انعكاسًا مباشرًا لما يُعرف في علم النفس بـ "التحيزات الإدراكية"، فالعقل لا يتعامل مع المعلومات ببرود منطقي دائم، بل يتأثر بالخوف، والرغبة، والقناعات المسبقة.
ففي حالة آرثر كونان دويل، لم يكن إيمانه بقضية "الجنيات" مجرد بحثٍ عن دليل، بل يمكن فهمه في سياق تحيزٍ نفسيٍ مرتبطٍ بالخوف من فكرة الموت، حيث تمثل فكرة وجود عالم غيبي امتدادًا مريحًا للوعي الإنساني بعد الحياة. هذا الميل جعل العقل أكثر استعدادًا لتبني الأدلة المؤيدة، وتجاهل الاحتمالات الخاطئة، وهو ما يتقاطع مع مفهوم "التحيز التأكيدي".
أما توماس إديسون، فقد ارتبط موقفه في صراعه مع نيكولا تسلا بما يمكن تفسيره بتحيز مختلف، يتمثل في الخوف من خسارة الاستثمار الفكري والمالي، ما جعله متمسكًا بخيار التيار المستمر رغم التحديات التقنية.
وهكذا، يتضح أن القرارات لم تكن نتاج وجود ذكاء أو غيابه، بل نتاج عقلٍ ذكي لكنه مُشبعٌ بانحيازات خفية، تُعيد تشكيل الحقيقة وفق ما يطمئن صاحبها لا وفق ما هو صحيح بالضرورة.
الذكاء لا يعني الحكمة
دعونا نُميّز هنا بوضوح بين الذكاء والحِكمة، فالذكاء يُعبّر عن القدرة على التحليل والاستنتاج وحلّ المشكلات، بينما تتجلّى الحِكمة في القدرة على توظيف هذه المعارف في السياق الصحيح، واتخاذ القرار الذي يوازن بين المنطق والواقع والنتائج المحتملة.
وبمعنى آخر، قد يمتلك الإنسان عقلًا شديد الذكاء، لكنه يفتقر إلى البصيرة التي تُرشده متى يتقدّم ومتى يتوقّف.
في الختام قد ننجح في اختبارات لويس تيرمان، ونكون الأسرع في الحساب أو الأدق في حل المسائل المنطقية، ومع ذلك يظل تفكيرنا مليئاً بالتحيزات الإدراكية؛ إذ كثيرًا ما نسعى إلى تأكيد ما نرغب في تصديقه، أو ما نميل إليه نفسيًا، أو حتى ما نعتبره حقيقة مسبقة، قد تعكس اختبارات الذكاء جانبًا من القدرات الذهنية، لكنها تبقى عاجزة عن الإحاطة بكل ما يجعل الإنسان قادرًا على الفهم، واتخاذ القرار، والتكيّف.
والإشكال الأعمق أننا لم نصل بعد إلى ذلك العالم المثالي الذي تصوّره تيرمان في أطروحاته، عالم يُفترض أن يقوده الذكاء نحو كفاءة أعلى وتنظيم أفضل، لكن الواقع ما زال حتى اليوم، مثقلًا بالصراعات، وسوء الفهم، والقرارات التي يتداخل فيها المنطق مع الانحياز والخوف والمصلحة.
ولعلّ ما نحتاجه اليوم ليس إعادة تعريف الذكاء فحسب، بل إعادة النظر في طريقة استخدامه، فالمعركة الحقيقية ليست بين من يملك عقلًا أذكى من غيره، بل بين من يعرف كيف يُنصت إلى عقله ومن ينجرف خلفه دون وعي.
لعلّ العالم لا يحتاج مزيدًا من الذكاء، بل قدرًا أعمق من الحكمة....
المصادر والمراجع:
1-A.Binet &T. Simon. (1905).
New Methods for the Diagnosis of the Intellectual Level of Subnormals
2- Terman, L. M. (1916).
The Measurement of Intelligence. Stanford University Press.
3- Flynn, J. R. (1984).
The mean IQ of Americans: Massive gains 1932–1978.
4- Kahneman, D. (2011).
Thinking, Fast and Slow.
5- Tversky, A., & Kahneman, D. (1974).
Judgment under Uncertainty: Heuristics and Biases.
6- Dunning, D., & Kruger, J. (1999).
Unskilled and Unaware of It.
7- The British Library (Cottingley Fairies archives & historical documentation)