في ظل تسارع المناهج، وتراكم الواجبات، وكثرة أدوات التقييم، قد يُظن أن أعظم إنجازات المدرسة يتمثل في ارتفاع التحصيل الأكاديمي أو تحقيق نتائج متميزة في الاختبارات. لكن الحقيقة الأعمق، والتي قد لا تُقاس بسهولة، هي أن أعظم إنجاز تحققه المدرسة هو بناء صورة صحية وإيجابية لدى الطالب عن نفسه.
فالطالب يرى ذاته كما تنعكس له من خلال الآخرين، وفي مقدمتهم المعلم، وهنا تتجلى قوة ما يُعرف بالتغذية الراجعة الأمامية (Feedforward)، باعتبارها توجيهًا واعيًا نحو ما يمكن أن يكون عليه الطالب، ولا تقتصر في الترّكيز على الخطأ؛ فهي لا تكتفي بالإجابة عن ماذا حدث، بل تمتد لتجيب عن ماذا يمكن أن تفعل لتتحسن، لتغدو بذلك رسالة ضمنية عميقة تُخبر الطالب: من أنت الآن، وما الذي يمكنك أن تكونه. كل عبارة تُقال للطالب، وكل ملاحظة تُكتب له، تسهم في تشكيل تصوره عن ذاته. فعندما يسمع الطالب عبارات ناقدة متكررة تركز على القصور، فإنه لا يستقبلها كمعلومة عابرة، بل يبني منها قناعة داخلية قد تلازمه طويلًا. في حين، عندما يُخاطب بأسلوب يعترف بجهده، ويوجه خطأه دون كسر ثقته، فإنه يبدأ برؤية نفسه كشخص قادر على التعلم والتطور.
ومن هنا، لا تكمن قوة المدرسة في كمية التقييم الذي تقدمه، بل في جودة الرسائل التي يحملها هذا التقييم. فالتغذية الراجعة الإيجابية لا تعني تجاهل الأخطاء، بل تعني تصحيحها بطريقة تحافظ على كرامة الطالب، وتبني دافعيته، وتدعمه نفسيًا ومعرفيًا في آنٍ واحد.
وقد يبرز هنا تساؤل واقعي: كيف يمكن تحقيق هذا التوازن في ظل الأعداد الكبيرة من الطلبة، وضيق الوقت، وكثافة المناهج؟
الإجابة تكمن في أن التوازن لا يتطلب جهدًا أكبر بقدر ما يتطلب وعيًا أعمق بطريقة التواصل. فالتغذية الراجعة الفعّالة لا تُقاس بطولها، بل بأثرها؛ وقد تكون كلمة قصيرة صادقة، أو ملاحظة محددة بأسلوبٍ دمِث كفيلة بإحداث فرق حقيقي في إدراك الطالب لذاته.
ويجدر الإشارة إلى ممارسات ذكية، مثل توجيه ملاحظات إيجابية عامة للصف (داء مميز استمروا بهذا الجهد) (تقدم واضح عند أغلبكم كملوا بنفس الحماس)، واستخدام عبارات مختصرة واضحة (حاول مرة ثانية، أنت قريبة من الحل) و (أثق بقدرتك على إنجاز الواجب)، وتشجيع الطلبة على التقييم الذاتي (لو أُتيح لك إعادة الإجابة، ماذا ستعدل؟)، والتي من شأنها أن تتيح للمعلّم أن يتواصل مع الطلبة، دون أن يفقد البعد الإنساني في التواصل. فالمعلم لا يحتاج أن يتحدث طويلًا مع كل طالب، بقدر ما يحتاج أن يجعل كل طالب يشعر بأنه مرئي ومقدّر ومفهوم.
إن الطالب الذي يتلقى تغذية راجعة متوازنة يتعلم أن الخطأ جزء طبيعي من التعلم، ويطور ما يُعرف بعقلية النمو (Growth Mindset)، وهو مفهوم قدّمته الباحثة Carol Dweck، ويعني أن قدرات الفرد يمكن تطويرها من خلال الجهد والتعلّم والتجربة، وليست ثابتة. ولها دور في تكوين علاقة صحية للطّالب مع ذاته. أما الطالب الذي يتعرض لنقد قاسٍ أو مستمر دون دعم، فقد يفقد ثقته بنفسه، ويتجنب المحاولة ويربط قيمته بنتائجه، وليس بالجهد الذي يقوم به.
لذلك، فإن إدراك المدرسة لدور التغذية الراجعة في تشكيل هوية الطالب يمثل تحولًا حقيقيًا في فلسفتها التربوية. فالمدرسة تُسهم في تشكيل كيف يرى الطّالب نفسه. وحين تعي المؤسسة التعليمية أن كل كلمة تُقال قد تبني طالبًا أو تهدمه، فإنها تبدأ فعليًا في تحقيق أعظم إنجازاتها.
وختامًا، إن الطالب الذي يُقدّر ذاته، ويؤمن بقدرته على التعلم، هو ثمرة بيئة تربوية واعية، تعرف أن التعليم يمتد ليشمل بناء الإنسان من الداخل، ولا يقتصر على نقل المعرفة. وهذا يتحقق بكلمة صادقة، وتغذية راجعة واعية، ومعلم يرى في الطالب ما يمكن أن يكون عليه.
قد لا يتذكر الطالب كل ما تعلمه… لكنه سيتذكر دائمًا كيف جعله المعلم يرى نفسه.