أحيانًا أُفكّر: كم مرة سمعنا رواية واحدة فقط، ثم صدّقناها بالكامل، دون أن نتوقف؟ لا لأننا متأكدون، بل لأن الرواية الأولى دائمًا تبدو مريحة، وكأنها تكفينا لنغلق باب السؤال ونمضي. في لحظة عابرة، قد تتكوّن لدينا صورة كاملة عن شخص، أو حكم نهائي على موقف لم نره إلا من زاوية واحدة، نسمع شيئًا، فنميل إليه دون وعي، ثم يتحول هذا الميل إلى قناعة، وكأننا امتلكنا الحقيقة كاملة، رغم أننا لم نرَ إلا جزءًا صغيرًا منها.
ألاحظ أن المشكلة ليست في سماع رواية واحدة، فهذا يحدث طبيعيًا، بل في أننا نتمسك بها، دون أن نبحث عن غيرها، نرتاح لفكرة أننا فهمنا، فنغلق الباب على ما قد يأتي لاحقًا، وهنا يبدأ الخلل بهدوء: حين يتحول الجزء إلى كل، والانطباع إلى حكم، والحكم إلى يقين. كلما تأملت معنى العدالة، أجد أنها لا تشبه هذا التسرع إطلاقًا، العدالة أبطأ بكثير مما نحب، لا تقوم على أول ما يُقال، بل على ما يُقال كاملًا، وربما حتى على ما لا يُقال أيضًا، أحيانًا أشعر أن ما يُخفى من القصة لا يقل أهمية عمّا يُروى.
في الحياة اليومية، نمرّ بهذا كثيرًا، دون أن ننتبه، خبر يصلنا من جهة واحدة، أو خلاف نسمع فيه صوت طرف دون الآخر، أو قصة تُروى بزاوية محددة فقط، ومع الوقت، نُكوّن موقفًا، ثم نصدّقه، ثم نعتبره حقيقة، رغم أنه لم يكتمل أصلًا. لكن الحقيقة، كما أشعر بها، لا تُبنى بهذه السرعة، هي تحتاج وقتًا، وتحتاج أن نتوقف قليلًا، وأن نترك احتمال أننا ربما لم نفهم كل شيء بعد، وهذا الاحتمال تحديدًا هو ما يغيّر طريقة الحكم على الأشياء.
أتذكر قصة تُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين جاءه رجل يشتكي آخر أنه اعتدى عليه واقتلع عينه، للوهلة الأولى، يبدو الأمر واضحًا، بل يدفعك مباشرة إلى تصور حكم سريع، لكن ما حدث كان مختلفًا، لم يكتفِ بسماع طرف واحد، بل طلب أن يَسمع الطرف الآخر أيضًا. عندها فقط بدأت الصورة تتسع أمامه، الطرف الآخر لم ينكر الواقعة، لكنه أوضح أن ما حدث لم يكن البداية، بل نتيجة لفعل سابق قام به المشتكي نفسه، فقد كان هو من بدأ الاعتداء أولًا، واقتلع عيني الرجل الآخر، فجاء الرد لاحقًا في سياق ردّ الفعل، لم تتغير الحقيقة، لكن تغيّر فهمها بالكامل في تلك اللحظة.
ما زلت أرى أن هذه القصة لا تتحدث عن القضاء فقط، بل عن طريقة إدراكنا نحن للأشياء، وعن سهولة أن نحكم حين نسمع طرفًا واحدًا، وصعوبة أن ننتظر حتى تكتمل الصورة. حتى في القصص التي نعرفها منذ طفولتنا، مثل ليلى والذئب، لم نسأل أنفسنا كثيرًا: لماذا قبلنا رواية واحدة فقط؟ كنا نرى ليلى البريئة، والذئب الشرير، ونغلق القصة عند هذا الحد، لم نفكر أن السرد نفسه لو تغيّر، قد يجعلنا نرى التفاصيل بشكل مختلف، دون أن يعني ذلك أن الحقيقة يجب أن تتبدل، بل أن فهمنا لها هو الذي يتبدل.
أحيانًا أعتقد أن أخطر ما في الأمر ليس الخطأ نفسه، بل الثقة الكاملة بأن ما نعرفه هو كل ما يوجد، هذا الإحساس بالاكتمال الزائف يجعلنا نتوقف عن السؤال، وهذا أخطر من الجهل نفسه. في هذا الزمن بالذات، أشعر أن المشكلة أصبحت أكبر، الأخبار تنتشر بسرعة، والانطباعات تُصنع في لحظات، والحكم يُطلق قبل أن تكتمل القصة، ومع هذا الإيقاع السريع، يصبح من السهل جدًا أن نصدق أول رواية، لا لأنها الأصح، بل لأنها وصلت أولًا.
لكن العدالة، كما أراها، لا تُبنى على السرعة، بل على التريث، وعلى القدرة على ترك مساحة لاحتمال أننا لم نرَ كل شيء بعد، وهذا أصعب مما يبدو، لأنه يتطلب أن نؤجل ردّة فعلنا الأولى، وأن نمنح أنفسنا وقتًا إضافيًا للفهم. الإنصاف في النهاية، لا يعني أن نرضي الجميع، بل أن نمنح الجميع فرصة أن يُسمعوا، وأن نؤجل الحكم، ليس ترددًا، بل احترامًا لفكرة أن الحقيقة قد تكون أكبر من الرواية التي وصلتنا أولًا.
وأحيانًا أعود لفكرة بسيطة لكنها تزعجني: كم من حكمٍ أصدرناه بثقة، لو انتظرنا قليلًا فقط، لتغيّر تمامًا؟ ربما لهذا أظن أن أخطر ما في الظلم ليس نية الظلم، بل الاكتفاء برواية واحدة، ظننا للحظة أنها كانت كافية.