السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
تحية طيبة، وأما بعد،
أكتب لك رسالتي هذه، وأنا أعلم أنك لا تعرفني، وربما تفاجئك رسالتي، ولكني أعرف عنك بعض الشيء، وأعرف عنك ما عانيتَه من آلام وعذابٍ ومعاناة في آخر أيامك. ولم أستطع مقاومةَ الرغبة في أن أكتب إليك، إذ غلبني فضولي لما جال في ذهني من أفكار وتساؤلات لم أجد لها جواباً. كما وأتمنى أن أعرفَك لا أن أعرفَ عنك فقط، فارتأيتُ أن اكتب لك لأشاركك بعض ما عرفته عنك، وعلّني أيضاً أجد جواباً لأسئلتي في سعيي هذا لأن أعرفك ولأن أشبِع هذا الفضولَ الذي يتملكني.
من يعرفون عنكَ كُثُر، فالشِّعرُ الذي قَرَضتَه كان من أجملِ الشعر وأبلغَه وأجزلَه، ولكن لم يكن شعرُك وحدُه ما خلَّدك، بل وأيضاً حبَّك وعشقَك "ورد" وما اقتَرَفَته يداك حتى نِلتَ لقبَ "أسوأ عاشق في التاريخ". لا أعرفُ إن كانَ هذا اللقبُ منصفاً لك، ولا أعرفُ إن كنت فعلاً أسوأَ عاشقٍ في التاريخِ، أم مِن أعظَمِهِم. ويساورُني شكٌّ أيضاً يا ديكَ الجنِّ أن أمراً آخرَ خلَّد قصَّتَك، كاتبٌ آخر، سأُخبِرُكَ عنهُ في ختامِ رسالَتي.
أعرفُ أن اسمَك هو عبدُ السلامِ بن رَغبان بِن عبدِ السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن مَزيد بن تميم الكلبي الحمصي، وأنك وُلدت في العصرِ العباسيّ في مدينةِ حمص على الضِّفةِ الشَّرقية لنهرِ العاصي عام 161 هجرية، وتوفيت في العام 236 هجرية، فعشتَ ما يناهز خمساً وسبعين سنةً قمرية. وقرأتُ أنَّكَ يا عبدَالسّلامِ وُلدتَ تحديداً في حيٍّ تاريخيٍّ عريقٍ قديمٍ من أحياء مدينةِ حمصَ، وأنَّه كانَ أحدَ أبوابَ السُّورِ القديمِ لهذهِ المدينةِ الجميلة، والذي دخلَ منهُ الجيشُ الإسلاميُّ بقيادةِ خالدِ بنِ الوليدِ وأبي عبيدة عامرِ بنِ الجرّاحِ عندَ فتحِ المدينة. لو زُرتَ مدينتك اليوم لما عرفتَها. هل تذكُرُ يا عزيزي ذلكَ البابَ؛ بابَ الدّريب، والذي كانَ يطلقُ عليهِ أيضاً بابَ الشام أو بابَ الدّير. نُقِشَت عليهِ نقوشٌ جميلةٌ أيامَ سلطانٍ تولى الحُكمَ في حمصَ بعدَ وفاتِك ببضعِ مئاتٍ من السنين كانَ اسمُه نورُ الدين زنكي. أُزيلَ الباب بنقوشِه عام 1925 ميلادية ، بعد أن صمَدَ مئاتٍ، وربما آلافُ السنين، ولكن للأسَفِ طَغَت الحَماقة. كما ودُمِّر مُؤخراً جُزءٌ مِن مَدينَتِك الجَميلة، وهُجِّرَ جزءٌ كبيرٌ مِن سُكّانِها، ولكن سَأترُك تلك القصةَ الحزينةَ المُؤلِمَةَ إلى رسالةٍ أخرى، ولن أَخوضَ في شُجونِها الآن، وإن كان مُصاباً جَللاً لا يملكُ الإنسانُ أمامَه إلّا أن يَتأمَّل ويَتفكَّرَ في بَشاعةِ ما قد تَقترِفُه يدُ النوكى والجهلِ والجَشَع والحِقد.
