يتناول فيلم "العيش" (2012)، للمخرج الروسي فاسيلي سيغاريف موضوعا فلسفياً يدور عن الموت، ومن خلال موضوعه هذا يتعرض لسلبيات موجودة في المجتمع الروسي الحالي. ومع أن موضوع الفيلم هو الموت، إلّا أن المخرج في حوار مع النقاد بعد أحد عروض الفيلم قال ما معناه إن حب الحياة والتعلّق بها هو ما يريد قوله في الفيلم، ومن هنا اسم الفيلم "العيش"، وأنه قدّم هذا الفيلم ليقول إن الموت حتمي وإنه ليس مرعباً، وإنما المرعب هو فقدان أصدقائك ومن حولك.
يتألّف الفيلم من ثلاث حكايات تجري متزامنة، دون أن يكون هناك أي رابط بينها. والرابط الوحيد بين هذه الحكايات، باستثناء موضوع الموت، أن أشخاصها جميعاً يشاهدون رجلاً واحداً. يظهر هذا الرجل في الفيلم عن بعد من خلال نافذة، وهو يدير عجلة دراجة بيده فيما هو جالس على جانب الطريق قبالة مجمع سكني عتيق قبل أن نشاهد رجلاً يظهر على الشاشة، ويقترب من صاحب الدراجة، ويأخذها منه ويلقي بها بعيداً. تركز كاميرا المخرج على مشهد فتاة وصديقها الذي تطلق عليه اسم "ماما" تودداً، يسترقان النظر من النافذة على الرجل الذي يدير العجلة ويتصرفان بغرابة، ثم تنتقل الكاميرا لنافذة أخرى حيث نشاهد أيضاً رجلاً وامرأة يسترقان النظر على نفس الشخص، ويمنعان طفلاً صغيراً موجوداً في الغرفة يجلس أمام الحاسوب من النظر من النافذة، وفي الحكاية الثالثة نتعرف على امرأة في حافلة يصعد إليها الرجل الذي كان يدير عجلة الدراجة مصطحباً دراجته. هذا الانتقال بين المشاهد يضعنا في حيرة وترقب.
يستمر الفيلم حيث تأخذ كل حكاية منحى مختلفاً عن الأخرى، وتنتقل الكاميرا بين الحكايات في قطع مفاجئ يعتمد على أسلوب المونتاج المتوازي. ومن هنا يمكن النظر إلى هذا الفيلم كنموذج لما يسمى بسينما النخبة، أو سينما المثقف التي تتطلب وعياً وثقافة سينمائية عالية.
في إحدى الحكايات يذهب الشاب والفتاة للكنيسة لعقد قرانهما، مع أننا سنعرف أنه مصاب بمرض نقص المناعة الذي لا شفاء منه. وفي طريق عودتهما في القطار يتعرض الشاب لاعتداء من عصابة تركب القطار نفسه يفقد حياته على إثره. تحاول الزوجة المفجوعة الانتحار بقطع شرايين يدها، لكنها تنجو ويتم إسعافها. لا تتقبل الزوجة حقيقة موت زوجها، فتتصوره فيما بعد معها في البيت يضمد جرحها.
أما المرأة التي شاهدناها في الحافلة، فسنعرف أنها كانت مدمنة على الكحول وأن لها ابنتان توأمان موجودتين في دار رعاية بعد أن وُضعت هي في مركز معالجة، وهي الآن بعد أن تعافت تجلس بانتظار عودتهما إليها، ولكن العربة التي تقلهما تتعرض لحادث تموت بسببه الابنتان؟ هنا أيضاً المرأة لا تتقبل موتهما، فتنبش القبر وتعود بالابنتين للمنزل، حيث نشاهد المرأة تتعامل معهما كأن شيئاً لم يكن، ثم تحرص على إخفائهما، ولكنها بعد ذلك تحرق المنزل الذي تتواجد به مع ابنتيها.
في الحكاية الثالثة نشاهد في سياق تطور أحداث الفيلم والدة الطفل الممنوع من النظر من النافذة، والتي تعيش مع عشيقها، تتحدث أمام باب الشقة مع رجل نشاهده فقط من الخلف، ومن الحديث ندرك أنه أب الطفل. ولكن أين كان هذا الأب قبل ذلك؟ فقط ومن خلال بعض الحوارات نعرف أنه توفي، وأنها لا تريد أن تخبر ابنها بذلك لأنه سيفكر أنها السبب بموته. وسيتضح مما ستذكره لعشيقها أن الأب كان مقامراً، وانتحر بإلقاء نفسه في النهر.
حصل الفيلم على ثلاث جوائز دولية في العام 2012 منها جائزة أفضل مخرج قدمها الاتحاد الدولي لنقاد السينما.