الرحلة من الطفولة إلى الوعي
كنتُ طفلةً صغيرة، مدللة كملكة عظيمة، ثم أصبحت تلميذة بهية، معتمدة ولطيفة، ثم فتاة جامعية تحمل مسؤولية كبيرة، ثم موظفة نفسية محاطة بتجربة تطبيقية، والأهم اليوم… أنني أصبحتُ طبيبة ذاتي.
عندما قدمتَ إلى الدنيا وأنرتها بضيائك، كنتَ طفلاً صغيرًا باحثًا عن السكينة والطمأنينة، تسعى لإشباع الحاجات وتلبيتها بوجود والديك، وبالأخص الأم؛ فهي النماء ومصدر الجود، ومنبع المودة والمحبة. الطفل الصغير عندما يتألم، يلتجئ مباشرة إلى والديه، وعندما يمرض يصرخ بأعلى صوته: «أمي، أنا متعب»؛ لأنها في نظره الطبيبة الشافية، ودرع التحصين الأولي.
لكن عندما يكبر الإنسان، ويبلغ مرحلة الوعي، تصبح حياته مسؤوليته، وتغدو أنت درع الوقاية لذاتك. وعلى الرغم من وجود الوالدين في حياتك، إلا أنك قد تشعر يومًا ما بأنك تشكل عبئًا عليهما؛ وهنا ندرك أن اعتماد الإنسان على الله عز وجل، ثم على ذاته، من أهم الأمور التي يجب الاهتمام بها.
المسؤولية النفسية: أولوية لا رفاهية
كمرشدة نفسية، أرى أن حياتك اليوم تختلف كثيرًا عما كانت عليه سابقًا؛ فنظرتك لذاتك، وعيك، وإدراكك لقواك الشخصية تختلف باختلاف مراحل العمر. وكلما كبرنا، زادت المسؤوليات، وصعبت القرارات، وأصبح طريقنا مليئًا بالتحديات، ليغدو الاهتمام بالجانب النفسي أولوية لا رفاهية.
وهنا تبرز أهمية أن يتحمّل الإنسان ذاته، ليكون السند الذي لا يميل، واليد التي صُنعت من حديد. ومع ذلك… نبقى بحاجة إلى طبيب: ينصت، يدعم، يحتوي، يساعد، ويعطف. لكن السؤال: هل يوجد شخص نثق به إلى هذا الحد؟ ومن يفهمنا وكأننا طفلٌ صغير؟ ومن أين يأتي هذا الطبيب؟
في سياق الممارسات اليومية، ننتقل من القطاع المدرسي إلى الميدان الجامعي، ثم إلى المجتمع الوظيفي، وهي مراحل انتقالية كبيرة ومختلفة عمّا سبقها. وهنا نصل إلى حقيقة جوهرية: حياتك سلسلة من المهام والتحديات، وأنت تتحمل مسؤوليتها كاملة؛ فكل قرار هو اختيار، وكل اختيار مسؤولية.
تجربة واقعية: "أنا صديقة نفسي"
من خلال تجربتي العملية، ومع دخولي الحياة الجامعية ودراستي لتخصص الإرشاد النفسي، أدركت أن لا أحد في هذا الطريق معي سوى الله عز وجل، ثم نفسي. هذا الإدراك قادني إلى الحوار الذاتي، وبُحت بعبارة: «أنا صديقة نفسي».
أصبحت أنصت لصوتي الداخلي، الذي يخبرني متى أبوح بـ (نعم) أو (لا). كنت مرشدة لذاتي قبل أن أكون مرشدة للآخرين. ومع الوقت، زاد وعيي بنفسي، وكأنني وجدت رفيقةً حنونة تنصت دون أحكام، تحتويني في ضعفي، وتمسك بيدي كطفلةٍ صغيرة لتخبرني أنني أملك قوةً كبيرة، رغم ندوبي. لم يعد الأمر شعوراً فقط، بل أصبح سلوكًا.
الجميع يمتلك ذلك الرفيق المنصت الحبيب… ذلك الذي أسميته: الطبيب الداخلي. فهل سألت نفسك يوماً: كيف أنا من الداخل؟ كيف حالُ قلبك اليوم؟ ماذا استجدَّ في مدارك؟ هل روحك في طمأنينة؟ كيف مضى مطلع فجرك؟
نحن عندما نمرض جسديًا، نذهب فوراً إلى الطبيب ليصف لنا الترياق المرّ لتخفيف الأعراض. لكن ماذا عن حالتك النفسية؟ هل طرقت باب طبيبك الداخلي؟ هل كتبت وصفة فكرية؟ هل أنصتّ لصوتك الداخلي؟ هل استخلصت ترياقك الخاص بك لترتشفه كل صباح، أم اعتدت على ابتياعه من رفوف الصيدلية؟
قد تبدو هذه الأسئلة غريبة، لكن عندما نعيد قراءتها بتمعن، ستجد نظام فكرك يُجيب تلقائيًا: نعم أو لا. فكلما صدقنا مع ذواتنا اقتربنا منها، وكلما توهّمنا… سَقَمنا.
المشهد المؤثر: الصومعة والرفيق الأصيل
سأشارككم مشهداً بعث في نفسي أثراً... تَسَلَّلَتْ إلى ذاكرتي حادثة عندما كنتُ أتقدم بمادة تدريبية لطلبة الجامعة، تَناهَى إلى مَسَامِعِي عبارة: "أنا لا أستمع لنفسي لأستمع لمشاكلك."