لا أعرفُ شيئاً عن طُفولَتِك يا عبدَالسّلام، فَلَم يَكتُب التاريخُ عنها شيئاً يُذكر، ولكنَّ الرّاجِحَ أنَّكَ تلَقَّيتَ تَعليماً جيّداً، وهذا ما يستَدِلُّه المرءُ مِن شعرك، إذ تقول:
ما الذّنْبُ إلاّ لجدّي حين وَرَّثني علماً، وورَّثَهُ مِن قبلِ ذاكَ أبي
ولا أعرفُ إِن عِشتَ طفولةً سعيدةً هانئةً، وما إذا لَعِبتَ في شَوارِعِ وأَحياءِ حِمصَ، أم كانت طُفولتُك بائسةً، وفيها شيءٌ مِنَ الحِرمان. يقولونَ أنَّ شَخصِيَّةَ الإِنسانِ تَتَشكَّل في أُولى سَنَواتِ حَياتِه، وكَم أَوَدُّ أن تُخبِرَني عَن طُفولَتِك. هَل كنت تلعب في حواري حمص؟ هل ذهبت للكتاب، وتعلمت تلاوة القرآن الكريم وسعيت لحفظه؟ هل لديك إخوة وأخوات؟ كيف كان حنوّ أمِّك علَيك؟ هَل قَسى والدُك عليك؟ مَن كانَ أَصدِقاؤُك؟ ما الذي أضحكَكَ؟ وما الذي أبكاك؟ ما الذي أحزنَكَ؟ وما الذي أسعدَك؟ أعلمُ انّكَ عِشتَ حياةً مليئةً بالتناقضات من مرحلةِ شبابٍ انغمستَ فيها في المُجونِ والمَلذّات من خمرٍ ونساءٍ، إلى أن عَشِقتَ وأشغفَ قلبُك حبُّ "ورد" فتزوجتَها وكنتَ الزّوجَ العاشقَ المحبَّ المُخلِصَ، وكانَ بينَكم المودةُ والرحمةُ والسكينةُ، ثمَّ وقعتَ في حِيَلِ وألاعيبِ الحُسّادِ والحاقِدينَ، وأفقَدَتك غيرتُك صوابَك، وظَلَمتَ أَحبَّ الناسِ إليك، واقترفَت يداكَ ما اقترفَت لِتَعيشَ بَعدَها حَياةَ الجَحيم. أَسأتَ الظّنَّ بِزَوجتِك ورد وبِصَديقِك بكر، وَصدَّقتَ ما قَذَفوهُم بِه والإِشاعَةِ الظّالِمَةِ الكاذِبَةِ، فَقَتلتَهُما في لَحظَة غَضبٍ، ثُمّ اكتَشفتَ بَعدَها أَنّكَ ظَلَمتَهُما. لا أَستَطيعُ تَخَيُّل حَجمِ الأَلمِ والمُعاناةِ التي عِشتَ مَعَها، ولا أَعرفُ كَيفَ طِقتَ العَيشَ مَعَ هذا الذَّنبِ وهذهِ المُعاناة. لا يَستَطيعُ المرءُ أَن يَعيشَ مَعَ نَفسِهِ إِذا قَتَلَ نَفساً زَكِيّةً بِغيرِ ذَنب، فما بالُكَ إِذا كانَ مَن قَتلَ زوجتَه وحبيبتَه وصديقَه وخَليلَه، وكان ذَلِك دونَ أيِّ ذَنب. كَيفَ تَعايشتَ مَعَ هذا الرزءِ وهذا المُصابِ الجَلَل. هَل تَمَنّيتَ لَو أَنّكَ لَم تَعرِف وَرداً وَلَم تُحِبَّها؟ هَل تَمَنّيتَ لَو أنّكَ لَم تُوقِعها في شِباكِ حُبِّك؟ هَل تَمَنّيتَ لَو أنَّك صَبَرتَ قليلاً قَبلَ أَن تَتَملّكَكَ غيرَتُك وغَضَبُك وتَفقدَ صَوابَك؟ يقولونَ أنَّ الحُبَّ فيه شيءٌ مِن الجُنون، ولكنَّ غَضبَ الغيرةِ هو قطعاً ضربٌ مِن ضروبِ الجُنون. اعتذرُ مِنكَ يا صَديقي ديكَ الجنّ إن كُنتُ قَد آلمتُكَ بِكَلامي، واسمَح لي أن أَدعوك بصَديقي، وَلنعُد إلى الوراء قليلاً علّنا نَجِد جَواباً.
