ظلّ الاغتراب شعوراً يفرض نفسه على من ابتعد عن وطنه من كتابنا وشعرائنا ومبدعينا على اختلاف مواهبهم أسوة بغيرنا من الأمم، فنجد أمثلة كثيرة من شعراء وأدباء العربية ممن كتبوا الشعر من مهجرهم، أو منفاهم بعد نفيهم مثل أحمد شوقي وبيرم التونسي وغيرهم.
ومع ظهور الأعمال الدرامية بعد تأسيس التلفزيون في ستينات القرن الماضي، بدأت الدراما والسينما منذ عقد السبعينات بتقديم أعمال متنوعة قدمت الاغتراب بأكثر من زاوية، فمثلاً قدم دريد لحام في فيلم الحدود نموذجاً مغايراً عن مفهوم الغربة التقليدي، حيث نستطيع القول إنه قدم نموذجاً للإنسان المغترب، ولكن بصورة جديدة ومغايرة ومختلفة، هي غربة في داخل "عبد الودود" قبل أن ترسمها الحدود الخارجية.
أما على صعيد السينما المصرية، فقد قدمت في عقدي الثمانينات والتسعينات عدة أفلام قدمت تجربة الاغتراب والمغتربين والهجرة حيث كان طرح هذه الأفلام لقضية الهجرة والاغتراب يختلف، فمنها ما تناول هذه التجربة على أنها تجربة إنسانية ذات أبعاد فلسفية على الذات الإنسانية مثل فيلم المهاجر ليوسف شاهين، وسبقه خلال حقبة الثمانينات أكثر من فيلم أهمها زمن حاتم زهران أيضاً.
في التسعينات قدمت السينما المصرية أكثر من نموذج تطرق لهذه القضية مثل: همام في أمستردام، تايه في أمريكا وغيرها.
كانت الألفية الثالثة بمثابة انطلاقة جديدة لسينما الاغتراب في مصر حيث بدأت السينما تتناول فكرة العودة إلى الوطن بعد الحنين والعيش في أخدود مشتعل من الذكريات بكل ما في الوطن الأم من ألم وهذا ما نجده في فيلم حالة حب الذي تم إنتاجه سنة 2004 بطولة تامر حسني وهاني سلامة وفيلم عسل أسود بطولة أحمد حلمي والذي أنتج سنة 2010.
ويصور فيلم عسل أسود على سبيل المثال ما واجهه البطل من تحديات بعد 20 عاماً من الغياب عن وطنه الأم بعد هجرته مع والديه، واستطاع الكاتب ومن خلال مواقف الحياة اليومية البسيطة أن يجعل البطل يعيش مقارنة ومفارقة دائمة دون الزج المباشر لما يريد قوله أو طرحه، فكان رسماً عبقرياً للسيناريو لمشاهد جمع بينها حنين البطل لوطنه وسخطه لطريقة العيش فيه في آن معاً.
أما الدراما السورية والسينما أيضاً، فقد قدمت الكثير من النماذج التي وقفت عند قضية الهجرة خاصة بعد 2011، ولكن هذا لا يمنع أن طرح هذه القضية قديم حديث، فنجد هناك أفلاماً مثل فيلم العمل في الجزيرة العربية (1975)، ولم يقتصر تناول هذه القضية سواء أكان سفراً للعمل أو للدراسة أو للهجرة قبل الحرب على السينما، بل تناولت الأمر عدداً من المسلسلات الدرامية مثل: هجرة القلوب إلى القلوب، مسلسل سفر، ومسلسل ذكريات الزمن القادم، ومسلسل الأرواح المهاجرة والمنظور الفلسفي الذي تناول من خلاله الهجرة. وتطور طرح مفهوم الغربة ما بعد 2011، فقد تناولت الاغتراب من زاوية مختلفة، وقدم مصطلحات جديدة بدأ استخدامها بعد الحرب مثل: نزوح ونازحين ولاجئين ولم الشمل، وهي مصطلحات لن نجدها في تلك الدراما التي تقدم الهجرة أو السفر قبل الحرب؛ لأنها كلمات فرضها المتغيرات السياسية، وهذه الأعمال كثيرة مثل: مسلسل وجوه وأماكن، النار بالنار الذي يناقش حياة النازحين في لبنان، وغير هذه المسلسلات الكثير.
وركزت المسلسلات التي تناولت القضية بعد الحرب على المعاناة اليومية التي خلفتها الحرب بشكل واقعي صرف، فنجد أن مسلسلات ما بعد 2011 تطرح رؤيا أكثر واقعية، وتلجأ إلى توثيق قصص حقيقية.
وقد كان هناك طرح مغاير لنموذج المغترب ما بعد الحرب في الدراما السورية في مسلسل "نسمات أيلول " وأعتقد أن سبب ذلك أن هذا العمل لم يكن درامياً، بل كان كوميديا، وظلت رولا هذه الفتاة التي ولدت وعاشت في الغربة تتذمر في البداية من الحياة في القرية، وكانت روح العمل كوميدية أنتجت طرحاً مختلفاً كلياً عن الغربة، ولكن المشهد الأخير، كان مشهداً مختلفاً واختزالاً ذكياً دراماتيكياً واقعياً، بإغلاق للمشهد بأمنية البطلة وهي في طريقها للسفر لتعيش بلدها بسلام في نهاية منطقية.
ويبقى المغترب في الدراما والسينما ما بين الحنين والذكريات وبين وقائع النزوح وألم الهجرة وصراع تحقيق الأحلام، وتبقى صورته ذات زوايا متعددة.