لقد لفت انتباهي ما باح به ذلك الشاب، واضطررتُ لفتح باب الحوار بيني وبينه بعد انتهاء وقت المحاضرة. أخبرته بصريح العبارة: "إن ما سمعته منك قد تغلغل في أعماقي"، وبُحت بثقة وسألت: هل حقاً أنت لا تنصت لنفسك؟
ابتسم وقال: "أجل صدقًا، أنا لا أستمع لذاتي، وأشعر أنني بعيد عنها، وجميع تصرفاتي عشوائية وحياتي مبعثرة، لا أجد من يفهمني ولا يسمع لي، فكيف تريدين مني أن أستمع لذاتي وأنا لا أجد من يهتم بي؟".
عندما تأملت في إجابته، همست له بهدوء: "إنه يوجد صديق أصيل ستثق به، وينصت لك ويهتم بك كطفل صغير، ولا أحد يعرف ما تبوح له به سوى ذاتك، ستقضي معهُ ساعات طويلة ليصبح ملاذك الآمن، ليخرجك من بعثرة روحك". اعتراه الذهول، ليندفع قائلاً: "هذا ما أبحث عنه، أين أجد ذلك الرفيق؟".
ابتسمت وقلت له: "عندما ينجلي سُجون الليل، اعتزل بصومعتك الخاصة بغرفتك، بمقهى، أو بأي ركن مفضل لك، وابدأ بالتحدث مع ذاتك، وكأنها صديق تثق به، واسألها: هل روحك في طمأنينة؟ أخبرها بحاجاتك ورغباتك، ابدأ بتوثيقها على ورقة بخطوط واضحة، ابقَ على ديمومة الحديث دون انقطاع للوصول للوعي، لتطهير عقلك من فكرة البحث عن معين خارجي يحتويك وأنت مقيد من الداخل. لملم شتات نفسك وبعثرة روحك؛ فبداخلك طبيب قادر على تقويض مشاعر الوطأة والقيد وتنقية الروح من ذلك الغبار والشوائب، هكذا تكون رفيق ذاتك وتتبع مسارًا جديدًا للتعافي".
بقي الشاب صامتًا دون ردة فعل، فقط كان يناظر الأرض بعيون لامعة وكأنه يتأمل في غراس فكره المبعثر، نظر إلي وقال: "فهمت قصدك، أشكرك على تفهمك، كلامك ترك أثرًا كبيرًا بداخلي، اليوم سأفعل ذلك، وأعتزل بصومعة فكري".
أنهيت نقاشي بقول: عندما يكون هناك وثاق بينك وبين ذاتك، تنصت لمكنونات روحك، تبذل قُصارى اصطبارك على إعيائها وسُهادها، تحصنها من همس هواجسك، تُدثرها بغطاء رهيف كبلسم يرمم ما أثقل كاهل روحك؛ عن كثب ستلتمس تجليًا عظيمًا بين نفائس روحك.
خطوات عملية للتعافي:
إليكم خطوات بسيطة تساعدكم عندما يكون عقلكم غارقًا بسديم من التساؤلات؛ كلما أجبتم اقتربتم من ذاتكم، وكلما تجاهلتُم تقيدتم:
- أولاً: مسار الخلوة والكتابة أن تجلس مع نفسك يوميًا لمدة 20–30 دقيقة، بعيدًا عن المشتتات، في لحظة سكون. إما بحديثٍ ذاتي صادق، أو بكتابة وصفة فكرية على ورقة بيضاء، تكتب فيها ما يجول بخاطرك دون ترتيب أو تجميل. اكتب لتفهم نفسك أكثر… ثم أعد ترتيب تلك الوصفة بما يخدم احتياجاتك الحقيقية.
- ثانياً: مسار الإنصات الجسدي والروحي أنصت لصوتك الداخلي كل يوم؛ عندما تكون مرهقًا خذ قسطًا كافيًا من الراحة، عندما تكون جائعًا تناول ألذ الأطباق ودلل ذاتك فهي تستحق، عندما يراودك شعور الضيق انطلق وشرّع النوافذ واسحب نفسًا عميقًا يُهدئ روعك، وتطيّب بشذى أرض غراس فكرك. اسمح لبصيص الصباح بالتسلل لعقلك لتنمو بسكون مطبق لتترك صدىً فاتنًا يتغلغل بخلايا قلبك.
- ثالثاً: مسار التنقية الفكرية عندما تزورك هواجس سلبية وغير عقلانية، سارع بإغلاق أبواب عقلك، ولا تسمح لها بالدخول، وإذا كنت غير قادر على السيطرة قم باستبدالها برؤى وخواطر نقية مسالمة، لتهدأ هواجسك وكأنك انتهجت مسارًا جديدًا للسعادة. كلما قمت بتنقية عقلك من الأفكار السلبية، كلما انتهجت نظام فكر إيجابيًا لتتحول مزرعتك إلى روضة من الأفكار المبهجة.
خاتمة
انْفَرِد بِفُؤادك لتكون أنت الملاذ الآمن من ضجيج العالم، اهمس لوجدانك ببصائر مسالمة، ناجِ رُوحَك بكنوز مكنوناتك لتطهير الوجدان من شوائب الكمد، تَباهَ بهيام ذاتك، تمعن بنقاء أتربة غراس فكرك وبهاء ثمارك المبذورة بخواطر المنطق، تفوح منها رائحة عبير التربة المبللة بـقِنطارِ الطمأنينة والإيجابية، لتكون بمثابة نفائس ثمينة تمتلكها.
ستدرك أن لا أحد يفهمك كما تفهم نفسك. ومن هنا يبدأ وعي الذات… لتصبح رفيقها، وطبيبها الخفي.
اقترب من ذاتك… استمع لصوتك الداخلي… كن طبيبًا لها.
فالإنسان، في جوهره، منارةٌ للأمل والمعرفة.