عَرفتُ مِن قِراءاتي أَنّكَ كُنتَ تَعيشُ في أَيّامِ صِباك وشَبابِكَ حياةَ المُجونِ والتَّرفِ والمَلَذّاتِ، مِن خَمرٍ وفَتَياتٍ ونِساء، وأنّكَ عَشِقتَ الغِناءَ والشِّعرَ والعَزفَ، وكُنتَ تَقرُضُ الشِّعرَ في الخَمر، ومِنه:
وحمراءُ قبلَ المزجِ صفراءُ بَعـدَهُ بَدَت بَينَ ثَوبي نَرجِـسٌ وشَـقـائقُ
حكَت وجنةُ المعشوقِ صرفاً، فسلّطوا عليها مزاجاً، فاكتَسَت لونَ عاشـقِ
ونَظَمتَ شِعراً في مُجونِكَ ومِنه:
تضاحكَ عَنْ بردٍ مُشْرقٍ ناجيتهُ من بَيْن جُلاَّسي
فكلَّما قبّلتهُ خِـفْـتُ أنْ يَذُوبَ من نيرانِ أنْفاسِي
كُنتَ تُفاخِرُ في تَمَرّدِكَ، وتُقارِنُ نَفسَكَ بِصَعاليكِ الجاهِلِيّة، وتَزعمُ أنّكَ أَكثرُ منهم تمرداً ورفضاً وشجاعةً فتقول:
وَخَوْضُ ليلٍ تخافُ الجِنُّ لُجَّتَهُ، ويَنْطوي جيشُها عن جيشه اللَّجِبِ
ما الشَنْفَرَى، وسُلَيْكٌ في مُغَيَّبَةٍ إلا رَضِيـعا لَبـانٍ في حِمىً أَشِبِ
أَعتقدُ أنّكَ تُبالِغُ بَعضَ الشّيءِ في مُقارنَةِ نَفسِك بِالشّنفَرى وسُلَيك، فَأنتَ تَعيشُ راغِداً مُنغَمِساً في مَلَذّاتِك ومادِّيّاتِك في العَصرِ العَباسِي، ولا أَعلَمُ إِن كُنتَ سَتصبر يوماً على شَظَفِ عَيشِ صَعاليكِ الجاهِلِيّةِ وَحَياتِهِم وَلَو لِيومٍ واحد، ولكِنّي أَعي ما تَقصِد وأَعرِفُ روحَ التّمرُّدِ فيك حقَّ المَعرِفَة. وبَلَغَت فيكَ روحُ التّمرّدِ قَدراً جَعَلك تُشكِّك في المُسَلَّماتِ إِذ تَقول:
هيَ الدُّنيا، وقد نَعِموا بأخرى وتسويفُ النّفوسِ من السَّوافِ
فإنْ كذبوا أمنتَ، وإنْ أصابوا فإنّ المبتليـكَ هو المعافـي
وأصدقُ ما أبثُّك أنَّ قلبـي بتصديقِ القيامةِ غيرُ صافي
ورَغمَ هذا التّمرّدِ وهذا المُجون، إلّا أَنّك كُنتَ قَليلَ السّفَر، وكُنتَ تَشتاقُ للشّامِ عِندَما تُغادِرُها في رِحلاتِكَ القَليلة، إذ تَقول:
أَمَالِيْ عَلى الشَّوْقِ اللَّجُوجِ مُعِينُ إذا نَزَحَتْ دَارٌ، وَخَفَّ قَطِينُ
إذا ذَكَرُوا عَهْدَ الشَّآمِ اسْتَعَادَنِي إلى مَنْ بِأَكْنَافِ الشَّآمِ حَنِينُ
تَطَــاوَلَ هَذا اللَّيْلُ حَتَّى كأَنَّما على نَجْمِهِ أَلاَّ يَعُودَ يَمـِينُ
ورغمَ كلِّ هَذا المُجونِ أَيضاً، ورَغمَ أنّكَ عِشتَ في العَصرِ العَبّاسي، إلّا أنّكَ كُنتَ مُتَشيِّعا تُحبُّ آلَ بيتِ النبي صلى الله عليه وسلم. لَم يَكُن هَذا تَدَيُّناً، بَل كانَ انتماءً سِياسِيّاً وامتِداداً لِتَمَرُّدِك وحِسِّكَ المُرهَف بِالعَدالة، وأنتَ القائِل:
يا عينُ في كَرْبُلاَ مَقَابِرُ قَدْ تَرَكْنَ قَلبي مَقَابرَ الكُرَبِ
مَقابرٌ تحتَها مَنابِرُ مِنْ عِلْمٍ وحِلْمٍ ومَنْظَرٍ عَجَبِ
مِنَ البَهَاليلِ آلِ فاطمةٍ أَهْلِ المعالي والسّادةِ النُّجُبِ
كَمْ شَرِقَتْ مِنهُم، السُّيُوفُ، وكَمْ رُوِّيَتِ الأَرْضُ مِنْ دَمٍ سَرِبِ
نَفْسي فِداءٌ لَكُمْ، ومَنْ لَكُمُ نَفْسي وأُمِّي وأُسْرَتي وأَبي
لا تَبْعَدُوا يا بَني النّبِيِّ على أَنْ قَد بَعُدْتُمْ والدُّهْرُ ذُو نُوَبِ
وبَقيتَ عَلى مُجونِكَ إِلى أَن شاءَتِ الأقدارُ أَن تُقابِلَ "ورد"، ولَم تَكُن تَعلمُ أنَّ لِقاءَها سَيَكونُ إيذاناً بِفَصلٍ جَديدٍ في حياتِك. كُنتَ تَسيرُ مَعَ صديقِكَ بَكر عِندَما سَمِعتَ غِناءً جَميلاً مِن أحدِ الأَديرِةَ النّصرانِيةِ في مَدينةِ حِمص. كانت "ورد" تُغَني شِعراً لك:
عساكي بحقِّ عيساكِ مُريحةً في قلبيَ الشّاكي
فإنَّ الحُسنَ قَد أَولاكِ إِحيائي وإِهلاكي
وأولَعَني بِصُلبانٍ ورُهبانٍ ونُساكِ
ولَم آتِ الكنائسَ عَن هوىً فيهنّ لولاكِ
لم تَستطِع المُقاومَة، وَجَذَبَتكَ "ورد" كما يَنجَذبُ النّحلُ لرحيقِ الزّهر، وَلَم تَدرِ لِمَ قادَتكَ قَدَماكَ لِأن تَقترِبَ وتَستَرِقَ السّمَعَ، وتَجسّسَ هَذهِ الجَميلةَ الحسناء وَهِي تُغَنّي، إلى أَن رَأَتكَ وَتَوجّسَتَ مِنكَ خيفة، فَأَخبَرتَها أَنّكَ ديكُ الجِنّ قائِلُ هذه الكَلِمات، ولكنّها لَم تُصدّقك؛ لِأَنها لَم تَقَبل أنّ دِيكَ الجِنِّ يُمكِن أَن يَتَجَسّس، وطَلَبَت مِنكَ الدَّليلَ، فَارتَجلتَ وقَرضتَ شِعراً في لحظتها وقلت:
قُولِي لِطَيفِكِ يَنثَني عَن مَضجَعي وَقتَ المَنام
كَي استَريحَ وتَنطَفي نارٌ تُؤَجِّجُ في العِظام
دنفٌ تُقلبه الأكفّ عَلى فِراشٍ مِن سقام
أما أنا فكما علمت فهل لِوصلِكِ مِن دَوام؟
ولكنها لم تصدقك، فعدلت القافية وقلت:
قولي لطيفك ينثني عن مضجعي وقتَ الرّقاد
كي استريحَ وتَنطَفي نارٌ تُؤَجِّج في الفُؤاد
دنف تقلبه الأكف على فراش من قتاد
أما أنا فكما علمت فهل لوصلك من معاد؟
ولكنّها لَم تُصدِّقُك أَيضاً، فَعدّلتَ القافِية مرةً ثانِيةً وقلت:
قولي لطيفك ينثني عن مضجعي وقت الهجوع
كي استريح وتنطفي نار تؤجج في الضلوع
دنف تقلبه الأكف على فراش من دموع
أما أنا فكما علمت فهل لوصلك من رجوع؟
ولكِنّها زَعَمَت أنّها لَم تُصَدّقك، فَعَدّلت القافِيةَ مرةً ثالثةً، ويبدو أنّك أَوقَعتَها في شِباكِك، وانتَقَمتَ لِسَرِقتها قلبَك، وقلت:
قولي لطيفك ينثني عن مضجعي وقت الوسن
كي استريح وتنطفي نار تؤجج في البدن
دنف تقلبه الأكف على فراش من شجن
أما أنا فكما علمت فهل لوصلك من ثمن؟
أحبَبتَها وأَحبّتك، وبَدأَت قِصةُ حبٍّ وعِشقٍ جَميلة، وهَجرتَ النّساءَ مِن أَجلِها، وَخَطبتَها وَطَلبتَ مِنها الزّواجَ، وطلبتَ مِنها أَن تُسلِمَ كَما تَرهبَنتَ أَنتَ وأَصبَحتَ مِن نُسّاكِ حُبِّها، ولِأَجلِكَ ولأجلِ حبِّها لَكَ اعتَنقتَ الإِسلامَ، فَكانَ الزّواج، وبَدأتُما مَعاً فَصلاً جَديداً.
ولكن كانَ لِلقَدَرِ قَولٌ آخر، وسَخّر ابنَ عمٍ لكَ أداةً لتَسطُرَ مَأساةَ حياتِك. لا أعلمُ إِن كانَ ابنُ العمِّ هَذا يَكرَهُك أَم يحسِدُكَ أَم يُحبُّ وَرداً أَم يَكرَهُها، وَكَم مِن أخٍ آذى أخاه، وأَلقاهُ في غَياهِبِ جُبٍّ وَتَمَنّى زَوالَ نِعمَتِه. حاولَ ابنُ عَمِّكَ التّقَربَ مِن وَرد، وَلكنّها كانَت تَصُدّه. دَفَعَتها حِكمَتُها وَحُبُّها لَكَ أَن تُخفِيَ عَنكَ ما تَسولُه لهُ نَفسَه وَما حاوَلَ فِعلَه. وَلكِنّه كادَ المَكائِد، وَرَتّبَ خُروجَكَ مِن حِمصَ لِتنصرِفَ لِأمورٍ ماليةٍ نَتيجةَ ضائِقةٍ أَلمّت بِك، وَلما صَدّته مَرةً أُخرى، أَشاعَ أنّها تَخونُك معَ صَديقِك وَخليلِك بَكر، ثُم أَوصلَ لَها خَبراً أنّك مِتّ في سَفَرِك، وَأوعَزَ لِشَخصٍ أَن يُوصِلَ لَكَ الشائعة وأَنتَ عَلى سَفرِك فَهَرعتَ بِالعودةِ لِبيتِك، لِتَجدها مع بكرٍ ترنّ وتَعول؛ لأنّها تَظنّك قَد مِت. وواجَهتَها بما سَمِعتَ وأَنكَرَت، وكان ابنُ عمّكَ قَد أرسلَ مَن يَدقُّ البابَ عِندَ وُصولِكَ وَيطلُبَ وِصالَها، فَجُنّ جُنونُك، وَفَقدتَ صَوابَك، واسَتَللتَ سَيفَكَ وقَتلتَها وَصديقَك بَكراً. كنتَ تعتقدُ أنّك انتقَمتَ لِنَفسِكَ ولِحُبّكَ ولِشَرَفِك، واعتقدتَ أنّ هَذا جزاءٌ عادِلٌ لِلخائِنِ، وأنّكَ شَفَيتَ غَليلَك.
مرّت بُرهةٌ من الزمن، إذ زُرتَ ابنَ عمّكَ وهوَ على فِراشِ المَوت، فَاعترفَ لكَ بما كادَ لك، واعترفَ لك بما سوّلَت لهُ نفسُه وما جَعلَ يديكَ تقترفان.
وا مصيبتاه!!! يا ويلاه!!!
لقد قتلتَ حبيبتَك وصديقَك ظُلما. يا لَهولِ الكارِثَة. لا أَعرِفُ كَيفَ كانَ وقعُ هذه الحَقيقةِ في نَفسِك، هَل أَدرَكتَ في تلكَ اللحظةِ أنّكَ قَتلتَ ورد وقتلتَ بكر دونَ وجه حق، وقتلتَ أيضاً روحَك؟
وهَكذا بدأَ الفصلُ الأخيرُ مِن حِكايتِكَ يا عبدَالسّلام، قِصّةٌ مِنَ المُعاناةِ والأَلَمِ والعَذاب. ولَم تَعُد تَقرِضُ الشِّعرَ إلّا رِثاءً وندماً، إذ تقول:
رويتُ مِن دمِها الثّرى ولَطالما روى الهوى شَفتَيّ مِن شَفَتَيها
قد باتَ سَيفي في مجالِ وِشاحِها ومدامِعي تَجري على خَدّيها
فوحقّ نَعليها وما وطئ الحصى شيء أعز علي من نعليها
ما كان قتليها لأني لم أكن أبكي إذا سقط الذباب عليها
لكني ضننت على العيون بحسنها، وأنفت من نظر الحسود إليها
وامتنعتَ عنِ الطّعامِ، وعاقَرتَ الخَمرةَ كَما لَم تُعاقِرها مِن قَبل، وَلَم يَكُن ذَلكَ انغِماساً في المَلَذّات، بَل كانَ تُرساً ودِرعاً تَسعى بِهِ لِتَخفيفِ وَطأَةِ ألمِ النّدمِ وعَذابِ الضّمير. ورُبّما كنتَ أيضاًً تَتوجّسُ مِن لِقائِهم، إِذ تقول:
بانوا فصار من بعدهم ما تصنع الشمس له فيا
بأي وجه أتلقاهم إذا رأوني بعدهم حيا
بلغَ بِكَ ألمُ الحُزنِ والنّدمِ لأَن تَرتَشِفَ الخَمرَ بَعدَ أن تَخلِطَه بِتُرابٍ مِن قبرِ ورد. وبَقيتَ على هذهِ الحال، وأنتَ تَسعى بَينَ قبرِ وردٍ وقبرِ بكر، إلى أَن وافَتكَ المَنِيّةَ بَينَهُما.
لا أعرِفُ ما الذي اقتَرَفَته يَداك؟ لا أَعرِفُ كَيفَ طاوَعَتكَ جَوارِحُكَ أَن تَقتُلَ زَوجتَك وحبيبَتَك؟ كَيفَ تَحمّلتَ أَلمَ هذا الجُرحِ الغائِر؟ وَكَيفَ تَعايشتَ مَعَ هذا الذّنب؟ هَل عايَشتَه أَم أَنّكَ مِتّ وأَنتَ عَلى قَيدِ الحياة؟ أَلم تَرَ كَيفَ أَحبّتكَ وأَخلَصَت لَكَ، واعتَنقَتَ ديناً غَيرَ دينِ آبائِها مِن أَجلِك؟ يَصِفونَكَ بِأنّكَ أَسوأُ عاشِقٍ في التّاريخ، لِأنّكَ قتلتَ حَبيبتَكَ، ولكنّي لا أعتَقِدُ أنّكَ أسوأُ عاشقٍ في التّاريخ، ولكِن مِن أَعظَمَهِم، ومِن أَعظَمِ ضَحايا الحُب، ولكِن فيك بَعضاً من الأنانية وكثيراً من التّناقُض. لَن أُثقِلَ عَليكَ، وسامِحني إِن فَعَلت، لأَنّي أَعلَم أَنّكَ تَعَذّبتَ ونَدِمت. رُبّما كانَ هذا حِسابُك في الدّنيا على خَطاياك، لا أَدري. ولكنّي أَعلمُ أنّكَ تَمَنّيتَ لَو لَم تَفعَل ما فَعَلت. لرُبّما تَمَنّيتَ لَو أنّكَ لَم تُقابِل وَرداً،، وَلَم تَسمَع غِناءَها في ذلك اليوم. وأَظنّ أَيضاً – كما أَخبَرتُك – أنّ قِصّتَك خلدها كاتبٌ آخر، فَقَد قَرأتُ قِصّةً تُشبِهُ قِصّتَك، وَرُبّما كانَت مُستَوحاةً منها. كتَبَها كاتبٌ عَظيمٌ ملكَ ناصيةَ الإِبداعِ وناصيةِ لغتِه. كَتَبها في جَزيرة تبعدُ عنكَ بَحرَين وقارّة بَعد بِضعِِ مِئين مِن السنين مِن وفاتِك. كان اسمُ بطلِ تلكَ القِصّة "عُطيل".
وفي ختامِ رسالتي، لا أعلمُ إِن كُنتُ سأُقابِلُك، وما إذا كنتَ سَتَقرَأ رِسالَتي، ولكّنّي أَرجو بَعدَ كلِّ رِحلة المُعاناةِ والعَذابِ الّتي مَرَرتَ بِها أَن تَكونَ يا عبدَالسّلام قد وجدتّ السّلام. فَأَخبِرني يا صديقي، هَل التَقَيتَهُم؟ هَل اعتَذَرتَ مِنهُم وطَلبتَ العفوَ والسّماح؟ هَل سَكنَت روحُك؟ هل ارتاح ضميرُك؟ هَل غَفَرت لِنَفسِك؟ هَل وَجَدتَ السّلام؟
والسلام،